« الكلِام مدوزن، و الصور صادمة، فالصفحة بين يديك تتكلم » شعار مجلة باري ماتش الفرنسية
قول ينقطع فيه الجدل، « الصفحة تتكلم »، لمَ لا، فهي تحيا معنا، الكلام فيها يعرض حالنا و مآلنا، و الرسومات تكشف بهزلها قُبحنا، و تدور على مشاكلنا، فرحنا و حزننا، و تقلبنا في الأيام .
لا شيء يمسك صفحة المجلة عن الكلام، ما تريد قوله، يقوله الناظر إليها، و القارىء لما تحمله من كلام.
منذ أعدادها الأولى، و كانت بعد لم تتمرغ بالألوان، أدرك القيمون على « روز إليوسف »، إن في جهاز التحرير أم في القسم الفني، أن الكلام المرمي على الصفحة و المنتظم في عواميد، مهما علا قدره و مستواه، لن يصل إلى القارىء إذا لم يُصمم حيزه، و هنا الصفحة، باللائق من الشكل الذي يجذب العين ويُريحها، فحَلت للناظر إليها و حلا لها، فيندفع بشغف يسرح مع الشكل المصمم بحرفة، يمرغ عينيه بألوانها ، و… يقرأ.
موهوبون كُثر مروا على صفحات « روز إليوسف »، و لهم في فن التصميم Design و التوضيب Layout، مذاهب و مدارس، وإن بدا عند بعضهم التأثر بما كان في صحف و مجلات الغرب من إبداع في التصميم و التوضيب، فنقله و طورّه و زاد عليه، فهذا من طبيعة الفن و تطوره.
على صفحات « روز إليوسف » بقي فنهم على مرّ الزمان، و بإبداعهم حولوا تلك المجلة، الموغلة في القدم و العراقة، إلى مدرسة في فن التصميم و الإخراج الصحافي. إن حكت صفحاتها… فليس عندها من الكلام سوى عنهم.
***
سبقتني إليه توصية و تكليف من عدلي فهيم، المشرف الفني لمجلة « روز إليوسف »، و قد كنت في بدايات رحلتي مع فن التصميم و الإخراج الصحافي، يده إليمني و مساعدًا له.
وقف رؤوف عيّاد وردي ينتظرني، تمددت إبتسامة على شفتيه، دار بي، بناء على طلب عدلي فهيم، على أقسام المؤسسة المختلفة، بهدوء و بصوت موشى بالود، راح يشرح لي و يتوسع، و ما أن إنتهى طوافنا على الأقسام ، حتى كنت عرفت كيف يدور العمل في تلك المؤسسة العملاقة.
كان رؤوف عيّاد مصممًا فنيًا ، إبتدع إسلوبا تميز به في تكوين شكل الصفحة بعيدًا عن التعقيد. إلا انه مال إلى الرسم فترك الإخراج و التصميم، حمل ريشته و علبة ألوانه، فلمع نجمه في فلك الرسم الكاريكاتوري.
كان رؤوف نّقي النفس، حاضر البديهة إلى ظُرف حلو و ذكاء وقّاد، و حس مرهف. قام بيننا وداد و رفع كُلفة، فتح لي قلبه و باب بيته الذي كان على رمية حجر من مسكني في « مصر الجديدة »، قدمي إلي والدته و شقيقتيه، أصبحت « واحدًا من العيلة »، كما كان يحب أن يقول و يعيد، لينزع عني ترددي و حرجي و إنتحالي الأعذار .
و لم يمض كثير وقت، حتى خرج رؤوف من « بيت العيلة » إلي « بيت الزوجية »، فقد خطفته منّا فتاة أعطاها قلبه و كل حياته.
***
درس رؤوف عيّاد الحقوق، كرمى لوالده، فلم يلبس « روب المحاماة »، و لا وقف أمام قوس محكمة، بل حمل ريشته و دواة حبره الصيني، و أقلام « فلوماستر »، و راح يرسم، ينقل كل ما يراه من بؤس المهمشين و الغلابة، و يقدمه في رسومات، تئن، تصرخ، تحرض، و توجع.
