رَفَعَ أمين الأعور نظره عن الورقة المبسوطة أمامه, تَنَحْنَحَ, نزلت السماعة من أذنه لتستقر في مكانها على الآلة السوداء اللون. طوى الورقة بتعجل مُلْفِتٍ, كأنه يريد أن لا تسقط الكلمات منها. إنتصب واقفاً, قصير القامة, نحيف البنية هزيلها, خفيف الشعر أجعده, وجه دقيق القسمات، عينان صغيرتان باهتتان تدوران في محجريهما خلف نظارة.
فضحه إرتباكه, أزاحَ نظارته عن عينيه, مَسَحَ زجاجها بمنديل ورقي, أعادَ تركيزها على أرنبة أنفه. تَرَكَ على شفتيه الدقيقتين إبتسامة عابرة, لكنها بدت مُرحبة… شعرت أنه يحاول أن يُلْبِس وجهه هيبة المنصب و وقاره, و أن يفرضهما عليَّ من اللقاء الأول, بدأ هذا الشعور وئيداً, ثم أخذ يتعاظم, فأدركتُ أنه, على الرغم من نقاء السريرة و لين العريكة, يعاني من رغبة ملحاحة في الإدعاء, و حب الظهور و التعالي, و هو في ذلك كله يتوكأ على نَسَبه الأصيل, فهو من دوحة آل الأعور, كبراء “قرنايل”, و من هامات “الموحدين الدروز” في الجبل و الشوف.
منهم برز القاضي, و النائب, و الوزير بشير الأعور, الذي سار ذكره كل مسير, و كان له مكان و مكانة في السياسة اللبنانية.
دخل البرلمان عن دائرة المتن الجنوبي في قضاء بعبدا, منذ 1951 حتى مماته سنة 1989, و جلس على مقاعد الحكومة, حاملا حقائب وزارية عدة, و خارجها, كان بشير الأعور, “الأستاذ الأعظم” Grand Master للمحفل الماسوني الأكبر السوري اللبناني, فعمل على دمجه بمحفل “الشرق الأكبر” اللبناني.
لما إشتد ساعده في العلم, تصدر أمين الأعور الذاهبين من أترابه الى “المدرسة الداوودية” في “عيبه” (بلدة تبعد عن بلدة عاليه 15 كيلومتراً, و عن بيروت 22كيلومتراً, و تعلو 800 متر عن سطح البحر), فإلتقى فيها نسيبه الأمير علي ناصر الدين, فإستهدى الى سبله في خططه الجهادية في فلسطين, فإنتسب الى”عصبة العمل القومي”, التي كان أسسها النسيب المناضل. و لبّى أمين الأعور النداء, فتطوع فيما سمي وقتها, “جيش الإنقاذ”, الذي قاده فوزي القاوقجي (التركماني الأصل) في محاولة لمنع سلب فلسطين و قيام الكيان اليهودي. إنكسرت نصال ذلك الجيش, و تفرق فرسانه, و إنهزم العرب, و طارت فلسطين.
خلال إحدى المعارك, أصيب أمين الأعور إصابة بالغة أوجبت نقله الى “مستشفى الجامعة الأمريكية” في بيروت, فأبلى بعد شهرين و يزيد من المعالجة.
غلب على أمين الأعور الميل الحاد الى الماركسية- اللينينية, فوجدَ في “الحزب الشيوعي اللبناني”, متنفساً لحال اليأس, بعد الإنكسار و الهزيمة في فلسطين. فإنتسب إليه سنة 1949, و أخذ يتشرب تعاليم كارل ماركس, و دُهِشَ بما إتخذه فلاديمير لينين بعد ثورة 1917 من قرارات لبناء روسيا.
