الرئيسية / كلمة العدد / المثقف و السلطة… أحمد بهاء الدين نموذجاً!    2/3
مودي حكيم
مودي حكيم

المثقف و السلطة… أحمد بهاء الدين نموذجاً!    2/3

تسمرت في مكاني مع خبر سفر الأستاذ بهاء للكويت. إنتظرت هينهة، استسلم الى الإستغراب المرسوم على وجهي, خرجت الكلمات متدافعة من بين شفتي:

“الكويت… قلت الكويت”؟

تنهد, تنهيدة مكروب:

“و الى رئاسة تحرير مجلة “العربي” خلفا للدكتور أحمد زكي”.

جرحت عينيه دمعات تجمدت فيهما, إسترد بسرعة وقاره, تحفز, قطب, تاهت يده في الفراغ, تقوّى بنبراته:

“حافظت في كل الظروف على إبداء رأيي بأمانة و استقلال, و كنت أرى, كما كنت تلاحظ, إنه إذا تعذرّت الكتابة بسبب الرقابة, امتنعت و كتبت في قضايا أخرى مثل التاريخ أو  السياسة الدولية,  لكنني في كل ظروف الثورة، أعتز بأنني لم أكتب غير ما أعتقد، مخطئا كنت أم مصيبا”.

رمقني بنظرة عجلي, و ذاكرته لم يرهقها التذكر, و لم يُغيّب الزمان الحقائق:

“أتذكر جيداً, أنني كتبت “أيام لها تاريخ” في مرحلة كانت الرقابة فيها بالغة الشدة,  و قد قصدت فيه تذكير الناس ان مصر لم تولد من رحم ثورة يوليو, بعدما تمادى المتنفعون و المتملقون للجيش بالقضاء على الماضي”.

خرجت من عينيه نظرة غضبى, رشها على وجهي:

“كان  ذلك في عام 1954 أثناء “أزمة مارس”,  و كنت أريد أن أقول  أيضاً, إنه لابد للبلد من دستور و من حد أدنى من الديموقراطية, على الرغم من توافقي على الإتجاهات الإجتماعية الأساسية للسلطة الجديدة”.

أخذت عنه الكلام:

“فإستعنت بالتاريخ لإيصال أفكارك, من دون أن تجعل الرقيب يحذف أو يمنع. فجاءت فصول الكتاب, إذا لم تخُني الذاكرة, تتحدث عن حرية الرأي, و ضرورة  وجود الدستور من خلال قصص و مواقف من تاريخ مصر الحديث”.

هتف, فرحاً:

“صحيح… صحيح”.

بعد ثورة “الضباط الأحرار” في 23 يوليو 1952, إنبرى كثير من المثقفين و الكتاب و الصحافيين الى الإقتراب  من السلطة الجديدة, و بعضهم تمادى الي حد الإلتصاق بتلك السلطة, و بعضهم الآخر الي حد الإلتحاق, و القلة القليلة, حافظت على درجة من الإستقلالية في الرأي, فإنحازت مواقفهم الى قناعاتهم, وحدها, من دون خوف و لا وجل من إغضاب تلك السلطة. و كان أحمد بهاء الدين من عجينة هؤلاء, فكانت علاقته من السلطة متَّسِقة و متماهيةً مع رؤيته للأمور و قناعاته, و منطلقاً, في تلك العلاقة, منذ أن بدأ يغمس القلم بالحبر و يجرجره على الورق, من منتصف الأربعينات حتي دخوله في الغيبوبة التي أماتته,  من مشروعه التنويري, الليبرالي… و لا غروة, فهو  الإبن  البار لليبرالية المصرية، ظل همه في كل ما كتب و دبج و صاغ, البحث عن جماليات الديموقراطية, التي تمزج بين الوطنية, و المعرفة, و القدرة على التحليل, ثم النفاذ إلى المستقبل.

و أذكر, فيما أذكر, و يجب ذكره ها هنا, أن محمد فائق, الذي كان تولى حقيبة “الإرشاد القومي” (الإعلام فيما بعد) في الحكومة التي شكلها جمال عبدالناصر بعد إستفتاء 30 مارس سنة 1968، قال على الملأ:

“إن أحمد بهاء الدين, كان في كل ما كتبه عن سياسة الدولة, متفقاً معها, كان يكتبه من قناعاته, و من دون أي معلومات, أو تعليمات, بينما كانت تعليمات  الرئيس عبدالناصر لنا: يوضع محمد حسنين هيكل في الصورة بشكل دائم”.