تأثر برجائي ونيس و جورج بهجوري، قّلد خطوطهما، و لكنه زاد عليها من عندياته وأضاف . كان يرى أن الرسمة الكاريكاتورية المؤثرة و الصادقة، تلك التي تبقى من دون تعليق، فالتعليق متروك للرائي لها وحده.
و على الرغم من أنه تظلّل عباءة جاهين و حجازي، ردحًا من الزمن، إلا أنه إبتدع لنفسه أسلوبا مميزا لم يُجاره فيه أحد.
شخصيات رؤوف عيّاد مقهورة، مغلوبة على أمرها ، تعوض عن ضعفها بذكائها، و رفضها لكل ما يستحق أن يُرفض، في السياسة و الحياة، و تنحصر طموحاتها في الستر و المتع البسيطة، لها ملامحنا، فهي تشبهنا، و تعيش، كما نحن، الظروف الحياتية نفسها.
و رؤوف عيّاد، المتواضع المتضع القلب، المرهف الحس، هو أيضا ، الرافض، المتمرد، المنتفض، الثائر، الحزين لما آلت إليه البلاد، و في ذلك إقترب من إليسار كايديولوجية، غمس فيها ريشته و رسم.
ترك في جريدة « الأهإلي » الأسبوعية بعض فنه الباقي على مر الزمان.
***
رؤوف عياد

جرح رؤوف عيّاد النازف، كان تنكُر مصر له!
فهو ولد من أب مصري، قاده قَدَره للعمل في وفد الحكومة المصرية في الخرطوم.
وكان أن وُلد رؤوف في العاصمة السودانية، و عاد مع ذويه إلى مصر لما أُحيل والده إلى التقاعد سنة ١٩٦٠.
لم يشفع لرؤوف أن والده مصري أبا عن جد، و مُقيم و يعمل بعد تقاعده في مصر، ولم يؤخذ بعين الإعتبار أنه متزوج من مصرية، و أنه أُعفي من الخدمة العسكرية و التجنيد الإجباري لكونه وحيد والديه، و لم يأبهوا كونه عمل في « روز إليوسف »، أعرق المؤسسات الصحافية في البلاد، و أنه عضو في نقابتي الصحافة والرسامين التشكيليين… فسُحبت منه هويته المصرية لما تقدم بطلب للحصول على جواز سفر.
سنة ٢٠٠٤ حمل ملفه الى القضاء، وعلى الرغم من الأوراق الثبوتية التي تدل دلالة واضحة على أصله المصري، رفضت المحكمة طلب إثبات هويته المصرية!
ولم يرض رؤوف بالضيم، طعن بالحكم، فتأرجح ملف القضية بين غرف المحكمة الإدارية العليا، و تأجل النظر بدعوى الطعن مرارا، حتى إصفرّت أوراق الملف.
لم يمهله إعتلال كبده، فأسلم الروح. كان في السابعة والستين من سنيه.
بعد مرور ١٣ سنةً على وفاته، صدر حكم المحكمة الإدارية العليا بتثبيت جنسيته المصرية !
دُلِيَ رؤوف في قبره مغموط الحق من كل جانب، جرحه الذي كان يؤلمه، أن مصر التي أحب أنكرته.
***
« الأسطى » عدلي فهيم، فنّان، لا ترى العين أبهى من إبداعه، إن في الرسم التشكيلي الذي درسه و علّمه في المدارس زمنًا، أو في التصميم الفني للصحف و المجلات، و أسلوبه في الإخراج الفني صار يُدرّس في كليات الإعلام.