في صفوف الحزب, تنبه فرج الله الحلو لموهبة أمين الأعور في الكتابة. و كان الحلو من القادة البارزين في الحزب, و من كتاب المقالة المعدودين, و آثاره منها كثير, فراح يُنمي ملكة الكتابة عند أمين, و يسهر على تدريبه على العمل الصحافي, فتخرج به, و بدءاً من سنة1950، راح أمين الأعور يكتب في جرائد الحزب و مجلاته, و إستمر ينسج على نفس المنوال حتى سنة 1967 . عمل على إصدار جريدة “الصفا”, التي كان نشرها أولاً في بيروت الامير علي ناصر الدين سنة 1886, إلاّ أنه تعثر في إكمال إصدارها, فتوقفت عن الصدور سنة 1985, لتؤول فيما بعد الى رشدي المعلوف, صاحب “مختصر مفيد” أشهر تعليق سياسي في الصحافة اللبنانية, و لا أبالغ إن قلت العربية رمّة.
و عاد أمين الأعور يحمل قلمه و يندار به على جرائد و مجلات ذياك الزمن, فكتب في جريدة “المحرر” (أصدرها و ترأس تحريرها هشام أبو ظهر), ثم في مجلة “الحوادث”, و راسل عددا من المجلات المهجرية.
و.. أتاه الحظ, و بَسِمَ له الدهر فأفاد منه.
***
في منتصف سبعينيات القرن الماضي, كانت بيروت لم تزل تؤدي دوراً متفوقاً في حياة الشرقين الأدنى و الأوسط, الثقافية و العلمية. فإضافة الى جامعاتها ذات المستوى العالي اللائق و المرموق, و مدارسها, و معاهدها, و أكاديمياته… كانت الصحافة اللبنانية عموماً, و البيروتية خصوصاً, التعبير الحي و الفاعل, عن هذا الواقع الثقافي المتنوع, المنير, و المستنير.
و قد ساعد مناخ الحرية الذي رفل فيه لبنان, و لم يزل (على الرغم من عمق الأزمة السياسية التي يرزح تحت نيرها) على نمو و تفوق الصحافة, عن غيرها في المنفسح العربي الوسيع, فكانت “هايد بارك” العرب, أو “سوق عكاظهم” (كما سماها رياض طه ذات مرة خلال جلسة أُنس و دردشة) مفتوحة على كل التيارات الفكرية و العقائدية المتناحرة, و المعتقدات المتشابكة, تتخاصم الأنظمة على صفحاتها, و تتناطح فيها الأفكار السياسية و الإيديولوجية, و التيارات و المدارس الفنية على تعددها و إختلافاتها.
في هذا المناخ الصحافي و السياسي المنتعش, وصل الى بيروت آتياً من “طرابلس الغرب”مصطفى بزاما, مُرسل من القيادة الليبية لتأسيس “مركز دراسات”, و تمويل إصدار جريدة يومية, و مجلة أسبوعية.
و كان من قدّم طلال سلمان الى ذلك الليبي الحامل معه “المن و السلوى” (راج أيامذاك, أن النقيب رياض طه, و هو بلديات طلال سلمان, و رفيق درب و عمر و مهنة, هو الذي سعى الى تفاهم الرجلين, و إتمام الصفقة بينهما, و أترك الكلام على ذمة من روى, و الله أعلى و أعلم) و كان اللقاء, و طال الكلام و طاول المهمة التي جاء الليبي لبيروت من أجلها, فأبدى طلال سلمان رغبته في إصدار جريدة يومية, لكنه يريدها مستقلة, مستقيمة الرأي, ليست تابعة لدولة, أو نظام, أو زعيم, و الجريدة قد تحابي العقيد, و لكنها ليست له بكليتها… ولاؤها لنفسها, و لِما تجد فيه الحق والخير و الجمال. و حسم طلال سلمان الأمر: إن كان من عون و مَدَدٍ, فليكن بصيغة “قرض طويل الأجل”, يُسدد دفعات سنوية.
غاب مصطفى بزاما, إتصل, شاور, إستشار, و سمع الجواب: أن إعقد الصفقة. فحصل طلال سلمان على مليون و ثلاثة سبعين ألف دولار عداً و نقداً. فبدأ يبحث عن شراء إمتياز لجريدته المزمعة.