و على ذلك, تكون مقالات هيكل مُوحى بها, و مزودة بكل المعلومات, و ما يُراد تناوله و طرحه و تعميمه في الداخل و الخارج, بينما مقالات أحمد بهاء الدين, مصاغة, إنطلاقاً من قناعاته, و رؤيته المستقلة.

كان أستاذي و صديقي كامل زهيري, يردد أمامي:

” بهاء الدين, ضحية إستقلاليته الدائمة, و هو أنموذج للعلاقة بين السلطة و المثقف”.

و يُشيح الزهيري بوجهه بعيداً, و ينتشي بكلماته:

” أحمد بهاء الدين, وصفته دائماً بأنه “كيميائي الكلام”, فهو يستطيع أن يلخص الموقف بكلمتين, و من دون تطويل و تزويق باهت, مصطنع , و هو يصك العبارات الدقيقة كأنه جواهرجي”.

و كامل زهيري كان على صواب, فأحمد بهاء الدين هو صاحب تعابير كثيرة, دخلت لغة الصحافة, و باتت على رأس كل قلم ينزل على الورق , منها “الدولة العصرية”، “الدولة المدنية”، “دولة القانون” (و قد أخذها الرئيس السادات عنه)، “الفجوة الحضارية”…

لم يمنعه تأييده المتحمس للرئيس جمال عبدالناصر من المواجهة غير المحسوبة معه, و تطلع من الذاكرة ما حدث في 28 فبراير سنة 1968. كان أحمد بهاء الدين, في هاتيك السنة, نقيباً للصحافيين,  فعقد مجلس النقابة إجتماعًا طارئًا لمناقشة تظاهرات الطلبة الجامعيين  الذين إفترشوا الشوارع, إحتجاجاً على  نتائج محاكمة قادة سلاح الطيران, و قد حمّلوا عبد الناصر مسؤولية  “نكسة” يونيو1967.

و بعد الكثير الذي نزل على الكلام في الإجتماع, إستقر رأي المجتمعين على إصدار بيان يساندون فيه تظاهرات طلبة الجامعات, و يدعمون إحتجاجات العمال في المحافظات شتى,  باعتبارها “تعبيرًا عن إرادة شعبية عامة تطالب بالتغيير على ضوء الحقائق التي كشفت عنها النكسة, و بناء عليه يجب الإسراع في حساب كل المسؤولين, و تعميم الحساب ليشمل كل القطاعات و المؤسسات في البلاد. و يجب توسيع قاعدة الديموقراطية، و الإسراع في إصدار القوانين المنظِّمة للحريات العامة, و إجراء انتخابات اللجان النقابية و مجالس النقابات التي تجمدت, و حُرمت من حقها في انتخاب قياداتها, و تحقيق العدالة في توزيع الأعباء المترتبة على الإستعداد لإزالة آثار العدوان”.

وقّع أعضاء المجلس و منهم كامل زهيري، محمود المراغي و علي حمدي الجمّال على البيان…  و قبل إصداره تلّقى أحمد بهاء الدين إتصالاً هاتفياً, كان على الطرف الآخر محمد فائق,  يطلب منه عدم توزيع البيان …

فرد أحمد بهاء الدين بلهجة حاسمة:

“آسف يا سيادة الوزير,  القرار ليس قراري وحدي لكنه قرار مجلس النقابة”.

و انهالت الإتصالات عليه, و كان رده هو الإصرار على توزيع البيان. و يتصل علي صبري , و يقول بلهجة معتدة:

” يا أستاذ أحمد, بوصفي  أمين الإتحاد الاشتراكي, أرجوك عدم إصدار البيان و توزيعه”.

فجاء رد أحمد بهاء الدين حاسماً, و معتداً هو الآخر:

“إن  الاتحاد الاشتراكي قد يكون يملك مؤسسات صحافية , إلا انه لم و لن يملك نقابة الصحافيين”.

و لم يتردد لحظة واحدة, أو يعيد النظر, جلس الى طاولة السكرتيرة, مرّر ورقة على محدلة الآلة الطابعة و جمع أحرف البيان.

