الرئيسية / صحافة ورأي / لماذا يحتفظ الفرنسيون بحديقة ” التويلوري”..!؟

لماذا يحتفظ الفرنسيون بحديقة ” التويلوري”..!؟

  ماجده الجندي 
اذاعة جلسات مجلس الشعب ، واحدة من مظاهر الشفافية التي تسمح للمواطن بالنفاذ الي افكار المسؤليين التنفيذيين ، و تبيان “نظرتهم ” للأمور مباشرة ، و بعيدا عن البيانات الرسمية التي قد لا تكشف عن “الكيفية ”  التي يفكر بها المسئول . و الحقيقة انني توقفت امام ما صرح به  السيد وزير السياحة والاثار في مجلس النواب ” لو هانسجل كل مبني عمره ١٠٠ سنة كأثر هنسجل نص بيوت البلد” ، و قلت في داخلي  و ما المانع ؟ و الله هذا فخر لنا .. ومدعاة لان نزهو بهذا الوطن اكثر و اكثر ..ما المانع ؟! ما الذي يجعل من “القيمة التاريخية ” موضعا” لللهجة ” التي تكلم بها السيد المسئول…  كنت اتصور ان التراكم   المعماري التاريخي الذي حظيت به مصر ينبغي ان يكون مصدرا للتميز  ، بل و الشعور بالغني و الثراء ؟ كيف لا ندرك الدلالة لمعني انه بينما كانت  هناك” مواطن “عديدة حولنا لا تعرف الا الترحال و العيش المؤقت ، كانت مصر تزخر بالقصور و العمارات و الابنية متعددة الطرازات .. هذا المسار الحضاري المتصل ،   الذي ينفي ان تراث المصري مقتصر علي القدم الفرعوني وحده  ، و الذي يبرز سياقا تاريخيا حضاريا متتاليا و مستمرا ، كيف لا يتحول الي “كنز “… الحي اللاتيني في باريس ، الذي منه السان ميشيل و السان جيرمان ، هو البيضة التي تبيض ذهبا لفرنسا ، كم عمر مبانيها ومقاهيها و محلاتها ؟   و كيف يتعامل الفرنسيون معها . هذه المنطقة القديمة هي ” الجمالية ” بتاع فرنسا .. و الحفاظ عليها لم يكن بالحفاظ علي ” المبني ” او الاثر فقط او في حد ذاته ، بل الحفاظ علي كل تفاصيل المشهد .. بياع الخضار و  الخباز و القهوة ..حتي معامل صناعة الاجبان ، و الموجودة اسفل بعض البيوت و التي تنطلق منها روائح نفاذة ، لم ينقلوها ، لانها جزء حقيقي وأصيل من المنطقة .. لا يمكن ان تغير “مفصلة باب” بعيدا عن الحي .و عبقرية المنطقة و ثرائها و قيمتها هي في التفاصيل التي بقيت واستمرت وسوف تستمر .. في قهوة كان يجلس عليها كتاب ، و فندق اقام به شاعر ، ومطعم مازال يقدم الاكل علي طريقة “ليون ” ، و جزار و و .. هل لم يكن بامكانهم مثلا ان يكتفوا بالبيوت و يشيلوا معامل الجبنة ؟ قبل سنوات كانت هناك وزيرة للثقافة ،  كانت تعمل في مجال النشر قبل الوزارة ، و كان مقر بيت النشر الذي تديره موجود  في الحي اللاتيني ، اكتشفوا بعد توليها الوزارة انها ارتكبت ” جريمة ” .. انها قامت باستقطاع او ” تخليق”،  ركن صغير لعمل القهوة داخل المبني ، و قامت القيامة في الصحافة والمجالس المحلية و النيابية و تحول الامر ليس فقط الي  جريمة، بل  وفضيحة ، حتي اجبرت علي ما اذكر ، علي الاستقالة .. الحي اللاتيني  هو قيمة تاريخية و ثقافية و روحية ، تحولت مع الادراك لها الي ” قيمة ” سوقية مالية لا تقدر .. الاثرياء فقط هم القادرين علي اقتناء شقة  بضع امتار  فيها…. المبني الذي تشغله البعثة المصرية في نيويورك ، عمره لا يزيد عن ثمانين عام ،  ولا يمكن  حتي “دق مسمار” في داخله دون ورق وتصاريح … الدول المحيطة بنا اقليميا ، لما راحت تبني الحداثة ، “اصطنعت ” تاريخا و اشترت تاريخا و استعارت تاريخا ، نقوم احنا نبص للمبني اللي عمره ميت سنه علي انه ” عبأ”!؟
اقتصار مفهوم الحفاظ علي التراث علي انه ” الاثر المسجل ” و حده سوف يطمس ، يمسح تاريخا حقيقيا لا يقدر .. ” ولا يستعاض”، و الا فما هو الفارق بينك و بين دول طلعت ” امبارح ؟ استاذه التاريخ  بالجامعة الامريكية “الدكتورة مونيكا حنا “، كنت اتمني ان استأذنها فيما كتبته علي صفحتها الخاصة  عن نماذج التعامل مع التراث في ايطاليا ، التي لم تفرط حتي في المكن الخرده الذي خرج من الخدمة بحكم التطور و لم تهدم مساكن ” محوّلجي القطارات ”  وحولتها لمطاعم ، و اتمني لو تنشر و جهة نظرها حول التراث و  وعلاقته بتاريخ المجتمع و قيمته ، لكني سوف استعير منها ما كتبته و فق اليونسكو او وفق اتفاقية اليونسكو عام ١٩٧٢في التعريف بالمباني التراثية انها ” كل المباني التي لها قيمة تاريخية ، فنية ، علمية ، او ما يتفق عليه المجتمع المحيط ان له قيمة مجتمعية لهم ” و الحقيقة ان صوت الدكتورة ليس منفردا هناك اصوات اخري لمتخصصين يستشعرون خطر تلك الرؤية التي تقصر النظر الي ” التراث ” و تحصره في ” الاثر المسجل “.. السيد وزير الاثار والسياحة قدم في جلسة مجلس النواب تعريفا للأثر علي انه المبني الذي مضي عليه مائة عام ، و قت صدور قانون الاثار سنة ١٨٨٣ ، و هذا توجه لا يستقيم و بلد يريد ان يحفظ هويته و ذاكرته .. و هذا “جوهر صراعنا الاخطر “..السياق او المشهد الموجود حول الاثر، جزء من قيمة الاثر …  اما ما نبه اليه في نفس الجلسة السيد الوزير من ان “الحدائق و الاشجار ليست اثارا “، يجعلنا نفكر  في مصير حدائق الاسماك و الأرومان و الحيوان ، ونتسائل لماذا يحتفظ الفرنسيون بحديقة التويلوري؟
 جريدة الاهرام

شاهد أيضاً

الفن التشكيلي المصري… تجارب فردية تبحث عن هوية

يرى بعض النقاد أن هناك حالة من فقدان التوجه أو النسق العام للحركة التشكيلية المصرية …