الرئيسية / كلمة العدد /
الغربة الأولى (16)
«طَبَّاخُ» العقاد ... حلاّل العُقد!
مودي حكيم
مودي حكيم

الغربة الأولى (16)
«طَبَّاخُ» العقاد ... حلاّل العُقد!

فَتَحَت الشمس أجفانها على نهار مدينة محمومة, تسعى الى العملِ, و القرش, و… الخبز. “هكذا يولد النهار بلمسة من أصابع الشمس”, رفرف الصوت في داخلي, و أنا أمدُّ رأسي من النافذة , داعبت وجهي أشعة الشمس, إستسلمتُ لها, كان النسيم, في ذلك الصباح, يَرْقُصُ على أوراق الشجر, و يغنج بين الأغصان, و شارع “مدام كوري” دبَّت فيه الحيوية, كالعادة, باكراً, و الرصيفُ تَعِبٌ من الأقدام التي تدوسه, تضرب بدعساتها البلاط  الصغير بلا رحمة.

أحسست أن عروقي ما إرتوت بعد من البن الأسود, قلّبت فنجان القهوة في جوفي دفعة واحدة, ألحَّ عليَّ إدماني التدخين, فتَّشتُ عن الغليون, حشوته, مرَرتُ عود الكبريت على التبغ, إستطيبتُ نفساً منه, ورحت بين السحبة و الأخرى  أتأمل دقة شغله من خشب الورد.

تَمَدَّدَ  في داخلي شعور بالفرح , غمرني, أعطيته مداه, للمرة الرابعة قرأت عقد الإيجار للمكان الرحب في “المكلس”, الذي ستولد فيه أول مطبعة مصرية في عاصمة المطابع في العالم العربي. لفني الزهو, مرَّ على عينيَّ بريق الإنتصار, أحسست أنني أجلس على قمة  الدنيا.

بحركة لا شعورية, رميت نظرة  عجلى على الساعة في معصمي, لفني الإمتعاض, مع أنني كنت أستعذب الدرب  الى المكتب, إلاّ أنني ذلك الصباح, وددت أن يسرع بنا السائق, تتأرجح في رأسي الأفكار, الوجوه تأتي الى ذهني كأنها في سفر, و تذهب من ذهني كأنها على سفر أيضاً.

إستسلمت لعجقة “ساحة الشهداء”, تعجلت الخطى, و أنا أشق طريقي الى مكتب “الهيئة”, فقد كنت على يقين بأن إسلام شلبي مشغول البال ليرى بين يديه تلك الورقة السحرية, التي هي المدماك الأول في صرح أول مؤسسة مصرية رسمية خارج مصر.

لما سمع صوتي, خرج من مكتبه, جمد في مكانه, دبت في عينيه يقظة, و شَاعَ في نظرتهما الإبتسام, و هتف:

“إيه… حصل المُراد؟”

عاد لسانه الى غمده من دون أن يتفوه بكلمة, سحبت من الحقيبة ورقة الإيجار, لوّحت بها, دارت عيناه في محجريهما دورة سريعة, هتف:

“مبروك… مبروك علينا كلنا”.

و ضحك ضحكة عامرة.

***

كان توقيع عقد الإيجارة لمقر” مطبعة الهيئة المصرية للكتاب” بالنسبة إلينا, إسلام شلبي و أنا, هو بداية تحقيق حلم, طالما أرّقنا, و سهرنا نعد لتحقيقه, و هدفنا إعادة إحياء الدور الثقافي لمصر في المنطقة العربية , و عقد” بروتوكلات تعاون” مع دور النشر و شركات التوزيع, لوقف نزيف إهدار “حقوق الملكية للناشر و المبدعين من المؤلفين و الكتاب”.

و هو في جوهره أيضاً, مرحلة جديدة في تاريخ مؤسسات الدولة المصرية, للإنطلاق خارج الحدود بعد حركة الضباط الأحرار سنة 1952, فباستثناء “شركة النصر للتصدير و الإستيراد”, التي رأت النور و بدأت تنشط سنة  1958, و تُعَرَّفُ, و يُدلُّ عليها بالبنان, أنَّها “شركة قطاع خاص”,  برأس مال بسيط, لم تعبر مؤسسة مصرية الحدود الى أي دولة من دول العالم العربيٍ.

و”شركة النصر”, كان أسسها  محمد غانم, رجل الإستخبارات المعروف, الذي كانت له صولات و جولات في هذا المضمار, أهمها مكثه في بيروت سنوات ثلاث, في عملية محددة, و هي إجهاض “حلف بغداد”, الذي كان رأس الحربة فيه نوري السعيد, رئيس الحكومة العراقية في هاتيك الأيام, و كان محمد غانم, يتستر بغطاء شركة ” النيل للاعلانات “,  و يُعرِف نفسه بأنه مدير فرعها في العاصمة اللبنانية.

بعد إنتهاء إنتدابه لتلك المهمة، عاد الى “المحروسة”,  فأسس “شركة النصر”, و قد أقنع أولي الأمر, ذياك الزمن, أن تلك الشركة ستشكل  إنفتاحاً لمصر علي أسواق العالم.

