الرئيسية / كلمة العدد /
إمام المتمردين
عبد الرحمن الشرقاوي: فلاح فقيه، صحافي ثائر جريء، و شاعر مُجَدّد
مودي حكيم
مودي حكيم

إمام المتمردين
عبد الرحمن الشرقاوي: فلاح فقيه، صحافي ثائر جريء، و شاعر مُجَدّد

المكان: المنزل رقم ١ “مينستر درايف  Minister Drive « كرويدون »، جنوب شرق لندن.

الزمان: ذات يوم من سنة ١٩٧٦.

في صدر غرفة الإستقبال، جهاز تليفزيون، تتلألأ منه أضواء ملونة تنبعث من خلف الشاشة الزجاجية الكبيرة. قبالة الجهاز تَرَبّع شريف (١٠ سنوات) على الأرض، يفور و يغلي حماسة، و هو يشاهد مباراة في كرة القدم، يتراقص جسده النحيل، يمينًا و شمالًا، مع حركة اللاعبين في الملعب.

دخل عبد الرحمن الشرقاوي، مَسَح الغرفة بعينيه، إسترعت إنتباهه حماسة شريف، أحسست و أنا اقف الى جانبه، إنه إبتهج الى أغوار قلبه برؤية الصبي، لمع في عينيه بريق غريب، يشي بالطيبة و الوداعة و الحنان، إقترب من شريف و قال، و مشروع ضحكة كبيرة ترتسم على شفتيه:

« مين بيلعب يا شريف؟ ».

أجابه الصبي، من دون أن يرفع نظره عن الشاشة، من خوف أن تفوته لحظة مما يدور في الملعب أمامه:

« ليفربول ضد تشلسي يا عمو… ».

ترك عبد الرحمن الشرقاوي إبتسامة منتشية على شفتيه، تماوجت نبرات صوته بالود، سأل شريف:

« ممكن أتفرج معاك يا شريف؟ ».

من دون أن يُجيب، أفسح شريف له مكانا الى جانبه، تهلل وجه عبد الرحمن الشرقاوي:

« طيب …يا سيدي أدينا قَعَدنا ».

و تربّع على الأرض الى جانب الصبي، و بدأ يشاهد المباراة بالحماسة نفسها، و راح، بحنو الأب و وداعته، يتبادل مع الصبي التعليقات حول ما يجري أمامهما، و يتعمّد الإستفسار، فيصغي  الى الصبي باهتمام، يجعله يتمادى من دون كلفة. مرات خَفّف من حَنق شريف، و مرات أخرى نسي نفسه تأخذه الحماسة، فيبدأ يضرب كفا بكف… و ظلّا هكذا حتى دوّت صفارة  الحكم الأخيرة.

هذا المشهد الإنساني الواقعي، الذي لم يفارقني طوال ٤٤سنة، لم يكن غريبا على عبد الرحمن الشرقاوي، صاحب الشمائل الفواحة، العفيف النفس، الليّن العريكة ، النقي السريرة، الذي لم يعرف طوال عمره الكره  و لا الضغينة، فليس في حياته مكان سوى للمحبة.

يومها جاء لمنزلي، مُلبّيا دعوتي للتعرف على عائلتي الصغيرة، فهو جاء إلي لندن في زيارة عمل، و للوقوف على ما أقوم به في إدارة مكتب « روز اليوسف »، الذي كان كلفني بتأسيسه و إدارته في العاصمة البريطانية.

ما كان عبد الرحمن الشرقاوي يبغي من المكتب، هو أن يزيل الشوائب التي لحقت بسمعة المؤسسة المصرية العريقة، في لندن       و سائر العواصم الأوروبية، فقد وصمتها المؤسسات الإعلامية في تلك العواصم بانها تميل الى الشيوعية، و تغالي في التنظير لها، الأمر الذي أثّر على إنتشار و توزيع « روز اليوسف »، و أصاب مواردها المالية في مقتل، بعدما قطعت المؤسسات و الشركات الأوروبية الإعلانات عنها.

و قد تمكنت، الى حد بعيد، من أن أُسهم في رفع الحيف و الضيم عن المؤسسة، بتكثيف التغطية الصحافية من لندن، فزاد إهتمام الصحافة البريطانية بما ينشر في « روز اليوسف »، إضافة الى حملة علاقات عامة واسعة النطاق، خفّفت من غلواء الإدعاءات المتجنية التي طاردت طويلا المؤسسة و مطبوعاتها.

