يعد كتاب “مصارع العشاق” مصدراً من مصادر تاريخ العرب الروحي. فإذا كان المؤرخون التقليديون قد كتبوا التاريخ السياسي والاجتماعي فإن السراج (جعفر بن أحمد بن الحسين السراج القاري البغدادي) تصدى لكتابة تاريخ من صنف ثان، وهو تاريخ العرب العاطفي والوجداني. وهذه الكتابة، كما نعرف، كانت محفوفة بالمخاطر لأنها تعمدت تجاوز التقاليد القائمة على “ذم الهوى” ومضت تحتفي بهذه العاطفة التي كانت، في نظر السراج، قرينة الحياة وإن حملت في تضاعيفها نقيضها الموت. وبذلك فتح هذا الكاتب الحجرة المغلقة التي حظرت التقاليد فتحها تعففاً وتمنعاً أو بحثاً عن سلامة موهومة وهي حجرة العشق، أي حجرة الموت. وهذا الأمر حفز الكُتاب على التأليف في هذا الغرض “المستراب” في مشرق البلاد العربية ومغربها. ولهذا يمكن القول، بكثير من الاطمئنان، إن في كل الكتب العشقية التي ظهرت بعد السراج شيئاً من كتاب المصارع، شيئاً من قصصه وقصائده، أي إن كتاب “المصارع” تناسل في المشرق والمغرب وبات أكثر من كتاب.
وانعطاف الباحث التونسي أصيل الشابي على هذا الكتاب بالنظر والتحليل في دراسته “الخطاب القصصي في مصارع العشاق للسراج البغدادي” الصادرة عن الدار التونسية للكتاب، إنما هو انعطاف على مدونة قصصية تعد من أهم مدونات السرد في أدبنا العربي وأولاها بالدراسة. إذ كانت من المدونات الأولى التي أصلت تقاليد القص العربي، وأفصحت، بحس مرهف، عن المشاعر الإنسانية في تناقضاتها واختلافاتها وتعددها. والأهم من ذلك أنها أبدعت لغة جديدة، لغة ناصعة، شفافة، جمعت بين كينونة الشعر وصيرورة القص جمْعَ تآلف وانسجام. فالسراج أدرك أنه لا يستطيع أن يتكلم عن العشق إلا بلغة عاشقة.
أساليب مستحدثة
يشير الكثير من الدارسين إلى أن القص في الحضارة العربية لم يكن زخرفاً زائلاً أو نفلاً زائداً وإنما كان المخرج الذي لا يُنال بغيره. وربما كانت شهرزاد صورة رمزية للراوي العربي تختزل كل أدواره. فهذه المرأة، وجب عليها أن توظف موهبتها في حكايات تستأثر باهتمام المروي له، فإذا فشلت كان مصيرها الموت. ثم يضيف: “إن وظيفة هذه المرأة لا تكمن في فعل السرد وإنما في البحث عن أساليب في السرد مستحدثة حتى تجعل المروي له مشدوداً إليها، مأخوذاً بها. فمتى فقد السرد سحره فقدت المرأة حياتها”.
على أساس من هذا يصبح فعل القص، بحسب عبارة ابن عربي، “حالة وجودية” بينما يصبح الصمت “حالة عدمية” أي إن فعل القص يصبح، من هذا المنظور، أسلوب حياة وطريقة وجود، به يتوسل الإنسان ليحتمي من الموت أو يرجئه أو يتناساه.
Independent News
مجلة 24 ساعة