و لم ترحم قرارات التأميم “شركة النصر”, و لم يشفع لها أن مؤسسها من “عظام رقبة النظام”, كما يقول العوام, فأُممت  سنة 1961, إسوة بغيرها من شركات ما يسمى “القطاع الخاص”, فزاد  رأس مالها الى مليون  جنيه, و تفرع عنها 25 فرعاً في أفريقيا و أوروبا و البلاد العربية ، منها 17 فرعاً في أفريقيا وحدها، ثم أصبح لها أسطولاً للنقل البحري, و صارت واحدة من أهم 600 شركة في العالم. و راحت الشركة تستثمر في العقارات, و تجني الأرباح الطائلة, و على لائحة ممتلكاتها بناية من 16 طابقاً في “أبيدجان” (ساحل العاج), و أخرى على شاكلتها  في “النيجر”, الى  جانب العديد من المباني و المخازن, في “دار السلام”, و” زامبيا “, و”كينيا “, ” بانجي” و “الكونغو”.

 

***

“مصري أباً عن جد”.

إبتسم جوزف عبود, و تحركت قسمات وجهه الدقيقة مع تمدد شفتيه, مربوع القامة, نحيف الجسم,  أنف دقيق, على أرنبته يركز نظارة طبية, فلا تبقى طويلاً, فيرفعها متى توقف عن القراءة, تطل من شعر رأسه الأملس, شعيرات بيضاء, عينان واسعتان, تدوران في محجريهما, يندلق منهما بريق جاذب, هادىء النبرات, حاد الذكاء, يجرب مع محدثه كل أنواع التودد, و هو كان هجر مصر مع الذين هجروها, سعياً للرزق في أراضي الله الواسعة, و حط ترحاله في بيروت, التي  فتحت له صدرها و قلبها, و منحته فرصة عمره, و معها,  و هويتها اللبنانية, فعمل و نجح, و أصبح وكيلاً للآلات “مونوتايب”Monotype للتنضيد الضوئي، و توسعت تجارته و تولى حصرياً وكالة “شركة ليتل جون”Littlejohn لكاميرات التصوير الميكانيكي في الشرق الأدنى, فيما بعد إنتقلت الوكالة الحصرية للصديق عماد شبارو.

في مكتبه في”الجميزة ” إستقبلني, و كان ودوداً , و أدار الكلام، بلغة الخبير، عن التقدم الكبير الذي وفرته آلات التنضيد الضوئي مقارنة بآلات “لاينوتايب “Linotype, التي تعمل بالمعادن المنصهرة هو التخلص من الأحرف  المعدنية, و نجحت و تفوقت “مونوتايب” في نظام التصفيف الضوئي, من خلال إنتاج الأحرف الطباعية على أفلام أو ورق تصوير

حساس للضوء، فأطلقت آلة “مونوفوتو ” Monophoto, التي تعمل على ” الإلكترون” و تصور الأحرف عن طريق  قرص زجاجي واحد، صُورت عليه جميع الأحرف, فيدور القرص ليقع الضوء الشعاعي على الحرف المطلوب . كان هذا إختياري الاول لعملية االتنضيد, فأثنى جوزف عبود على إختياري, و ساعدني, متعاوناً الى أقصى حد, في التفاوض مع  الشركة الأم في بريطانيا, للحصول على أفضل و أقل سعر, ونجحنا, و كان لنا ما أردنا, و لم يسبق للشركة الانجليزية أن قدمته لأحد.

بين آلات طباعة “أوفست”, أو الطباعة اللوحية غير المباشرة, فهي تعتمد  بدرجة كبيرة على مهارة “الطَّباع” المتعاطي مع الآلة. شركتان ألمانيتان, تتنافسان على أسواق العرب:” هايدلبرغ “و “رولاند “. و للشركتين وكيلين أساسيين في مصر: وكيل “هايدلبرغ “هو يوسف علام, أما ” رولاند”, فقد إختارت يوسف قارة  وكيلاً لها في العالم العربي  إنطلاقاً من بيروت.

بعد دراسة, وقع إختياري على آلات” رولاند”, و قد رجحت كفتها  بسبب من خبرة العمالة اللبنانية بها , تشغيلاً, و صيانة. و قد أسعفني كل من نقولا و إحسان قارة,, و قد توليا مساعدة والدهما في إدارة الوكالة, على تفضيل آلةRoland  Ultra  أربعة ألوان على غيرها, و آلة اصغر حجماً و قدرة,  Favoritذات لون واحد لطباعة الأغلفة, الى العديد من الأجهزة المساعدة لقص الورق من Polar و تصوير من Klimsch . و تمكنت من الحصول من جوزف عبود و يوسف قارة , على”فواتير تنفيذية” أو Proforma Invoices لإرسالها للقاهرة لتحويل قيمة شراء الآلات و المعدات لزوم تجهيز المطبعة.

وقف مني إسلام شلبي على ما إخترت, و أنجزت, تعاظم شعوره بالإعتزاز و تسلم مني فواتير الشراء.

رفع نظره عن الورقة, قال بنبرة واثقة, شعرت بعدها أنه حبس دمعة فرح :

“إقتربنا من تحقيق الحلم” ..

أدار ظهره, ومشى الى مكتبه مدفوعاً بالإعتزاز.

 

مودي حكيم

شاهد أيضاً

فى عالم مجنون «2»
المجنون والسياسة !

فى فوضى سياسية واقتصادية متسارعة يتجه العالم نحو مرحلة شديدة التعقيد ، فى عالم مجانين …