الرئيسية / كلمة العدد / المثقف والسلطة… أحمد بهاء الدين نموذجاً!  (1/3)
مودي حكيم
مودي حكيم

المثقف والسلطة… أحمد بهاء الدين نموذجاً!  (1/3)

وحيداً, إنتبذ أحمد بهاء الدين زاوية قصية من مقهى فندق” سان جورج” البيروتي العريق, يحيط به سكون المكان, و همس الذين توزعوا المقهي الزاهي الحيطان, المتشاوف بأناقته.

أمامه على الطاولة جرائد ومجلات, و بين أصابعه تتلوى صفحات جريدة “النهار”, التي كان يؤثرها على غيرها, من شقيقاتها اللبنانيات. بين الفينة والفنية, يرفع فنجان الشاي من  الخزف الصيني المعرق, تقبل حوافيه شفتيه, يحتسي حسوة, ثم يعيده, بحركة تلقائية رتيبة, الى صحنه الصغير, و يغرق في  لملمة كلام أعمدة الجريدة بعينين نهمتين.

رفع رأسه عن الجريدة, رآني, تزاحم الكلام في عينيه, رمى على وجهي نظرة, وضعَ فيها  كل إستغرابِهِ:

“تأخرت… مش عوايدك يعني!”.

و تركني أجدل الكلام, و أنتحل الأعذار, و أضع الملامة على بيروت التي لا تهدأ فيها الحركة, و لا تستكين ليل نهار!

سحبني صوت “الأستاذ” الهادىء من الغرق في الصور المتدافعة و المتلاطمة في رأسي, شعر بحرجي, أعفاني منه, وشى فمه بإبتسامة طيب بها خاطري.

سوى من نظارته, أرجعها الى أرنبة انفه, تنعكس, دائماً, على قسماته نفس عذبة, فلو إتفقت عناصر الطيبة المتلطفة, لتختار رجلاً, فيدعمهما بثقافة تستبحر في لجج الثقافتين العربية و الأنجلوساكسونية, و علم صحيح مستنير, لما ختمت قلبها على غير أحمد بهاء الدين.

صعيدي كابراً عن كابر, من “الدوير”, القرية الوديعة الغافية في حضن مركز “صدفا”, عزيز النفس تربى, زاهد عن حق, أنوف عن كبرياء.

جاء الي “المحروسة”, صفا لها, فإكتنفته هناءة الحياة فيها. طلب فيها العلم, فتعلّم, و طرق باب كلية الحقوق في “جامعة فؤاد الأول” سنة 1946, جلس على مقاعدها, تفوق, و أصاب نجاحاً, و تخرج, و لكنه لم يلبس “روب” المحاماة, فتخرجه في سن الثالثة والعشرين أوصد في وجهه باب نقابة المحامين, فقانون النقابة لا يسمح  للإنضواء إليها  في هذه السن! فكان أن عمل, لبعض وقت, في قسم التحقيقات في “وزارة المعارف”, فقيض له أن يتعرف على عبد الرحمن الشرقاوي , فأنَس منه, و تأثر به , شجعه على الكتابة, و إقتدى بنصائحه و توجيهاته, فإنتظم  أحمد بهاء الدين في كتابة مقال لمجلة “الفصول” التي أصدرها محمد زكي عبد القادر, و ترأس تحريرها , كما كان ود و صداقة مع فتحي غانم.

و إستملح مسك القلم, و الدفاع عن حقوق المظلومين, ليس أمام قوس المحكمة, إنما على الورق, و بالحبر الذي, متى جف, لا يبهت لونه, بل يبقى على مر الزمان.

سنة 1952, قبل أوان ثورة الجيش, صدر قانون يقضى برفع نسبة مساهمة الأموال الأجنبية في المؤسسات المصرية تشجيعا لرأس المال الأجنبي, فكتب أحمد بهاء الدين مقالاً عنَّفَ فيه المُشرعين بكلمات مسننّة وقعاً    و واقعاً على حد السيف, و طلب من صديق عليه واداً مودوداً, إيصال المقال الى إحسان عبد القدوس, رئيس تحرير “روز اليوسف”.

تولاه الدَّهْشُ عندما نُشر المقال في مكان بارز , و وُضع له إعلان في الصفحة الأولى. عاود الكرّة, كتب, صار يُعرج على مكاتب “روز اليوسف” و يسلم  بواب الدار تلك المقالات, ليعود و يقرأها منشورة, على صفحات بارزة في المجلة, و ضمن الإطار  المعروف “حاول أن تفهم”.

و في أسبوع, لم ترق له مقالة رئيس التحرير, فإمتشق القلم, كتب, فكان شديد الوطأة في نقده, لكن برهافة,  و سلاسة أسلوب و لين. و في حين توقع أن يُهمل المقال, وجده منشوراً في الصفحة نفسها, و ضمن الإطار نفسه.