و لم يكن لي ذلك كله، لولا دعم عبد الرحمن الشرقاوي، و تفهمه، بما عُرف به من رجحان الرأي  و بُعد النظر. فما عدت منه برأي في أزمة، إلا و كان ختام الأزمة مصداقا عليه.

***

عرفت عبد الرحمن الشرقاوي قبل أن ألتقيه. ما عدت أذكر، كيف وقعت بين يدي مقالة له، كان نُشُرها في « الفصول »، التي كان يصدرها محمد زكي عبد القادر، فأسَرني أسلوبه، و جذبني تفكيره، فرحت أقتفى دربه، أتابع ما يكتب و ينشر، نثرا كان أم شعرا.

شدّتني إليه في إجاداته، عبارته المتماسكة، و خياله الرائع، و تعبيره البارع… و عندي أن عبد الرحمن الشرقاوي أعاد الى النثر  رواءه.

و لطالما كنت أعجب كلما نزل إسم عبد الرحمن الشرقاوي على الكلام، يبدأون بذكر قصيدته المشهورة « من أب مصري الى الرئيس ترومان »، التي نشرت في ديسمبر سنة ١٩٥٢، و يحنو ماضي الرجل!

فعلى الرغم من أن تلك القصيدة كانت بدايات مدرسة الشعر الحديث، التي أقام الشرقاوي دعائمها وطيدة، و مكّن لها ، نظرا و قولًا، بما كان ينشر بعدها… و على الرغم من أنها أول قصيدة سياسية تهاجم السياسة الأميركية، فشاعت، و رُدِدت في كل مكان يتحرك فيه لسان بين فكين، و نُشرت مُزينة برسومات المبدع حسن فؤاد، و بيع منها ما يربو على مليون نسخة…  على الرغم من ذلك كله، لم تكن البداية التي وضعت عبد الرحمن الشرقاوي على درب الأدب و الشعر و الفكر.

بداياته كانت في « الفجر الجديد »، التي كان أصدرها سنة ١٩٤٦ أحمد رشدي صالح، و كانت يسارية الهوى، و بعدها عقد مقالات في « الفصول »، « الطليعة »، « الشعب »… إلا أن أحدا لم يلتفت الى هذا الكاتب المتمرد، الثائر، أو أعاره إنتباها… حتى عندما عاد من باريس في مطلع سنة ١٩٥٠ بعدما أتم دراسته القانونية العليا، و كتب في « المصور »، و نشر قصصه فيها على مدي سنتين من الزمن، لم يهتم به غير القلّة من المُثقفين اليساريين و التقدميين، على الرغم من أن طبقة نثره هيهات أن تجدها في صحافة هاتيك الأيام، من يكاد إن يبلغها، في روعة الألفاظ، و دِقّة المعاني، الى براعة في وضع الأشياء في موضعها في مقامات الكلام، ليس بعدها براعة.

و بقي عبد الرحمن الشرقاوي في العتمة، حتى هَدَرت الدبابات في المحروسة، في ٢٣ يوليو سنة ١٩٥٢، فطار العرش و التاج     و الصولجان، و قامت الجمهورية، فغيّرت مصر، و غيّرت حياة عبد الرحمن الشرقاوي.

***

كان المتمرد، الذي ينغل في داخل عبد الرحمن الشرقاوي، ينتظر تلك اللحظة، لحظة أن تنتفض البلاد، و ينعتق الغلابة من أسر المحتلين و الإقطاعيين، و تقوم ثورة، أي ثورة، ليرتاح و يطمئن.

كان المتمرد العنيد، علت به السن، و أدركه التعب، بعد سنوات طويلة من الرفض و الإحتجاج.

كان لم يبلغ الحلم بعد، عندما ذاق مرارة الحبس. يومها، خرج مع رفقة له، يهتفون في أزِقة « الدلاتون»(مركز شبين الكوم)، قريته   و مسقط رأسه: « الله حي…الله حي…سعد جي».