عاند رغبة ذويه في دراسة الكهنوت، و السياسة « قمصا». لم تكن دعوته الكنيسة، إنما أن يغمر نفوس الناس بحب الإبداع و الجمال. بقي الله يسكن قلبه كل حياته، و كان يجده في حدبه و عطفه على الآخرين.
بقي عازبا، راهبا في محراب الفن.
ترك « المنيا » إلى القاهرة، دخل كلية الفنون الجميلة، درس، تخرج، و بدأ مشواره الطويل مع الفن و الإبداع .
دار به الزمان دورته من « النداء » إلى « صوت الامة » ليستقر به المقام في « روز إليوسف »، و على مدى أربعين سنة ألبسها حُللها القشيبة حتى توّجته مستشارًا فنيًا لها.
***

مشاهد من فيلم “الحساب يا مدموازيل”
قرّبني منه، دلّني على الطريق و مشى إلى جانبي، يُعلمني، ينصحني و يُصحح أخطائي، و أصبحنا رفقة عمل و رفقة درب، أصطحبه إلى كافيتيريا فندق هيلتون، حيث كان يُجالس المُبدعين في الفن و نجوم لمعوا في فلك الفن السابع. تنزل السياسة و شؤون الثقافة و الفن على الكلام و يحلو السهر.
أبهى ما في طريقة عدلي فهيم في الحديث، إنه يُجيد الإصغاء، كما يجيد الحديث بين النغمة الرصينة و الإشارة المُستملحة، تُسعفه في ذلك ثقافته الواسعة.
وحدث أن « الأسطى » عدلي إستوحى من أجواء كافيتيريا الفندق، المتعودة على السهر، رواية « الحساب يا مدموازيل » التي كانت رسما بالكلام عن حياة الليل في تلك الكافتيريا.
إستهوت الرواية أنور الشناوي، فحولها إلى شريط سينمائي، أدى الشخصيات فيه نيللي و عماد حمدي، صلاح السعدني، توفيق الدقن، يوسف فخر الدين، لبلبة، جمال إسماعيل، فاروق الفيشاوي، أسامة عباس وسميّة الألفي. كما كتب سهرة تليفزيونية من إخراج فهمي عبد الحميد تحت اسم ” مولد نجمة ” من بطولة ليندا، زوزو نبيل و أحمد راتب. كتب العديد من القصص و الروايات منها رواية ” أرملة في ثياب بيضاء ” ، و كتب خواطره الإنسانية في ” لحظة صدق “، و له ” أاوراق أب ” قدم فيه دروسه في الحياة للأبناء رغم أنه أعزب لم يتزوج، كما كتب سيرة أستاذه حسين بيكار.
***

جمال حمدي
ولع عدلي فهيم بمجلة « روز إليوسف » لا حدّ له، لم يفارقها، منذ أن كانت في شارع محمد سعيد، المتفرع من شارع القصر العيني، الذي غيروا إسمه الى شارع حسين حجازي. و بعد هدم المقر القديم، و قيام مبنى سكني مكانه، إختار عدلي فهيم شقة في المبنى مواجهة لشقة نرمين القويسني، مديرة مكتب إحسان عبد القدوس، و سكرتيرته الخاصة، الحانية بلطفها و دماثة أخلاقها، على العاملين في « روز إليوسف ».
كان زوج نرمين القويسني ، الزميل جمال حمدي، مراسلا عسكريا في المجلة، غطى حرب إليمن، و أجاد.
وسبق له أن شارك في النضال الوطني ضد الملكية والإنجليز، و ُعتقل بتهمة العيب في الذات الملكية وعمره 13 عاماً، خريج قسم الصحافة، و بطل الجامعة في الملاكمة في الوزن الثقيل ..مثّل في عدة أفلام سينمائية و أخرج عدّة أفلام تسجيلية .