و تنسلت الأيام, و كرّت الأسابيع, يكتب, و يكتب, و يترك ما يكتبه عند البواب, و يمشي, من دون أن يتعرف على أحد في المجلة التي تهتم بما يكتب.

ذات صباح, و كعادته أودع المقال عند البواب, و مشى… ناداه البواب يستوقفه, ثم لحق به عميد الإمام، سكرتير التحرير, الذي بادره مازحاً:

” رئيس التحرير أمر بالقبض عليك “…

و دخل معه الى مكتب  إحسان عبد القدوس, و الى “روز اليوسف”.

بعد سنوات, روى إحسان عبد القدوس , ما حدث في ذلك الصباح, فقال أنه نجح في “القبض” على أحمد  بهاء الدين بعد خمس سنوات من وصول مقالاته إلى الدار  من دون أن يعرفه أحد، و أنه حكم عليه بالأشغال الشاقة المؤبدة في “روز اليوسف”, و أقام له سجناً  أطلق عليه “صباح الخير”.

عام 1956، و عندما كلفته  الست روز اليوسف  برئاسة تحرير “صباح الخير”, لم يكن تجاوز التاسعة و العشرين من سنيه, فأصبح أصغر رؤساء التحرير سناً.

***

شعرتُ لما دَخَلَ مكتبي في “صباح الخير” للمرة الأولى, أنني أعرف من زمان, ذلك الشاب الذي تنكَّبَ مهمة إصدار مجلة “شبابية”, تطرح قضايا لا تتجرأ على تناولها رصيفاتها, مجلة “غير شكل”, كما سمتها  الست روز اليوسف, و هو في مقتبل العمر, و غير مجرب, يدير جهازاً من الكتاب و الرسامين, هم أوسع أبناء عصرهم, أثراً و تأثيراً , لهم أمزجتهم, و أفكارهم, و ميولهم, و إنتماءاتهم, و تناقضاتهم, و فوراتهم, حتى لا أقول “فلتاتهم” على رأي العوام عندنا.

كان أحمد بهاء الدين ودوداً, لين الجانب, هادىء النبرة, وجدته ملماً بفن التصميم الصحافي, و معلوماته عنه واسعة المدى.

يدور بعينيه في التصميم الذي كنت أعرضه عليه, حاد النظر يجول  في “كادر الصفحة, يتمعن بالخط المستخدم في العنوان, و في النص, يستمهل قبل أن يناقش, و دائماً, بلين و هوادة, يستفهم ليفهم, دقيق الإنتقاد, سريع الخاطر, لماحاً, حاد الذكاء, يعرف كيف ينقي الكلام, و يُحفز الهمم.

أنس مني, فقربني منه, و كان يصر أن يبدأ نهاري في مكتبه, خصوصاً أننا, دائماً, أول  الواصلين الى المجلة. و مع قهوة الصباح, يحلو الكلام, فقد كان من ألطف الناس خروجاً الى حديث نوادر.

و تدريجياً, مع مرور الأيام و الأشهر, توثقت العلاقة بيننا, فصار, مع طفرات الكلام, في دورانه على الشؤون   و الشجون, يبوح لي بكتمات صدره, و أبادله أحاديث البوح… حتى بعدما ترك” روز اليوسف” الى “الهلال” ثم “الأهرام” لم تنقطع لقاءاتنا, و إستمرت الأواصر تتعمق.  و ما جرى , في تلك الفترة, بيننا من كثير أو قليل, فهو متروك للزمان.

عندما عزمت على ترك “المحروسة” و الإغتراب عنها, وجدته مشجعاً, خصوصاً عندما عرف أن وجهتي بيروت. فهو من العاشقين المولهين بها, و له فيها صولات و جولات, و أصدقاء, و ذكريات, و كان لا يبرح يتردد عليها, كلما سنح الزمن, و شعر بالضيق. فلقد كان يجد في بيروت, مثله مثل كثيرين أحبوا تلك المدينة حتى الوله, الملاذ الذي يشبع نهمه الى الحرية, و الى المعرفة, و الراحة.

***

“فندق سان جورج “, ينهض للتاريخ, عمره مديد, شيخ فنادق الشرق و أحلاها, و أبهاها, و أعرقها رمّة. سنة 1920 صمّمه الفرنسي أوغوست بيريه Auguste Perret و شاركه في الهندسة و التزويق,  أنطوان ثابت, على قطعة أرض تداعب البحر, و يغازلها موجه, في “ميناء الحصن”.