فألقى الخفراء القبض عليهم، و حجزوهم في غرفة « السلاحليك »، في دوار العمدة، فبات عبد الرحمن الشرقاوي ليلة في الغرفة المعتمة.

و ظلّ المتمرد هائجا، فائرا، عالي الرأس، عصّي المِراس، غير هيّاب، لا يهون و لا توهن عزيمته، هاجم المحتلين البريطانيين، فاعتقل سنة ١٩٤٧، و أودع  في زنزانة واحدة مع محمد مندور و عبد العزيز فهمي.

حمل راية « ثورة يوليو »، عاليًا، كتب في مجلة « التحرير » لسان حال مجلس قيادة الثورة، التي كانت تحت إشراف جمال عبد الناصر، مقالات كان لها طنين و رنين، أصبح بعدها « أديب الثورة »  و شاعرها، و المعبِّر الحقيقي عن المنحى المقاوم، الرافض فيها، و عن الوجه اليساري التقدمي.

فإبداعات و إجادات عبد الرحمن الشرقاوي، فجّرتها « الثورة »، فلا يمكن فهم أعماله النثرية، و الشعرية، و المسرحية، من دون ربطها بتلك الثورة، و تطوراتها، و تحولاتها الداخلية و الخارجية.

و مثلما كانت « الثورة »، سببًا في إبداعه، كانت ايضا السبب في أزمته، وصدمته، في آن معًا.

***

وجد جمال عبد الناصر أن مجلة « التحرير »، لم تعد كافية وحدها لمخاطبة الناس، و شرح  و توضيح  ما تنويه و تعتزم  السلطة الحاكمة القيام به، فاستقر الرأي على إصدار جريدة يومية، تحشر رأسها بين الجرائد اليومية التي كانت تملأ صباحات القاهرة بالعناوين و الأخبار.

فكانت « الجمهورية »، التي ترأس انور السادات مجلس إدارتها، و أُختير مأمون الشناوي ليترأس تحريرها، و إنضم الى الجريدة الوليدة التي صدر عددها الأول في السابع من ديسمبر سنة ١٩٥٣، عدد من كُتّاب مجلة « التحرير »، أبرزهم كان عبد الرحمن الشرقاوي.

و حدث أن كتب أنور السادات، في ذات عدد، مقالا حذّر فيه من « الخطر الشيوعي الأحمر »، و زحفه الدؤوب الى المنطقة.     و في العدد نفسه كَتَب عبد الرحمن الشرقاوي، مطالبا بالحوار مع الشيوعيين، بدل التحذير و التخوف منهم. و لم يجد رئيس التحرير غضاضة في نشر المقالين المتعارضين في عدد واحد، إلا أن  أنور السادات إستشاط غيظًا ، و أمر باحضار الشرقاوي، فقام البوليس الحربي بإحضاره الى الجريدة.

هوى السادات بقبضته على طاولة المكتب، و بنبرات غاضبة قال:

« كيف يا عبد الرحمن بترد على مقالي في العدد نفسه؟ ».

فرد عليه الشرقاوي بهدوئه المعهود مستفسرا:

« هو سيادتكم بتكتب؟ ».

تكوّر الغضب في عيني السادات، أخذته الحدة، فأمر بنقله الى سجن البوليس الحربي.

أمضى الشرقاوي الليل في الزنزانة العفنة. في الصباح تفاجأ بالياور يفتح باب الزنزانة، و يقوده الى مكتب آمر السجن، ليجد أنور السادات في إنتظاره، فإصطحبه الى منزله في « الهرم »، لتطييب خاطره، و خلال تناولهما الإفطار، قال له السادات بوّد:

«  إنت يا عبد الرحمن أثرت أعصابي… كيف يا راجل ما تعرفش إنني بكتب منذ قبل الثورة؟ ».

وتقطّع الإشكال، و إستمر عبد الرحمن الشرقاوي في كتابة عموده اليومي في « الجمهورية »، إلا ان شيئا ما بدأ يتغير في ذهن الشرقاوي حيال تصرفات أولي الأمر في البلاد.

و لحادثة الشرقاوي سابقة، حكاها هو لي، كانت جرت مع إحسان عبد القدوس، الذي بعدما كتب في « روز اليوسف » مقالا إنتقد فيه تصرفات بعض الضبّاط، أُعتقل و أودع السجن أياما، و بعد الإفراج عنه،  إتصل به جمال عبد الناصر و قال له بتودد:

« إيه… إتربيت، طيب تعالى بكره  و أفطر معايا ».

