كانت نظارته الطبية, بين الفينة و الفينة, تنزل عن أرنبة أنفه, فيعيدها بإصبعه, بلع الدكتور محمود الشنيطي ريقاً بارداً تجمع في حلقه, إستجمع أنفاسه و أفكاره, لهنيهات أصبح وجهه بلا ملامح:
“لقد حاولت, بجهد مضنٍ, تخطي البيروقراطية العفنة, لتنفيذ فكرة فرع بيروت, لأنني أعرف جيداً, و قد لمسناه جميعنا من كتب توفيق الحكيم, أن فرع بيروت وحده, بما للعاصمة اللبنانية من مكانة و أهمية, قادر على نشر الثقافة المصرية خارج حدود البلاد, الى المجال العربي الرحب, و تقديم كنوز الفكر بشكل مميز و منافس”.
أزاح نظارته عن عينيه, مسح زجاجهما, أعاد تركيزها على أرنبة أنفه, ٍإسترد نفسه و تابع:
” تفاجأت, ذات صباح, بإتصال سيد صادق أبو النجا, و طلب أن نلتقي, ما ساورني في الظن ظن آثم, و ما فكرت لحظة واحدة, أنه طلب اللقاء ليقوض أحلى إنجازات الهيئة من سنوات طويلة.”
مدَّ يده, رفع كوب الماء, سكبه في جوفه, تنحنح, سعل, مسح فمه بمنديل سحبه من جيب سترته, تغيرت ملامح وجهه و هو يروي ما كان و حدث:
“ما كاد سيد أبو النجا يحتسي أول حسوة من كوب الشاي, حتى فوجئت به يفتح خريطة لمحافظة “الجيزة”, و يضعها على طاولة مكتبي, ثم سحب قلماً حبره أحمر, فرسم دائرة حول الأرض في منطقة ” فيصل “، لملم علامات الإستفهام من وجهي و قال أن تلك الأرض ستتحول الى منطقة حرة, معفاة من الأعباء الضريبية, و متمتعة بالإمتيازات و التسهيلات كافة التي يسمح بها القانون, و لم تعطَ لأحد. و في هذه المنطقة, يمكن لهيئة الكتاب أن تنفذ مشروعها الطموح, بدلاً من تنفيذه خارج مصر, فالمنطقة الحرة, تلك, تمتاز بما تمتاز به بيروت و أكثر, و انتهت المقابلة بأن طلب مني التفكير بالأمر, و أن لا أطيل أمد الرجعة إليه بالرد”.
سقط نظره على وجهي, سحبني صوته من الغرق في الصور المتدافعة و المتلاطمة في رأسي, إستحوذت المفاجأة عليّ, جفّ حلقي, إنغمس قلبي, رميت نظرة عجلى على إسلام شلبي, الذي ظل هامداً, ساكنا, تائه النظرات, غير مصدق لما يسمع, وضَحَ الإضطراب على وجه إسلام, كاد الدم ينفرُ من وجهه, إمتقع وجه الدكتور الشنيطي, إسترد بسرعة وقاره, تحفز, قطب, تغيرت نبرات صوته:
“رفضت, تمنعت, و مانعت, و وقف الى جانبي أعضاء الهيئة جميعهم, و كان الرد الناجز, المبرم منا, بالرفض القاطع لعرض سيد صادق أبو النجا, و الإصرار على بقاء فرع بيروت, و تعزيز إمكاناته, و إكمال برنامج النشر و الطبع في مطبعة الهيئة, و التوزيع من العاصمة اللبنانية, بعدما أثبت المكتب, بشهادة جميع القائمين في الهيئة و وزارة الثقافة على جودة ما أنتجه مكتب بيروت”.
وَشَّحَ الدكتور الشنيطي نبرته بالإنكسار, و برنّة حزن, فهو ما ظن أنه سيأتي اليوم الذي تُكسر فيه كلمته , و يُرغَمُ على قبول ما لا يقبله, و يراه في قرارة نفسه خطأ :
“قابل سيد صادق أبو النجا رفض الهيئة لما جاء يعرضه, بأن إستغل نفوذه, و بكل ما أوتي من تكبر و تجبر, و ما له من نفوذ لدي أولي الأمر النافذين و المتنفذين, فأوقف تحويل قيمة الآلات لتجهيز المطبعة في بيروت”.
تلعثم, غاصب الدكتور الشنيطي الكلام, وصلنا صوته مخنوقاً بالإنفعال:
“إننا, و الحال هذه, لن نستطيع صرف ميزانية لمتابعة العمل في بيروت, و هذا يعني إغلاق المكتب و …و…”
لم يدعه يكمل, قال إسلام شلبي بمرارة:
“لقد مات الحلم, و هو بعد برعما”.
هزتني كلمات إسلام شلبي, شعرت بمرارة الأمل المخذول, و حرقة العزيمة المقهورة, إزدحمت الأفكار في رأسي, حاولت ترتيبها:
” الآن, إنكشف المستور بكل خبيئة, إن ما قلته يا دكتور و ذكرته لنا, لم يفاجئني, فقد شعرت به عندما حملت و إسلام, الى القاهرة, نتاجنا الأول, و حاولت أن أكذّب ظنوني, و لكن بعد لقاءاتي مع من يفترض فيهم أن يكونوا زملاء, وجدت أن إسلام كان على صواب, عندما تخوّف, بعد صدور كتب توفيق الحكيم, أن ينافرنا هؤلاء الزملاء, فنخسر النفار”.