لو أن حيطان ذلك الفندق العريق, لها ألسن تنطق بالاسرار, لحكت حكايات لها تواريخ. مقهاه كان العنوان الدائم لكبار الصحافيين, عرباً و أجانب, “وكر أخبار”, كما كان يسميه عفيف الطيبي, نقيب الصحافة السابق,  و صاحب  جريدة “الأيام” . محمد حسنين هيكل يضرب مواعيده فيه, نزيل دائم و مداوم, و من المولعين بجبال لبنان. حنا غصن, صاحب “الديار” كتب فيه إفتتاحياته,. هؤلاء و غيرهم, و بينهم من تعاونوا مع  أجهزة الإستخبارات المتعددة الجنسيات,  أبرزهم المصري خيري حماد, الذي نسج علاقات واسعة مع عدد كبير من السياسيين اللبنانيين, و الجاسوس البريطاني كيم فيليبي.

على مدار ربع قرن, أُعتبر “بار” فندق “سان جورج”,  من أهم سبعة “بارات” فندقية فى العالم, و فيه إلتقى الملوك, (محمد ظاهر شاه, الأفغاني, و الحسين بن طلال  …), و السفراء, و القناصل,  كما كان  مقرا للمشاهير و الفنانين منهم الممثل و المغني الفرنسي موريس شوفالييه, و المغني شارل أزنافور، و نجوم هوليود : إليزابيث تايلور و ريتشارد بيرتون , أورسون ويلز، بريجيت باردو, صوفيا لورين, جينا لولو بريجيدا… و فنانين عرب مثل أم كلثوم و محمد عبد الوهاب. و كان يوسف وهبي من نزلائه الدائمين, و عندما قرّر أن يوزع  إقامته بين القاهرة و بيروت بعد حرب 1967, إشترى شقة في منطقة “الأشرفية”, و أصبح منذ 1969 يقيم فيها مع زوجته الثالثة (و الأخيرة) سعيدة منصور أشهراً طويلة إلى أن إشتعل لبنان سنة 1975, فعاد “عميد المسرح” الى المحروسة.

كان ملء بالي, ساعة إتصل بي أحمد بهاء الدين, و ضرب لي موعداً أن آتيه الى “فندق سان جورج”, الذي يحفظ أسراره, كما هو يحفظ تاريخه, و يستمتع بعراقته. الغرفة هي ذات الغرفة, في الطابق الثالث, تطل على البحر, الذي يسبح نظره فيه في العشايا المقمرة, لحظة تتغامز النجوم, تغوي القمر و تناغيه, و في الصباحات ساعة تستحم أشعة الشمس فيه, يواسيه, و ينعشه.

رفع نظارتيه عن وجهه, مسحهما بمنديل ورقي , رماني بنظرة مشحونة بالهموم و القلق, و مع أنه كان يجيد إخفاء مشاعره و همومه, بأنفة و كِبَرٍ, و يبقى متأهباً للظروف, مهما كانت و تبدى منها, إلاَّ أنني شعرت, هذه المرة, أن الحزن يأكل من تقاطيع وجهه, و الخيبة تُغيّب عن شفتيه الإبتسامة المحببة.

كان رجع صدى خلافه مع الرئيس أنور السادات, و إبعاده الجائر وغير الجائز عن “الأهرام”, يدور في بيروت, التي أحبها أحمد بهاء الدين و أحبته, و له فيها ما له من صداقات ودودة, نهضت له…  و لا غروة أن تتنافس الأقلام في أعمدة الجرائد البيروتية, تنتصر له, و تدافع عن الحريات في مصر.

وجد أحمد بهاء الدين نفسه, بعد خمس وعشرين سنة من العطاء الصحافي, تبوأ خلالها أرفع المناصب, بلا عمل مع مئة و عشرين صحافياً و كاتباً, بينهم يوسف إدريس، نجيب محفوظ  و توفيق الحكيم… و لا يكفي ذلك, إنما صدر القرار المذل بنقلهم الى “مصلحة الإستعلامات”.

لا هتف أحمد بهاء الدين, و لا شكا. رفض تنفيذ قرار نقله,  إنكمش عن الناس’, و لزم بيته, صوناً لكرامته.

حِرْتُ, كيف أبدأ بالسؤال, كيف أنقي الكلمات, التي لا تنكأ الجراح. هوَّنَ عليَّ, سحب تحرقي للكلام, و السؤال, و الإطمئنان:

” يبدو, يا مودي, أنني اصبحت شخصاً غير مرغوب فيه في بلدي…”.

إعتلت وجهه مسحة حزن:

يا صديقي, أنا في طريقي الى دولة الكويت…”.

و سكت..                                                 

 مودي حكيم

شاهد أيضاً

فى عالم مجنون «2»
المجنون والسياسة !

فى فوضى سياسية واقتصادية متسارعة يتجه العالم نحو مرحلة شديدة التعقيد ، فى عالم مجانين …