الرئيسية / كلمة العدد /
الغربة الأولى (17)
«طَبَّاخُ» العقاد ... حلاّل العُقد!   2/2
مودي حكيم
مودي حكيم

الغربة الأولى (17)
«طَبَّاخُ» العقاد ... حلاّل العُقد!   2/2

حكّ إسلام شلبي رأسه, كأنه يحرك و يخلط الكلام فيه. إنتعش الدخان بالقرب من سقف غرفة المكتب. ما كاد إسلام شلبي يدني فنجان القهوة من فمه، حتى هتف:

“العقاد… هو… هو العقاد, بعد توفيق  الحكيم, لا بد من نشر نتاج  عباس محمود العقاد”.

بدا سعيداً, منتشياً, أخذ نفساً عميقاً من سيجارته, تلذذ به, خطفت منه فرحته:

” هل نسيت أن حقوق نشر مؤلفات العقاد  تتقاسمها “دار الهلال المصرية “, و “المكتبة العصرية” اللبنانية؟”.

فرك رأس سيجارته في المنفضة, قطب و هو يتركني أكمل:

” إنتهت تلك الحقوق عند “دار نهضة مصر”, و في السنوات العشر الأخيرات من حياة العقاد, كان إبن أخيه عامر العقاد, هو سكرتيره الشخصي, و مراجع مقالاته…”

خطف إسلام شلبي مني الكلام, و بنبرة فيها رنة إمتعاض, نسج كلامه:

“وسي عامر  أفندي  نصب نفسه مسؤولاً, و مدافعاً, و منافحاً عن  بحقوق ملكية عمه الفكرية” .

و عامر, مقتر, ملحاح, لجوج, يحضر الي بيروت مرة كل  شهرين, فيصرف أسبوعاً أو أسبوعين, في التدقيق, و الجمع, و الطرح, و القسمة, و عدّ الليرات و القروش, فلا تفوته فائتة, و لا مرّ على رقم إلاّ أشبعه بحثاً, و مراجعة, و تدقيقاً,    و هو يُحصل ما جنته كتب عمه.

إلتقاه إسلام شلبي أكثر من مرة, و أكثر من مرة, طلب منه حقوق نشر “العبقريات” و التي تناول فيها حياة عدد من الشخصيات الدينية، و منها  ” عبقرية محمد “, “عبقرية المسيح “, “عبقرية عمر”, “عبقرية الإمام”، لكنه في كل مرة كان لقى منه الصدود. و إن أغدقه وعوداً, ثم تفلتاً من تلك الوعود, و مراوغة…

” حل عقدة سي عامر أفندي… عندي”

تأفف بين الجد و الهزل:

” هل عندك من يمكن إقناع هذا الرجل… فعلاً”.

أجبته بتلقائية:

“عم حمزة… طباخ العقاد, هو الذي سيحلحل عقدة سي عامر أفندي”.

إلتفت إليه فرأيت الشك في وجهه, أكملت مصراً:

“دعني أجتمع به متى جاء الى بيروت”.

ضرب كفاً بكف:

” طيب… يا سيدي, خلينا نشوف, العم حمزة بتاعك”.

في المساء اتصلت تليفونياً باستاذي في المرحلة  الثانوية خليفة التونسي, و كان الرجل من حواريي العقاد الأوفياء,       و كان, برّد الله ثراه, يصحبني معه أحياناً للمشاركة في ندوات صالون العقاد, الذي كان ينعقد كل يوم جمعة في منزله رقم 13 “شارع شفيق غربال” في  منطقة ” روكسي ” في “مصر الجديدة”, حيث الصالونات الثقافية و الجلسات يجتمع فيه كبار الأدباء و الفنانين و السياسيين. طالبت أستاذي الذي علمني اللغة العربية و كتابة الشعر, التدخل بالوساطة لمنح فرع “هيئة الكتاب” ببيروت حقوق النشر. و وعد خيراً .

عاد عامر  لبيروت و كان اللقاء في مكتب اسلام شلبي، تعارفنا و تحادثنا عن ذكريات شهدتها جدران المنزل،           و الحضور مع من يختارهم العقاد للزيارة في الغرفة الاولى التي تقع علي يمين المدخل التي تضم تمثالا للزعيم الوطني سعد زغلول, و تمثالا للعقاد, من إبداع الفنان محمود مختار, و تتوزع علي الحيطان صور “معبد أنس الوجود” في “أسوان”, و صورة للشيخ محمد عبده, و لوحة رسمها له الفنان أحمد صبري ، و الإستمتاع بمشروب عم حمزة طباخ العقاد من الليمون أو القهوة .

إنتشى سي عامر أفندي بذكر العم حمزة, و مشروبه “الموصوف”, كما كان يصفه العقاد نفسه,  و إنحلت عقدة لسانه.

إجتهدت في الحديث و المزج في الحكي المؤدي  لكسر الجليد, و إزالة التوتر, و جذب الانتباه , ثم التكيف مع الإطار الذهني لضيفنا , سي عامر أفندي, الذي قاده هذا الأطر للإهتمام بخطة مكتب بيروت لهيئة الكتاب بنشر عبقريات العقاد، وافق ، فكان الإتفاق الذي حقق أمنيات و أحلام إسلام شلبي . لهثت و أنا جالس ساكناً، فالفرحة تغمرني و تغرد في داخلي : تحقيق حلم المطبعة ، و نشر ما تيسر من كنوز عباس محمود العقاد.