***

و تمضي أيام و تأتي أخرى. في سنة ١٩٦٤ سار ذكر عبد الرحمن الشرقاوي كل مسير، فقد كان عقد في المجلات المصرية      و العربية، الواسعة الإنتشار إذ ذاك، كثيرا من المقالات الفكرية، و الأدبية، و السياسية، الى جانب عدد من المسرحيات الشعرية،    و الأبحاث التي أيّدها بالناصع من الأدلة، و الإثبات، و الأصول، بحيث أصبح ما يكتب مرجعًا مهمًا للبحث و التتبع، فغدا من أبصر أهل زمانه نحو اللغة العربية و صرفها و مفرداتها…

وعلى الرغم من ذلك كله، فوجىء، ذات يوم، برسالة مفادها أن قرارا أُتخذ بالإستغناء عن خدماته و طرده من جريدة « الجمهورية »! كان ذلك  الإجراء التعسفي، ضمن حملة واسعة طاولت أربعين كاتبا بارزا، منهم طه حسين و عبد الرحمن الخميسي، وقف خلفها المشير عبد الحكيم عامر.

ولقد أثّر  فيه هذا التصرف تأثيرًا بالغًا، أصاب إعتداده بنفسه، و لم يستقر وعي عبد الرحمن الشرقاوي إلا على شيء واحد، هو تنّكر « الثورة » له، و أن جمال عبد الناصر، بما له من حول و قوة، كان عاجزًا عن حمايته و حماية كتّاب على رفعة في المستوى     و القدر، فسقط شيء خطير في داخله كان متعلقا بمصير مصر.

و ما زال محفورًا في ذهني ، ما قاله لي بمرارة، في ذات لقاء بيننا، أراد فيه نفض كتمات صدره:

« لم أكن أتوقع ان تصل الحال ببعضهم الى هذا الدرك، و أن يبدأ الصراع على السلطة باكرا، إنهم بَدَل إستخدام قوة القانون يستخدمون قانون القوة ».

***

شيئان على درجة من الأهمية إستحوذا على فكر عبد الرحمن الشرقاوي:

الإصلاح الزراعي، و قد ذكر لي مرات عِدّة، إنه قدم لجمال عبد الناصر مسوّدة إقتراحات حوله، طُويت و لم يؤخذ بها!

ثم، إيجاد سياسة خارجية مختلفة في تصوراتها و منحاها، مع بروز العدائية الأمريكية.

وكأنما الشرقاوي وجد فيما كان يجري و يدور، حبر قلمه، فكتب عملين، هما في إعتقادي، أهم إبداعاته:

قصيدة « من أب مصري الى الرئيس ترومان »، التي كانت علامة فارقة، و بداية مدرسة جديدة في الشعر الحديث، إذا أوقفنا على بلاغة الشعر، و تناسق النظم، و رِقّة السبك و العاطفة، و دقّة المعنى، و السهولة و الإنسجام، ذهب عنا غرابة ذلك الخلود الذي لم يزل يلّف تلك القصيدة على مدى ٦٨سنة. و هي كانت ايضا أول قصيدة سياسية أفصحت عن الواقعية السائدة في السياسة الخارجية و المرتبطة إرتباطًا وثيقًا بنهج السياسة الداخلية.

و كانت بعدها « الأرض »، بداية الأدب الواقعي الإشتراكي، و ما أحدثته الثورة في الريف.

خَلَع الشرقاوي على هذه الرواية، ثوبا لغويًا قشيبا، أنيق المنسوج، نقش كلماته و لا نقش الجمال في برودة الرخام، و بين أسطر      « الأرض »، تحذيرا للثورة من الفشل و من الخيانة، من خلال ربطه الواضح بين الحفاظ على الأرض، و الحفاظ على نبض المعركة الوطنية الداخلية.

و حدث أن إمتشق الدكتور لويس عوض، القلم في وجه الشرقاوي، منتقدا كتاباته عن الفلاحين، و كال له تهمة إنه يرسم شخصيات هؤلاء الفلاحين من خياله الخصب ، فتلك الشخصيات، عند عوض، لا تمت الى الواقع المُعاش بصِلة!