في صباح اليوم التالي, كانت هناك نسخة من البيان على مكتب الرئيس عبد الناصر، الذي لم يخفِ لمحمد حسنين هيكل, و لمن إجتمع معهم في ذلك اليوم, أن البيان “طعنة موجهة إليه” من “نقابة الصحافيين”, فانتفض شمس بدران,  و اقترح إعتقال أحمد بهاء الدين و كامل زهيري , و معهما عدد من أعضاء مجلس النقابة, إلاّ أن الرئيس جمال عبدالناصر, الذي كان يقدر, و يتفهم “إستقلالية” أحمد بهاء الدين, رفض الإقتراح قائلاً: “لأ.. ده أحمد بهاء الدين و أنا عارفه مخه كده”.

و لأن “مخه كده”, كان الصدام مع أنور السادات, و تكررت علاقة المثقف مع السلطة, و يذهب أحمد بهاء الدين ضحية تلك العلاقة, و ضحية إستقلاليته  في الفكر و الرأي مرة أخرى. بعد حرب أكتوبر سنة  1973 بأشهر معدودات,  مرّر رئيس الوزراء عبد العزيز حجازي القرار رقم 34 الذي  قضى بفتح الإقتصاد المصري لرأس المال العربي و الأجنبي في شكل إستثمار مباشر, من دون وضع إسترتيجية تلحظ ردود الأفعال الشعبية. فكتب بهاء الدين مقالاً في “الأهرام” في 12 يوليو 1974 بعنوان “الإنفتاح ليس سداح مداح”, هاجم  فيه النظام و توجهاته الإقتصادية الجديدة، التي غلّبت الإنفتاح الإستهلاكي على الإنفتاح الإنتاجي, و إعتبر فيه, و هو على صواب,  إن التحولات التي تقررها الدولة, على أي صعيد، يجب أن تكون مدروسة, و لها خطة معروفة  و مُعلنة، و تراعى الأبعاد الاجتماعية و الإقتصادية لقرارها.

كان للمقال رجع صدى, في الأوساط السياسية و الشعبية, أزعج السلطة و هزّها, و إعتبره رئيس الحكومة, في  ذياك الزمن, عبد العزيز حجازي,  أنه يحّرض على “الشَغَب”, و توجه إلى الرئيس أنور السادات يشكو إليه من الحالة التي تولدت في الشارع نتيجة هذا المقال, فقرّر السادات, بعدما راجع المقال, و ناقشه مع حجازي,  منع بهاء الدين من الكتابة…  ظن “الأستاذ” أن  السادات أمنّه, و جعل له في ذمته عهداً, ليجد أن “الريس” أوصد باب النقاش, و رفض  إستقباله, أو سماع وجهة نظره, في إعتراضه على القرار رقم 34,       و على  الأسلوب الذى جرى به تطبيق “سياسة الانفتاح”, و الإنتقال, من دون تمهيد, من الإشتراكية المنغلقة, الى الرأسمالية المنفتحة!

و تابع أحمد بهاء الدين إنتقاد سياسة سياسة السادات, فرفض وصفه تظاهرات 18 و19 يناير 1977 بأنها “إنتفاضة الحرامية”,  كما عارض اعتقالات 5 سبتمبر 1981. و خلال علاقته بالسادات, التي إستمرت ثمانية أعوام, صادقه “الريس”,  مراراً, و و شاوره, و تلقى منه النصح, و بادله الآراء,  و نقله من منصب تنسمه عقاباً, و فَصَله  من العمل الصحافي مرة، و منعه من الكتابة مرتين، و كان هذا التأرجح في العلاقة ضريبة المثقف في علاقته مع السلطة, و كان أحمد بهاء الدين, كما قال زهيري, “أنموذجاً”.

***

مالي انا, و ذاك الاسترسال, هزني الصوت في داخلي, سمعت “الأستاذ” يسألني, كأنه عرف طوال الوقت, ما أثاره في خاطري من شؤون, كنت أحسب أنها في غربتي طواها الزمن, و طافت في رأسي وجوه كثيرة, ما عدت تثبّتُ ملامحها.

“دع الزمان للزمان, و الماضي للماضي”.

شدّ إنتباهي:

” تعرف, إن أجمل ما في أدبيات الأرمن هذا القول: “إعط من يقول الحقيقة حصاناً, سيحتاج إليه ليهرب”.