ذهب حمدي إلي اليمن بترشيح من إحسان عبد القدوس لمتابعة دور القوات العسكرية المصرية لتحرير اليمن ، فدخل إلي عدن ببطاقة صحفية بدون صورة للصحفي السوداني ” محمد الميرغني “، لكن سلطات الإحتلال كشفت أمره فأعادته إلي صنعاء، حسب رواية الزميل الكاتب يوسف الشريف في كتابه ” اليمن و أهل اليمن ” . قام جمال حمدي بمهمة إدخال سلاح و ذخيرة و عتاد تبلغ حمولتها 50 طناً إلي منطقة ” ردفان ” جنوب اليمن لإمداد الثوار بها حسب الخطة التي وضعها ضابط المخابرات “فخري عامر ” الذي نصحه بإطلاق لحيته و إتقان اللهجة إليمنية، و هكذا فعل حمدي و بقي علي هذا الحال شهراً خضع فيها لإختبارات أمنية و نفسية . و إنطلقت القافلة في 4 يونيو 1964 قوامها مائة جمل محملة بالأسلحة و الذخيرة و فيها 300 يمني يقودهم حمدي مرتدياً العمامة و الفوطة ” الكشيدة “و هو الزي الشعبي لجنوب إليمن . إستغرقت الرحلة 18 يوماً و إستقبله الأهإلي بالأحضان و الهتافات بحياته محمولاً علي الأعناق.
و حين عاد إلي القاهرة نشر سلسلة من التحقيقات حول ما فعله علي صفحات روز اليوسف صاحبتها رسوم تعبيرية للفنان مأمون .
في نهاية رحلته الصحافية، تولي حمدي إدارة مكتب “روز اليوسف” في مدينة الإسكندرية. كان جمال حمدي شخصية عذبة إستمتعت بصداقتها عبر سنوات عمره ، شخصية طموحة و مغامرة ، طيب القلب، محبا كريما، مضيافا لكل زملائه و مرشداً سياحياً لهم عند حضور أحدهم إلي الاسكندرية، و ما أجمل السهرات المغمورة بعطر صحبته التي قضيناها معا في مقاهي و دروب الإسكندرية.
نرمين و جمال، لا مقايسة عندي بينهما، فقد كانا مثال الود، و العطاء، و التفاني، و تحريك أمل أو تهوين بلوى، أو إستنهاض عزم.
***
مدرسة عدلي فهيم في الإخراج الصحافي ترتكز على قاعدة واحدة: البساطة و رفض التعقيد. فعلى قدر تبسيط المُصمم للشكل، على قدر ما ترتاح العين، في إنسياب بصري يمكنّها من إستيعاب الإبداع الفني و التفاعل معه.
و شرط الإبداع الفني عند عدلي فهيم هو المحافظة على وحدة الأسلوب، و تأاكيد التنوع من صفحة إلى صفحة، فالمجلة او Magazine باللاتينية، تعني « المخزن »، الذي يحتوي على أنواع السلع شتى، كذلك المجلة تحتوي بين غلافيها الأمامي و الخلفي على تنوع في المواضيع و التحقيقات و الريبورتاجات: من السياسة، إلى الثقافة، إلى الفن وأخبار نجومه، و الرياضة …
و المصمم، في مدرسة عدلي فهيم، عليه أن يقرأ النصوص، فيقدر حجم كل مادة، و ما تحتاجه من مساحة على الصفحات، ليبدأ بعدها باختيار العناصر التيبوغرافية ( أحرف النص و أحرف العناوين و شكلها)…ثم الصور و الرسومات و أماكنها في حيز الصفحة.
تتلمذ على يد عدلي فهيم جيل من المصممين الذين برزوا ، بينهم زهير العابدي، و طه حسين، اللذان تناوبا الإشراف الفني للمجلة .
إن الذين سلكوا سبيل فن الإخراج الصحافي، و خرجوا من الدنيا، فكأنهم مضوا ليفسحوا لغيرهم المواضع و النهج و مدارس الإبداع. الأسطى عدلي فهيم كان واحدًا من هؤلاء.
***
مودي حكيم
مجلة 24 ساعة