فردّ عبد الرحمن الشرقاوي :

« إن الفلاحين الذين أكتب عنهم هم أهلي، فأنا فلاح من المنوفية مركز شبين الكوم ، و أنا علي صلة بأهل قريتي و والدي يعيش في القرية و أهلي كلهم يعيشون في القرية ، الموتي و الأحياء ، و أنا أكتب عمن أعرفهم و عما أعرفه في حقولنا و في قُرانا ،     و أعتقد أن الدكتور لويس عوض لم يعرف الفلاحين لأنه يعيش في المدينة علي الدوام ، و أنا مستعد علي أية حال لإستضافته في قريتي أية مدّة يراها، شهورًا  أو أعواماً، ليتعرف على الفلاحين الذين أكتب عنهم ».

 

عندما بدأ جمال عبد الناصر خوض معاركه العربية، منافحا في الجزائر الرئيس الفرنسي غي موليه، و مؤيدا الثورة الجزائرية، أدرك عبد الرحمن الشرقاوي، أن رياح الإتجاه العربي ستهب علي مصر، فكتب مسرحية « مأساة جميلة » عن المناضلة الجزائرية “جميلة بوحريد”، و كانت تتواءم مع موقف الثورة و عبد الناصر،  و كانت أيضا حدثا فنيا رائدا، إذ إنها كُتبت بالشعر الحديث، فإستخدم الشرقاوي « شعر التفعيلة » الذي كان من روّاده.

و كرّت حبات سبحة المسرحيات:  «الحُسين ثائرا »، «الحُسين شهيدا »، « النسر الاحمر »…

إلا أن مسرحية « الفتي مهران »، في نظري، هي الأبرز بين مسرحياته، والأعمق أثرا و تأثيرًا و دلالة، فقد كتبها في فترة دخل فيها عبد الناصر، و من معه و حالف و تحالف معه، في خلاف مع اليسار، و في مرحلة بدأ فيها اليمين يتسلل الى مراكز القوى،       و يتكمش بمفاصل الحكم و الدولة، فكانت « الفتى مهران » رسالة مفتوحة الى جمال عبد الناصر، لكي يُبَدِل و يُغيّر تحالفاته،     و خياراته، و قراراته، و ينقذ ما يمكن إنقاذه، و يحمي الثورة من الإنكسار الداخلي و تضعضعه، الذي تسبب في الهزيمة سنة ١٩٦٧ و ما بعدها…

و كانت خيبة الشرقاوي، كما أسَر لي مرارا، هي أن الرسالة، لسبب ما، لم تصل جمال عبد الناصر، فكان ما كان.

***

لم يكن جرح « النكسة »، قد إلتأم بعد، عندما رحل جمال عبد الناصر عن الدنيا، و ترك مصر نهبًا للجماعات الدينية، التي كانت خبيئة، تقتات من آثار « النكسة »، مُتهمة الفِكر اليساري التقدمي بأنه وراء الإنكسار و الهزيمة… فبرزت، و نَمَت، و تمّددت، أسعفها في ذلك، لجوء أنور السادات اليها لضرب الناصرية و اليسار!

فانتقلت المعركة أيام حكم السادات من « حركة التحديث »، التي كانت بدأت تأتي بالجنى على زمن عبد الناصر، الى العودة الى  « السلف الصالح »، و « الأصولية»، التي تمثلت في مرحلة الخلفاء الراشدين، و الأصولية المستنكرة، تلك، كانت أخطر تحول في مصر.

كان عبد الرحمن الشرقاوي يعيش هاجس هذا الخطر الداهم، و يعرف أكثر من غيره مضاه و أذاه على النسيج الإجتماعي المصري، فعَكَف على إيجاد فكر تقدمي يتكون من مزج الفكر الإسلامي الحديث، مع الفكر اليساري التقدمي، تمامًا كما فعل « الأزهر » مع حركة « سان – سيمونيانزم » Saint-Simonianism، و هي حركة سياسية إجتماعية  فرنسية قامت في النصف الأول من القرن التاسع عشر، مُلهَمة بأفكار الكونت دو سان سيمون، و إسمه كاملا “كلود هنري دو روفروي ” Claude Henri de Rouvroy و التي إنبهر محمد علي و إبنه إبراهيم باشا باتباعها، عندما حلّوا في مصر، لتطبيق أفكارهم الإصلاحية والإسهام بنهضتها، ( من أتباع تلك الحركة فرديناند دُليسبس مهندس قناة السويس)، إلا أن ما قام به « الأزهر »، تحلل، و إندثر، و إختفت معالمه و آثاره الفكرية، و توقفت الحركة التحديثية  للفكر الديني، و مسايرته للتطور و الإصلاح الإجتماعي.