سَجىَ الليل, رَشَّ نجومه في السماء, نام في الشوارع, في بيوت الناس. رمى الصمت ظله الثقيل.”اللمبة”, تلفظ ضوءاً شحيحاً, تعارك مع عتمة الغرفة, فلم يَقْوَ على سوادها.

إستحوذ علي فرح غامر. تَلَوَّنَ ليلي بالأفكار, تدافعت الصور في ذهني, رتبت مواعيد إستلام آلات المطبعة, طرت  بزهوي, رددت بسري “الفرح  لحظة  و الرضا حياة”, لا أذكر لمَنْ مِنَ الكتاب, قرأت هذا الكلام, قَلَّبْتُ في ذاكرتي الأسماء, فلم أعثر على إسم  كاتب, أو… أين قرأته, و لماذا حفظته عن ظهر قلب؟!

أغمضت عنيَّ, إنتشيت بالسكون المحيط بي, رسمت دربي الى المكتب, رتبت أوراق العقود, و على دفتر الملاحظات الذي لا يفارقني, سجلت ما علي القيام به بعد وصول الدكتور محمود الشنيطي, و معه الحوالات المالية.

وقفت أمام النافذة, مستتراً بالعتمة, نظرت الى الساعة  في معصمي, بعين مثقلة, إستحوذت عليَّ رغبة ملحاحة في النزول الى الشارع.

الليلُ يَنْتَحِبُ على النافذة أمامي, رويداً… رويداً هَلَّ مِرْسَالُ الشَمْسِ, تسلقت على حيطان البنايات, تدثر جسد الأشياء بفساتين مغزولة من أشعتها, أصبحت الغرفة, مغمورة بها, تيقَّظَت حواسي, طَلَعَ النهارُ, و لا أجمل من صياح الديكة. إنتشى قلبي, أحسست بالطمأنينة, و أن المستقبل بدأ يبتسم لي, بعد عبوس, أعجبني هذا الإحساس, ندت عن شفتي إبتسامة, أعطيتها مداها، و أنا أمرر نظري على وجهي المعكوس في المرآة.

حملت حقيبة اليد, و أعطيت وجهي للشارع, وددت لو أطير الى “بناية صمدي و صالحة”.

كان صوت سي عبدالغفار أفندي, يتغير تبعاً لإمتلاء فمه من “منقوشة” الزعتر, (التي عشقهاولا يبدأ  نهاره ولا يهنأ إلا بها), وخلوه منها, يتذمر كالعادة من عدم وصول الفواتير إليه, قبل إغلاق حسابات الشهر, وبين الفينة والفينة, يتنحنح

متأففاً, ويغمم كلمات غير مفهومة, ويزيده علاء التوكل, حنقاً, ببلادته, وهدوء أعصابه, فيعود سي عبرالغفار أفندي, يهتزُّ  من الغيظ مثل قصبة سكر ممصوصة.

غمز لي علاء, وهو يضحك, تلك الضحكة الحبيبة بين عينيه وفمه.

“اعصاب يا سي عبدالغفار… أعصابك”.

ردَّ عليَّ  من دون أن يرفع نظره عن الأوراق التي كان يقلبها:

“أعمل إيه… ما حدش بساعد”.

وكان يغمز من قناة علاء التوكل.

أومأت فاطمة, إقتربت منها, همست في أذني:

“القهوة هذا الصباح في مكتبك أم في مكتب الأستاذ إسلام؟”.

“أتناوله اليوم مع إسلام”.

إزدحمت في عينيه الكلمات, رماني بنظرة حملها كل فرحه, , نسي السيكارة في المنفضة, مدَّ يده الى علبة السكائر, سحب منها واحدة, أشعلها, تفطن الى السيكارة في المنفضة, فرك رأسها, أطفأها, عَبَّ نفساً عميقاً من السيكارة الأخرى, التي حبسها بين شفتيه. قال بزهو الطاووس:

” الدكتور محمود  الشنيطي, سيصل بعد الظهر من القاهرة…”.

تنتحنح, أحكم قعدته:

” ساعات قليلات ويكون كل شيء بين أيدينا, والحلم الذي عملنا لتحقيقه, سيتحقق فعلا”.

إستمكن منه الفرح, تناول  كوب الماء,  أفرغه في جوفه دفعة واحدة, تحفز للكلام, شيء ما رده عنه, مسح فمه بإبهامه, ثم رمقني بنظرة حملها علامات إستفهام حائرة, إنتظر أن أرد, لم أرد بكلمة,كنت مغموراً بالسعادة ,رفرف قلبي منتشياً, كل ما فكرت في قوله لحظتها:

“لا أخفيك, لم أنم البارحة, وأنا أنتظر بزوغ الفجر, أعد الساعات, كي يحين موعد المكتب”.

وسكت. وددت لو أكملت : ” مثل طفل ينتظر أن يأتيه والده باللعب”.

.. فهل يأتي بها؟

 

مودي حكيم

شاهد أيضاً

فى عالم مجنون «2»
المجنون والسياسة !

فى فوضى سياسية واقتصادية متسارعة يتجه العالم نحو مرحلة شديدة التعقيد ، فى عالم مجانين …