الرئيسية / صحافة ورأي / عمار يا ” مصر”

عمار يا ” مصر”

   تأملت الفيديو لبضع دقائق، و مع اني كنت وحدي ، الا انني تقريبا ” كلمت نفسي ” ، رحت اردد :”عمار يا مصر” .. فيديو لدقائق ، عرضه موقع جريدة خليجية شهيرة .. سيارة واحدة من الجمعيات الخيرية  ” الرسمية “في هذا البلد الغني ، جاءت لتوزع “الف سلة” محملة بالمواد الغذائية ، و الرقم الف حدده فيلم الفيديو ، تكالب و تدافع من اطلق عليه الفيلم ” المقيمون ” ، فتدخلت القوات الخاصة ، ثم تقرر الا توزع الالف سلة غذائية و ان يتم تأجيل الامر ، و في النهاية طرح الفيديو سؤالا : تدافع ” المقيمين ” انعدام ثقافة او انعدام دخل ؟!.. “..شاهدت الفيلم مرتين لأتأكد مما وصلني ..  استوقفني رقم “الالف سلة ” ، ثم فكرة” تأجيل “التوزيع لتدافع ” المقيمين” ، و أخيرا السؤال الفلسفي ” المتقعر” ، الذي يبحث عن “تفسير” تدافع اناس في شدة العوز والاحتياج … قلت : السلال الالف ، يوزعها عشرة او عشرين نفر في بلادي ،  من الناس العاديين يجمعون جنيهاتها من دخولهم المحدودة ..  ،  و يوزعون ” فضل الله ” في الشوارع و ربما يذهبون به  الي بيوت “اصحاب النصيب” ،  قفز الي ذهني  صورة أرملة بعينها ،  تعمل كمعاونة منزل ، اعرفها منذ ربع قرن ، ليس لها مصدرا للرزق سوي ما تتقاضاه نظير عملها ، و تعول الي جانب اسرتها ، أباها الشيخ وحفيدتها التي رحلت امها ، و قد نما الي علمي منذ فترة ، انها و جاراتها ،  وأغلبهن يمتهن نفس العمل ، يقمن من حين الي أخر ، بعمل كام ” شنطة ” فيها علبة صلصة و كيلو مكرونة و كيلو ارز و زجاجة زيت و باكو شاي ، و ان هذه الشنط يتم توزيعها ، علي بيوت  في منطقتهم ، تراها هذه السيدة و جاراتها  ، بيوتا “اكثر احتياجا ” (منهن)    ، اما لبطالة او عجز او كليهما ..  في الشهور الاخيرة ومع محنة الوباء ، ظهرت جمعيات وأفراد ، يحاولون الاسهام و يتطور إسهامهم وفق الحالة .. بعضهم يعد وجبات بلا مقابل تذهب الي بيوت معزولين كبار السن ، ويتبرع له الناس ، و بعضهم اطباء شباب شكلوا شبكات صغيرة لمعاونة مصابين بالتليفون  ، و هناك جمعيات اهلية ولدت في “قلب المحنة “، او لنقل انها فرق انسانية ، لم تأخذ حتي الشكل الرسمي المؤسسي ، و لكنها تقوم بالدور ..  علي مستواي الشخصي يمكن ان احكي عن اصدقاء لأبنائي ، لم اعرفهم و لا التقيت بهم ، ولكن  عرفوا اني وحدي في البيت ، علي راي عفاف راضي ، في غ ” عمري الشاب!” فحصلوا علي رقم تليفوني من ابني او ابنتي و لم تتوقف ليس اتصالاتهم و لكن أفاجئ بمن يرسل مطهرات او كمامات .. حتي كحك العيد .. يتركون رسائلهم العينية مع الحارس مع بضع كلمات ، و يذهبون ..  فين ممكن تشوف ده  الا في مصر .. ؟  انني احكي واقعا ادركه جيدا، و لا اسعي من خلاله لاي مقارنة ، لكن ” الامور نسبية “،و ما يعنيني هنا هو “الجوهر الانساني ” المصري الكامن في دواخل مصرية، جوهر  مازال حيا .. يقاوم ،  . لا انفي انه في الحقب الاخيرة ، جرت “تغيرات “و تحولا ت ، واننا صرنا طوال الوقت نحكي و نضرب الأمثلة ، بل ان معان كثيرة صارت موضعا للتشكك و ربما السخرية ، وجلد الذات .. لكن هناك تكاتفا و تكافلا و شبكات اجتماعية ، هناك تآزرا ضمنيا ، صامتا ، مازال مستمرا،  قد ينحسر او يتمدد لكن علينا ان نقبض علي “جذوته ” والا نجعله يفلت .. مصر عامرة و عمار ، رغم نتوءات و رغم الانهاك  ، و رغم الحصار و رغم ” الريم ” السابح علي السطح  الاجتماعي .. عندما تجاسر البعض و عاير و توقح ، رد عليه “العايشين ” في مصر منذ سنوات ، و الذين لم يشعروا للحظة ، لا بالغربة و لا بانهم لاجئين .. بل تكلموا باعتبارهم جزء من مصر المعطاءة دون ” من” ، الرحبة مهما كان ما تعانيه من ضيق ، و كأنما أوجدها الله لتكون رمزا للعمار و الانسانية … لا احب  فكرة الاستئثار ، و لا اننا “احسن ناس ، لكن ذلك لا يمكن الوعي بما فينا سلبا او ايجابا .. حقق الاستاذ الدكتور علي محمد عمر كتابا عنوانه “فضائل مصر و أخبارها و خواصها” لابن ذولاق”، المولود في الفسطاط في القرن الرابع الهجري ،و هو من ائمة العلماء ، الذي خص تاريخ مصر ببحثه ، و لا اريد ان اشغل القارئ و لا ان أثقله بكثير من التفاصيل عن علمه ومنهجه ، لكن ابن ذولاق ، وباختصار، شيخ مؤرخي مصر في العصور الوسطي ، و له كتابات  اعتمدت عليها مدرسة التاريخ المصري ..يستهل  ابن ذولاق مخطوطه ، بان مصر ذكرها الله في ثمانية وعشرين موضعا في القرآن الكريم و عدد ما  ذكره الرسول ( ص) عنها و اخره قوله عن “اهل مصر “، :” أهل مصر ،  فإن لهم ذمة ورحما او صَهرا ورحما ، فأما رحمهم ، فهاجر ام اسماعيل بن ابراهيم عليه السلام منهم ، و اما ذمتهم فأم ابراهيم ابن رسول الله (ص)منهم . ..اهل مصر اكرم الأعاجم كلها ، و اسمحهم يدا و أفضلهم عنصرا و أقربهم رحمة بالعرب عامة .. 

ماجدة الجندي
 

شاهد أيضاً

زينب السجيني جعلت من الأمومة أسطورة تشكيلية

خلال مسيرتها الحافلة، نجحت زينب السجيني في تثبيت مجموعة من العلامات الدالة على طبيعة عالمها، …