كان عبد الرحمن الشرقاوي، كما يستشف المُتتبع لتطوره الفكري، من المتأثرين بالحركة ال « سان- سيمونيانزم »، و أفكارها الإشتراكية و الإصلاحية ، وهو أدار كل نتاجه و إبداعه حول تلك اللحمة القديمة بين « الأزهر » و الحركة الإصلاحية الفرنسية. وليس أدّل على ذلك من كتابه « محمد رسول الحرية » الذي هاجمه « الأزهر »، و رماه المشايخ الإتباعيين و الدوغمائيين بالإنحراف عن « صحيح الإسلام »، أدانوه، و طالبوا بتجريمه و تحريم كتابه و مصادرته، فما كان منه إلا أن رفع ضيمه الى جمال عبد الناصر، الذي أنصفه و أثنى عليه بعدما قرأ الكتاب، فكمّم « الريس» أفواه مشايخ « الأزهر»، و سمح بتوزيع الكتاب، فانتشر، و أُعتبر بداية المعركة ضد الرِدّة و الأصولية، و مدماكًا لحركة التحديث.

و مضى عبد الرحمن الشرقاوي، يمتشق قلمه و يديره على الورق ضد « زمن الرَدّة »، فظهر « علي إمام المتقين »، و«الفاروق عمر »، و « أبو بكر أول الخلفاء الراشدين »، و« عمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء »… وكلها سهام تستهدف الفكر الأصولي السلفي، الذي يستعين بالتراث  و الماضي العتم، المُختَلَف عليه فقهيًا و سياسيًا، للقضاء على المستقبل المستنير.

ولم يسكت عبد الرحمن الشرقاوي على ضيم، تصدى للذين تصدوا له، و جردوا بأقلامهم الخبيثة المدعية حملات التجني. و كان الشرقاوي في تصديه، جَدَلي، قوي الحجة، يعرف، دائما، كيف يدافع عن آرائه، بقوة، و شدة، دونما لين، أو هوادة، و من دون أن يخرج عن آداب المناظرة.

في مقال له بعنوان: « من يفسر لنا مبادىء الإسلام؟ »، أقام فيه و أقعد، كان نَشَره في « روز اليوسف » في زمن رئاسته تحريرها، فكَتَب مصارحا رجال الدين بنواقصهم:

« إنهم لم يحاربوا أبداً أى صورة من صور الفساد الحقيقي التي تنهش في مجتمعنا، و هي تحت أعيُنهم يرونها في كل صباح      و مساء ..لأنهم ينافقون الله .. لكنهم إذا انطلقت صيحة مخلصة لتنفض مبادئ الاسلام ما فيها و ماعليها من غُبار .. أخذتهم الصيحة، فأنفضوا  يكيلون الإتهامات .. و أذكر أنهم ما إجتمعوا يوماً لمواجهة فساد و إقامة صرح بلا أذى ».

***

تلفت أنور السادات، و هو يبحث عن رئيس مجلس إدارة جديد لمؤسسة « روز اليوسف »، فلم يجد أفضل من عبد الرحمن الشرقاوي للمنصب، و هو كان قسا عليه في بدء الأمر، كما مرّ معنا، ثم قرّبه منه، و نشأت بينهما صلة ودّية وثيقة.

و كان أنور السادات يعرف حق المعرفة، أن « صديقه » الشرقاوي من طينة الذين لا يصنعهم المنصب أو المسؤولية، إنما هم الذين يصنعون المنصب، و يترفعون بالمسؤولية الى الذروة.

