الرئيسية / كلمة العدد /
الداعية و الولد الشقي و الراهب ! 1-2
الداعية
مودي حكيم

الداعية و الولد الشقي و الراهب ! 1-2
الداعية

من حق ثلاثة، مرّوا في حياتي عبر سنوات عشر، في « روز اليوسف» و »صباح الخير»، أن يطرقوا خواطري، و أن يرشفوا في ألفاظي قليلا من الحياة، فانهم، برّد الله ثراهم، أثروا حياتي بصداقتهم، و علمهم،     و ثقافتهم، و فكرهم، و كدّهم وراء الحرف و الكلمة، تركوا بصماتهم في خالد أعمالهم، و لم يبق لهم في سبيل الى الضياء، إلا هذه الأحرف السوداء، التي تضيء فيهن خواطري عنهم و عن أيامي معهم:

هم الداعية و الولد الشقي و الراهب.

***

أصدر احسان عبدالقدوس قرارا، أصبح تقليدًا فيما بعد، يسمح لكبار الكتاب بتسليم مقالاتهم مباشرة الى قسم التنضيد و الجمع، من دون أن تمر تلك المواد على إدارة التحرير، أو حتى الشيخ رزق أو زميله محمد التهامي، الذي أصبح رئيسا لتحرير « روز اليوسف».

وكان إحسان عبدالقدوس يرمي من ذلك القرار، الى تقدير مكانة كتّاب المؤسسة و علوّ قدرهم، و كان الدكتور مصطفى محمود على رأس هؤلاء… فكان يسلم مقاله الأسبوعي الى الحاج حسن، رئيس قسم التنضيد و الجمع،  و نسخة لرجائي ونيس ، الذي كان يطرز المقالات برسوماته المبدعة الخلابة، فتصل مكتبي سلخة (بروفة) من مقاله لتصميم صفحته.

في غرفة الرسامين، التقيته أول مرة، و بعدها كان متى عرّج على المجلة، لا يفارق مكتبي، يلذّ له مراقبتي و أنا أصمم الصفحات، و أجادل ، و أناقش، و كان يلذ لي سماعه. تلمسك مهابته، يقول فتنصت، يشرح فتقتنع، تقرأ، فتطرب، و تنشغل بالتفكير بما قرأت.

 

في أحايين كثيرة، بعد تسليم مقاله، كان يجلس إلى الفنان ناجي، يسحره عزفه على الناي، فهو عزف أيام دراسته الجامعية على ناي أضاعه بين أشياء ضاعت منه. و في مذكراته حكى عن علي عبد العزيز، عازف الكمان، و الراقصة سوسن، و هما  يتشاركان في إدارة  فرقة تحيي الأفراح و حفلات الطهور، و كيف طلب الإنضمام الى فرقتهما عازفًا على الناي، من دون أي مقابل مادي، لأنه كان مولعا بالعزف، و لن يبتغِ يوما إحتراف العزف،    و ترك دراسته الجامعية.

 

و ما لم يقله مصطفى محمود في مذكراته، قالته زوجته الأولى، إذ أسرّت بأنه كان يملك « حنجرة ذهبية »،    و بحّة حنونة في نبرات صوته تزيده جمالًا، و كان دائما في ساعات خلوّه من هموم البحث و الكتابة يدندن على العود.

***

سنة ١٩٢١، في « شبين الكوم » (محافظة المنوفية)، فتح مصطفى محمود عينيه على النور، من صغره كان متفتح الذهن، إلى ذكاء حاد، و قدرة فائقة على الحفظ، و لما علت به السن، درس الطب، و إختص بجراحة المخ و الأعصاب، إلا أنه أحبّ القلم و الورق و فضّلهما على المبضع و المشرط، فحذا حذو الدكتور يوسف إدريس، و إنصرف الى الكتابة في الجرائد و المجلات، و في كتب أصدر منها ٨٢ كتابًا، في العلوم، و الفلسفة، و علم الاجتماع، و السياسة، و الدين، و القصة، و أدب الرحلات، و المسرح.

 

و مثله مثل العديد من المفكرين، دخل مصطفى محمود في مرحلة الشك، و البحث عن الله، و إحتاج الأمر ، كما إعترف هو على الملأ، الى « ثلاثين سنة من الغرف في الكتب و آلاف الليالي من الخلوة و التأمل مع النفس  و تقليب الفكر على كل وجه لتقطع الطرق الشائكة من الله و الإنسان إلى لغز الحياة و الموت، إلى ما أكتب اليوم على درب اليقين ».