شعرت بأنني أحتاج الى نفس عميق, يخفف من إنفعالي, مشت نظرات الدكتور الشنيطي على وجهي, و أنا أتابع:
“يا دكتور, إنهم, مع الأسف, ممتلئون من كل طمع و خبث, مفعمين حسداً, و خصاماً, و رداءة, و مغتابين, بارعين في الأذية, لا فهم لهم و لا إستقامة, و لا ود و لا رحمة, يغسلون وجوههم, كل يوم, و لا يغسلون قلوبهم مرة واحدة”.
شعر الدكتور الشنيطي, أن كلامي ضرب رأس المسأل, عند سماعه الكلمات الأخيرة نكَّسَ رأسه, بدا مكسور الخاطر, إلتفت إسلام شلبي إليه, و قال بنبرة مجروحة:
” لقد وجدوا أننا نقف عثاراً لهم في طريقهم, إذا أكملنا النشر في بيروت, أدركت ذلك أنا أيضاً خلال زيارتي القاهرة, ذنبنا الوحيد يا دكتور, أننا نجحنا في مهمتنا, و قدمّنا ما عجزوا عنه طويلاً, إنَّ الكتب التي أنتجناها, غير الكتب التي تعودوها, لا في الشكل و التصميم, و لا في الطباعة و التجليد الفني المتقن”.
عدت الى الكلام:
“ها هي ذي أيام يُقال فيها أن حقد الذين يعشقون الإنفراد بالنجاح يتحكم بمصائر الناس, و إتخاذ القرارات, و وضع العراقيل أمام الذين يبتعدون عن شريعتهم و قانونهم, و لا يتبعون تعاليمهم , و لا يخضعون لسطوتهم, ليبقونهم في الظل. ما رفّ لأحد في القاهرة جفن علينا, و لم يسأل أحدهم, كيف سنتتدبر أمورنا, و أُسرنا و أولادنا… “.
خرج صوت إسلام شلبي من حنجرته مهزوزا, مضرجاً بالحزن:
” أماتوا الحلم… و يا فرحة ما تمت”.
***
سيد صادق أبو النجا , و كفى ذكر الإسم, لتشرئب الأعناق, و ذكره مترامي في جميع الآذان في عالم الصحافة لمكانته, و علو شأنه.
“اكتشفه”, إذا ما جاز التعبير, الناقد المبرز الدكتور محمد مندور, لمّا كان أستاذاً محاضراً في كلية التجارة, جامعة الإسكندرية, فقدمه لصديقه الصحافي و الكاتب الألمعي محمود أبو الفتح ليتولى إدارة جريدة ” المصري “. فبرهن أبو النجا أنَّهُ يتقلد في رأسه ذكاء حاداً, و أنه فُطر على موهبة في الإدارة, فنجح في إدارة “المصري”, و من المآثر التي تُحفظ له,
أنه أقنَعَ “شركة الترام” على إيجاد” محطة ترام” في “شارع القصر العيني”, امام باب مبنى جريدة ” المصري” , فكان الترام يتوقف في تلك المحطة, و ينادي “الكمساري” بأعلى صوته :”محطة المصري… محطة المصري”.
فبات إسم “المصري”, يدوي يومياً مئات المرات, فحقق أبو النجا دعاية مجانية للجريدة التي يتولى إدارتها.
وبعد اغلاق جريدة “المصري”, خطفته “دار أخبار اليوم”, و تعاقد الأخوين مصطفى و علي أمين معه, و سلَماه إدارة الدار, فسدد ديونها, و ارتفعت مكاسبها، مبرهناً, مرة أخرى, أنه إداري ثقفٌ, يتحامى دهاؤه, و ليس غريباً بعد ذلك, إن كانوا خلعوا عليه لقب ” إمبراطور الإدارة الصحافية “.
و لم يألُ محمد حسنين هيكل جهداً لضم سيد صادق أبو النجا الى “الأهرام”, و تسليمه إدارتها, ليصبح الآمر الناهي فيها. ثم كان أن لجأ إليه الرئيس أنور السادات, للعون في إدارة مجلة “اكتوبر” التي كان أطلقها “الريس” بعد “نصر أكتوبر”, و وضع خطة للإعلانات فيها, و إعادة تنظيم “دار المعارف “التي تصدر عنها المجلة.
إستمرأ سيد صادق أبو النجا الأُبهة و المناصب, فلم يعد يَفرُقُ كثيرا عن الذين يستبدون بقوتهم و نفوذهم, فيستخدمون قانون القوة, بدلاً من قوة القانون… هكذا خلقه الله, و أفعال الله لا تعلل.
***
تعثر إسلام شلبي بحركة يديه, أولعت الغليون, أخذت نفساً عميقاً, إستطيبت التبغ. لحظة الخيبة, و تكسر الحلم, ما أقساها, فهي تكون مصدراً لحزن مزدوج: على أيام كان الجهد فيها لرؤية الحلم واقعاً معاشاً, و على ما ينبهنا إليه الحلم, من أننا حُرمنا منه. ما كان يخفف الحزن الذي لفنا, أننا نجحنا, فتألبوا حولنا, و تمادوا, فكأنما كنا في حريق نيروني, عبثي, رقصوا قصة إلغائنا, و إبتهجوا..
مودي حكيم
مجلة 24 ساعة