و لأن رئيس الجمهورية هو الذي يختار و يعين و يُقيل رؤساء تحرير الصحف المسماة قومية، فقد إختار و عَيّن كل من فتحي غانم و صلاح حافظ لرئاسة تحرير « روز اليوسف »، و حسن فؤاد و لويس جريس لرئاسة تحرير « صباح الخير».

واجه عبد الرحمن الشرقاوي في التعامل مع مدير المؤسسة و العضو المنتتدب عبد الغني عبدالفتاح ( الذي كان يطمع في منصب رئيس مجلس الادارة ) صعوبات، فقد وضع له العقبات منها خلو خزينة المؤسسة من المال، مما يستحيل معه تسديد رواتب العاملين  و عراقيل أخري مما دفع الشرقاوي للإستغناء عنه،  و تعيين لويس جريس أميناً عاماً للمؤسسة بشرط تطبيق العدالة الاجتماعية في أي قرار يصدره.

و كان همّ الشرقاوي رفع توزيع روز اليوسف، فقد لاحظ إرتفاع توزيع المجلة عندما ينشر إحسان عبد القدوس فيها و ينخفض عندما يتوقف، و صادف أن نَشَر الزميل عبد الستار الطويلة حواراً مع الرئيس السادات فارتفع التوزيع ، و هنا أدرك الشرقاوي إهمية ايجاد مادة للنشر تستهوي القراء. و في تلك الفترة رحل ” مصطفي النحاس “، و تمكّن الشرقاوي من الحصول علي مذكراته و تم نشرها . وكان الشرقاوي سبباً في إرتفاع مبيعات المجلة الي ما يزيد عن مائة ألف نسخة.

***

ما كاد الدكتور عبدالمنعم القيسوني، نائب رئيس الوزراء لشؤون المال والإقتصاد ينهي، في مجلس الشعب، عرضه للإجراءات التقشفية التي ستُدرج في الميزانية، لتخفيض العجز، مرضاة لشروط صندوق النقد و البنك الدوليين، لتدبير الموارد المالية اللازمة    و رفع أسعار الخبز و الشاي و السكر و اللحوم و المنسوجات و غيرها من السلع … حتى إهتاج الناس، و نزلوا الى الشوارع، صرخوا، هتفوا، حطموا، حرقوا، و إنتشر هشيم التظاهرات في المحروسة من الإسكندرية إلي أسوان…

و إنتفاضة الخبز هذه إستمرت طوال يومي  ١٨و ١٩ يناير ١٩٧٧.

رَضَخت الحكومة صاغرة، تراجعت عن زيادة الأسعار، فتراجع الناس عن الشوارع. خلال أيام الإنتفاضة، أصر السادات على تسميتها « إنتفاضة الحرامية »، محّمِلا المسؤولية للحركات اليسارية و الشيوعيين على رأسها، و أعطى أوامر الى رؤساء الصحف  و المجلات، الذين كان عيّنهم، أن يمتنعوا عن وصف الإنتفاضة بانها إنتفاضة الرغيف، إنما وصفها بانها إنتفاضة المشاغبين المخربين و الحرامية. إنصاع بعضهم لأوامر « الريس »، إلا هو، وقف عبد الرحمن الشرقاوي منافحا و معارضا الرئيس السادات، رافضا أن يكتب في «روز اليوسف» بأن ما قام به آلاف الناس هو إنتفاضة حرامية و مشاغبين، إنما إنتفاضة جياع و غلابة      و محرومين.

أصر « سيادته » على طلبه، و أصر الشرقاوي على عناده، و قدّم استقالته من منصبه و من « روز اليوسف »، حمل أوراقه      و قلمه و خرج…

يومها وجد « الأهرام » تفتح ذراعيها لضمّه، و صفحاتها لحبر قلمه.

***

الهادىء، المتمرد، الثائر، الغاضب، الرائق، المؤرخ الطلعة، الشاعر الخصب، ما  إنقطع لكلامه دوّي و لقلمه صرير.

نادرة وقته كان… هوذا عبد الرحمن الشرقاوي.

 

 مودي حكيم

شاهد أيضاً

فنانون ضمير عصرهم«17»
ونحن في مرحلة إعادة البناء!

رغم كل ما كتب عن مسلسلات رمضان التليفزيونية الواحد والعشرين أو أكثر، من آراء وتعليقات …