عثر في جداول “نقابة الصحافة” ضمن الإمتيازات السياسية المعروضة للبيع, إمتياز جريدة “بيروت المساء”, التي كان أصدرها السياسي اللبناني عبدالله المشنوق في سنة 1946, و آل الإمتياز الى ورثته بشخص عبد اللطيف المشنوق. فتفاجأ طلال سلمان أن أمين الأعور, خصمه في السياسة, و الفكر, و الصحافة, قد سبقه و إشترى الإمتياز, و أنه عَقَدَ صفقة مع مصطفى بزاما, نال أمين الأعور بموجبها مليون دولار و يزيد لإصدار مجلة أسبوعية!
و عاد طلال سلمان الى البحث عن إمتياز, فجاء من عرض عليه إمتياز “السفير”, فإشتراه.
و بينما كانت الجريدة “جريدة لبنان في العالم العربي و جريدة العالم العربي في لبنان”, كما وضع لها طلال سلمان شعارها, و تتمتع بهامش كبير من الحرية, و إن كانت تحابي العقيد و جماهيريته, فمن خانة “العروبة” و “القومية العربية”! كانت المجلة ترفع لواء صاحب طرابلس الغرب, و تحارب بسيفه.
***
تعثّر عدنان حطيط في حركات يديه, و هو يضع على طاولة مكتبي سلخ المقالات و التحقيقات المصححة و الجاهزة, مرفقة بالصور الفوتوغرافية, لتصميمها, وفقاً لخريطة العدد Flat Plan التي تحدد الصفحات, و توّزَع عليها المواد التحريرية.
كانت تجربته الأولى في سكرتارية التحرير, على أن عدنان حطيط كان نافذ الفطنة, حاضر البديهة, ملساناً, يسمع ليفهم, و يخطىء ليتعلم, فاكتسب بسرعة “سر المهنة” كما كان يسميها, و يبتهج في أغوار نفسه.
لأول مرة, شعرت بالراحة النفسانية, و أنا أصمم’ و أرسم , و ألوّن.
و أدركت , لأول مرة أيضاً, المعنى الحقيقي العميق للحرية في العمل الصحافي, فلا حسيب, و لا رقيب, يحمل قلمه الأحمر, و في عينيه يسكن ذئب, يفتش عن فريسة, لينقض عليها, و يمزّقها إرباً… إرباً. و يبدأ صرير قلمه, يمنع, يشطب, يلغي, فلا يجادل, و لا يناقش, له الحول و الطول, و هو السيد المطاع, , كما كان يحدث في “روز اليوسف” و “صباح الخير”.
و أذكر, فيما أذكر, من الأيام الخوالي, أنه مرة, في يوم الإجازة, أُستدعيت على عجل للحضور الى مكتبي في “صباح الخير”, لأن “الرقيب” لم يقرأ “موضوع الغلاف”, و لم يوافق على نشره!
فتركت البيت, و لم أعد إلا بعد منتصف الليل… بعدما أتمَّ “المكتوبجي” (رئيس قسم المراقبة) مراجعة المقال, فحذف, و بدّل, و غيّر… فوجدت نفسي أعيد تصميم الصفحات, و الفراغ الذي تركه الحذف و التغيير, إحتلته الصور, و لم يغادر إلاّ بعدما أنجزت التصميم, فأعاد مراجعة الصفحات, ليطمئن قلبه, كما همهم. و نال العدد رضاه, ليمتثل, كما أراده, أمام الطابع, و يخرج الى الناس الذين لم يعرفوا, مرة واحدة، مدى المعاناة التي نكابدها, لوضع نسخ المجلة بين أيديهم.
كل يوم كان يمضي عليّ في “بيروت المساء”, و كلما خالطت الصحافيين و الكتاب اللبنانيين, على إختلاف مللهم, و نِحلهم, و مشاربهم, كنت أفهم لماذا تفوقت الصحافة اللبنانية على غيرها في العالم العربي, و لماذا قامت الصحافة العربية, بمعناها الحديث, على أيدي اللبنانيين الذين كانوا أول من مارس مهنة المتاعب, ممارسة فعالة, و على نطاق شعبي واسع, إن في لبنان الصغير, أو في طول و عرض المنفسح العربي, و شتى بقاع الأرض.
مودي حكيم
مجلة 24 ساعة