تناول فنجان الشاي الصيني المعّرق, إرتشف بضع جرعات, بدا وجهه ودوداً كعادته:

“سيبك مني أنا… إنت إزيّك, مبسوط في بيروت, مرتاح في عملك, إسمع مني, إستفد من بيروت الى آخر مدى, فهذه المدينة عندها الكثير لتعطيه”.

مصَّ شفته السفلى, ثم أكمل الكلام:

” تعرف… الحكام العرب يخافون من بيروت, يريدون التخلص منها… كل من عارض, و إضطهد, فتحت له صدرها, كل من أراد أن يقول شعراً, نثراً, أن يضرب إزميلاً في حجر, أو ريشة على قماش, أن يحتج, أن يصرخ, يجد في بيروت مكاناً للتنفس, للصراخ, للنحت, للرسم… بيروت هايد بارك, مفتوح على كل الآراء,     و العقائد, و التيارات التي تتصارع و تتلاقح, و تولد الأفكار, دِلّني على عاصمة عربية واحدة تسمع فيها في الشارع, في المقاهي, في البيوت , و المدارس كل لغات الأرض , كما تسمعها في شوارع و مقاهي بيروت,    و مدارسها, و في بيوت اللبنانيين”.

لوّن صوته بالأسى:

“لم نفكر لحظة واحدة, أن يكرس عبدالناصر, بجلالة قدره, جزءاً من أحد خطبه, للحديث عن رواد مقاهي الأرصفة في بيروت, و خصوصاً مقهى “دولتشي فيتا”… الى هذا القدر كانوا يخافون من بيروت, و الى هذا القدر يريدون التخلص منها”.

قطعت عليه إسترساله, رميت الكلام على عواهنه:

“في الإمارات, تنبت هذه الأيام بيروت أخرى”…

تكور لساني في حلقي, إكتفى “الأستاذ” بكلمة, إختصر فيها كل شيء:

“إبحث عن الإنسان, الإنسان اللبناني خَلَق بيروت… و فهمك يا صديقي كفاية”.

غامت الأشياء في عيني, ضيعت توازن افكاري, أعدت ترتيبها, تفطنت أنني أحمل في حقيبة اليد, ما نويت أن أستشيره به. سحبت من الحقيبة “ماكيت”,  لمشروع مجلة كنت احلم باصدارها, تهتم بشؤون المراهقين            و المراهقات ، فهذه الفئة العمرية لا يوجد من يخاطبها، فمعظم المجلات التى كانت تصدر متخصصة لفئة رياض الأطفال, فعنّ على بالي إصدار مجلة تتناول قضايا المراهقين سميتها” 11-14″.

أعجب الأستاذ بالفكرة و التصميم الجذاب بحجمه المميز ” مربع ” الشكل, و نصحني بإن تكون المجلة للفئة العمرية 12-18, ففترة المراهقة متأخرة عندنا, و تختلف في بلادنا عن دول العالم , إضافة الى ضرورة أن يساير المحتوي قدراته العقلية من خلال تفهم طبيعته السيكولوجية ، و ان تقوم بعرض القدوة و المُثل العليا التي يقتدي بها، و زيادة حصيلته اللغوية و تنمية مهاراته, و تقديم الجرعات المناسبة من المعارف و العلوم و تنمية التذوق الإبداعي و الجمالي, إن في الموسيقى أو الفنون الأخرى.

و بقيت الفكرة… فكرة و لم ترَ المجلة النور.

في العادة, لا نطيل المكوث في مقهى الفندق طويلاً, أمتع الأوقات عند “الأستاذ” المشي في “كورنيش المنارة”, وصولاً الى “دولتشي فيتا”, بادرته:

“أطلنا الجلسة… ما رأيك لو كان الغداء اليوم في مطعم “فيصل”, الذي تحبه”.

إبتسم, و هو يدير نظره في المكان:

” عال… فكرة مش بطالة, هل تسمح بأن أدعو الدكتور أمين الحافظ و زوجته الروائية  ليلى عسيران للإنضمام إلينا, فتوفر علي زيارتهما و وداعهما قبل سفري؟”.

“قوي… قوي”.

إتصل بهما, و… خرجنا.

مودي حكيم

شاهد أيضاً

فى عالم مجنون «2»
المجنون والسياسة !

فى فوضى سياسية واقتصادية متسارعة يتجه العالم نحو مرحلة شديدة التعقيد ، فى عالم مجانين …