 

والكثير مما كَتَبه و طَرَحه، قبل وصوله الى اليقين، كان صادمًا لعقول صدئت من عدم التفكير، و التساؤل،    و السعي لإيجاد الإجابات، و عدم قبول الإختلاف، و الرأي المخالف، المعاند، الباحث عن الغوامض. و أهم ما كتب  في تلك المرحلة «الله و الإنسان» فوسموه بالكفر و الإلحاد، و طالب الرئيس جمال عبدالناصر، تحت ضغط شيوخ الأزهر، بمحاكمته، إلا أن سعاة الخير أثنوا الرئيس عن غيه، و ليّنوا موقفه، فاكتفى بمصادرة الكتاب و منع إعادة طبعه… إلا أن نسخًا منه كانت سُربت، فطُبع خارج مصر، و إنتشر، و أثار جدلا ، الكلام حوله حبله طويل، فسار ذِكر الدكتور مصطفى محمود كل مسير، و ذهب سمعه في الناس.

و لم يكّف المشايخ  الإتباعيين و الدوغمائيين عن التشهير به و إتهامه بالكفر و الإلحاد ، فلم يُكسر، مضى غير هيّاب ، يعابث المسَلَمات بحثًا عن الحقيقة، لم يهن، ولا كُسر قلمه، و لم يأبه في الحق للومة لائم.

و خلافًا لما زعموا، فإن مصطفى محمود، طوال فترة شكّه، لم ينكر وجود الله، إلا أنه كان عاجزًا عن إدراكه،   و عن التصور الصحيح لخالق هذا الكون.

و لما طَرَق باب العلم، يرسل أصابعه من خلاله في دقائق أسرار الحياة، و لم يجد جوابا لأسئلته، جَنَح الى الأديان السماوية، فتعمق في البوذية، و البراهمية، و الزردشتية، و مارس تصوّف الهندوس و السيخ القائم على وحدة الوجود، حيث الخالق هو المخلوق، و الرب هو الكون في حد ذاته، و هو الطاقة الباطنية لجميع المخلوقات… و في آخر الدرب الشائكة المضنية، إستقر على سجادة الصلاة  و أعطى وجهه للقِبلة.

***

كان مصطفى محمود يُضٌفر في كتاباته أدبيات العلم، فيقدم الكل بواقعية رمزية تسهيلًا للمدارك، مُظهرا فكره الطلّاع و كثير محفوظه، فكان الى ذلك، صاحب ميسم خاص في الكتابة، أسلوب مميز متمايز، لا تخطئه العين.

و من لم يكن يقرأ له، كان يشاهده على الشاشة الصغيرة، في برنامج « العلم والإيمان »، الذي قدم منه ٤٠٠ حلقة، و من خلال هذا البرنامج تبلور فكره الصوفي و بَرَز زهده.

 

في حديث صحافي مع إبنته و صديقته الوحيدة ” أمل ” من زواجه الأول، عن والدها الذي كان يحرص علي الفضفضة معها بأشياء كثيرة علي سبيل السرية التي لايعرفها سواهما، و الذي قال لها (ذات مرة سأل شيخاً عن سبب وجود الذباب و الحشرات في المنزل،  فأعطاه هذا الشيخ ورقة،  و طلب من والدي أن يضعها وسط المنزل

 

و قال ” إطمن يا مصطفي مش هتشوف حشرات تاني “، و بعد أن فعل أبي ذلك وجد أن الحشرات كما هي، فعلم أن هذا الشخص و أمثاله جاهلون، فبدأ عدم الثقة في هؤلاء ، وزادت مساحة الشك داخله حتي لم يعد مقتنعاً بأية مٌسلمات، حتي وصل إلي ما وصفوه ب ” الإلحاد “، و ظلّ هكذا حتي نهاية تعليمه الجامعي تقريباً عندما إكتشف الحقيقة كما قال و عاد الي اليقين) .

وتضيف أمل أنه شك في كل شئ إلا وجود خالق، كان بداخله قناعة أن هناك مُنظِماً لهذه الدنيا و لا يمكن لعاقل أن يغيب عن هذه الحقيقة ، و كان الشك حسب قوله  في أشياء مثل من هو الخالق ، و الحساب و البعث ، و مرحلة ما بعد الموت ، و هل الانسان ستنقطع علاقته بالله بعد أن يواري الثري أم لا؟

وهل سيعيش الأحياء جميعاً في عالم آخر بعد هذه الدنيا،  و كيف تكون شكل الحياة بعد الممات …… إلي نهاية هذه الاشياء التي ليس لها حدود.

 

أبحر مصطفي في القراءة في كل الأديان، و عرف ما لا يعرفه أهل تلك الديانات أنفسهم حتي أصبح عالماً بخفايا و عمق تلك الاديان و قال ” إكتشفت أشياءًا لم أكن أتخيلها، و لم أترك شيئاً خاصاً بالقرآن الكريم إلا و إطّلعت عليه، و قرأت لفلاسفة الأديان حتي وصلت الي اليقين النهائي ” .

 

 

ربطت الصداقة د. مصطفي محمود بالموسيقار محمد عبد الوهاب، و كانت لهما جلسات و أحاديث ينزل فيها الكلام علي قضايا كثيرة منها حُرمانية الفن أساس الجدال بينهما، فقد كان مصطفي محمود يري أن الفن مثل أشياء كثيرة يمكن أن يكون حلالاً  إذا قدم أعمالا مفيدة هادفة، و هو نفسه كان يحب الموسيقي و الغناء، و عندما سأله عبد الوهاب في هذا الموضوع،  قال له ” ليس من الطبيعي أن يقابل الفنان ربه بمجموعة  أغانِ”.

و قال له ” يعني هتروح تقوله بلاش تبوسني في عينيا، و لاعب الكرة هيقابل ربنا يقوله أنا جايبلك شوية أجوان  لكن يجب أن يلاقي كلا منا الله عزّ و جَل بأعمال أخري تكون في ميزانه عند الحساب “.

***

ودارت الأيام دورتها، تركت مصر المحروسة في هجرتي الأولي، و حطّ بي الرحيل في بيروت، فقيّض لي أن ألتقي الدكتور مصطفي محمود مرات عدة في العاصمة اللبنانية، أثناء مروره بها عائدا من المملكة العربية السعودية، فقد كان يطيب له المكوث أسابيع في بيروت، التي كانت وقتها تغلي وتفور بالثقافة و الفنون و النشر، و كان يحب النزول في فندق “مرحبا” في منطقة “الروشة”، فألتقيه فيه. كان يدير الأحاديث على مواضيع متشعبة، و هو من ألطف الناس خروجًا إلى حديث نوادر، خفيف الظل، هادئ النبرات، لازم الصدق فلم تقع منه هنوات.

أخبرني مرة أن الرئيس أنور السادات، الذي كان من المعجبين بفكره و كتاباته، عَرَض عليه الوزارة، فرفض العرض، و لما إستغرب الرئيس قال:

« يا سيادة الرئيس… أنا فشلت مرتين في إدارة مؤسسة صغيرة، و هي الأسرة، فقد تطّلقت مرتين، فكيف بي أدير وزارة كاملة؟ ».

***

يوم السبت، ٢١ من اكتوبر سنة ٢٠٠٩، أسلم مصطفى محمود الروح، بعد جلطة أقعدته ، و عزلته عن العالم، كان في الثامنة والثمانين من سنيه.

لم يحضر أي مسؤول سياسي أو مشهور في الأدب و الفن و الصحافة و الطب تشييع جثمانه، في جحود عزّ نظيره.

تركوه يمضي إلى الرقدة الأخيرة وحيدا، هو الذي أنار دربهم، و علّمهم، و أعطاهم ما لم يُعطِه أحدا من قبل.

مصطفى محمود، كان الفيلسوف، و المفكر، و الكاتب، و القاصِ، و الزاهد، و المتصوف، و الداعية، و الطبيب الذي أسَر القلوب و إستأثر بها و إستلبها.

لم يكن مصطفى محمود مجرد كاتب، يدبج على الورق مواجيد نفسه و علمه، إنما هو تيار، و منهج، و درب،   و أسلوب حياة.

مصطفى محمود باق على مر الزمان.

 

مودي حكيم

شاهد أيضاً

اوقفوا الادمان .. من البيت اولاً !

ونحن فى انتظار قرار وزارة التربية والتعليم لمنع استخدام الهاتف المحمول فى المدارس ، علينا …