الرئيسية / كلمة العدد / صباح …حبي أنا.

صباح …حبي أنا.

رب صدفة خير من ألف ميعاد. من منا لم يقرأ أو يسمع هذه المقولة غير مرة؟

القصاصون والرواة تلاعبوا بها ونسجوا حولها قصص حب، فجمعوا بالمصادفة بين قلبين.

أو ليس بالمصادفة أيضًا تم إكتشاف العقاقير وإنجاز الإختراعات التي غيرت وجه العالم؟

أنا واحد ممن غيرت المصادفة حياته….. 

    فالصدفة أتاحت لي أن أكون مشرفًا فنيًا لمجلة صباح الخير بعد أقل من عام من تخرجي من كلية الفنـون الجميلة، و منذ تعييني بدار روزاليوسف وعملي كمساعد للفنان عدلي فهيم المشرف الفني لروزا، فقد لجأت جريدة الثورة العراقية إلي إستقدام صحافيين متخصصين في الإخراج الصحافي من دار روزاليوسف، فوضع السيد عزت أول “ماكيت” في الصحافة العراقية في جريدة الثورة العربية، و عمل الزميل علي منير لوضع” ماكيت ” لمجلة ” ألف باء “. 

والغريب أن خلال اغترابي الثاني للندن، شاركت في إصدار الطبعة الدولية من جريدة الثورة العراقية  (ولها حكاية سأرويها  في مرحلة الاغتراب الثاني).    

خَلا منصب المشرف الفني للصبوحة بسفر السيد عزت، وأتاحت لي الصدفة أن أتقلد المنصب بناءً علي ترشيح من الفنان جمال كامل لرئيس التحرير فتحي غانم ، وتحت توجيهات الفنان هبة عنايت العائد من الصين بعد أن أمضي خمس سنوات مع زوجته الفنانة تماضر تركي في الدراسة والحصول علي درجة الماجستير ، وهو إعتبر أن الصين وطنه الثاني، مساهماً في تعزيز العلاقات الصينية-المصرية ، وأنتدب هبة بعد أسابيع قليلة للعمـل في وزارة الثقافة، مديرًا علي مديرية الثقافة في أسيوط.

كان معظـم العاملين قراءة المادة الصحافية المكتوبة كانت إهتمامي الأول لإختيار الشكل المناسب لعرضها، في وقت في مجال التصميم و الإخراج للصحف والمجلات يعتمدون علي عنوان المقال وإسم الكاتب لوضع الشكل الذي يروه مناسباً من دون النظر لمضمون المحتوي وأهمية إختيار البناء و التصميم المناسبين في بناء الصفحة المطبوعة بحيث تخدم الجوانب التشكيلية جهد الكاتب و ابداعه و ابرازه بالشكل الذي يجذب المتلقي لقراءته.

 و أن المجال، تشكلت عندي بالممارسة والمعاينة قناعة بأن المخرج المصمم لابد أن يتابع كل ماهو جديد في هذا

يكون علي علم بأحدث المدارس الفنية في الإخراج الصحافي علي المستوي المحلي والعالمي.

 كانت جميع الصحف والمجلات التي تصدر في العالم بجميع اللغات تباع عند بائعي الصحف وهي أحد مصادرى

للإطلاع علي كل جديد . .

إحداها كانت ومازالت لليوم تصدر من كندا تحت عنوان McLEANS مديرها الفني في حينه و تراسلنا، فإستفدت منه كثيرا موجها نظرى الي أهميةDesmond English تواصلت و  إستخدام الفراغ وتسخير المساحات البيضاء لإراحة العين في تصميم الصفحات كأحد عناصر بناء العمل الفني بهدف تحقيق قيم تصميمية ذات صفات جمالية خاصة.

     حرصت علي الإهتمام بالعناصر التيبوغرافية وخاصة بالحرف كعنصر أساسي،  وأشكالها المستخدمة والمساحة التي يشغلها عنوان الموضوع والأرضيات المختلفة،  فساعدت بشكل أو بآخر علي إبراز ما يحتويه المضمون ، و إستعنت بإثنين من المساعدين: مجدي من خريجي مدرسة الخطوط العربية ومحمد العتر بنهائي كلية الهندسة وهو مهتم بالجرافيك وتصميم المطبوعات وقد إتخذها مهنة له بعد تخرجه، و الإثنان ساهما في تنفيذ تصميماتي من الخطوط الحديثة وتطويع الخط العربي لتقديم شكل مميز لكل صفحة. وساعدني كثيراً في تحقيق هذا الصديقان الزميلان رؤوف توفيق سكرتير التحرير ولويس جريس مدير التحرير بقبول إختصار العناوين  لتسهيل مهمتي.

وكنت أتجاوز كثيراً برغبتي في أن يكون العنوان من كلمتين فقط أو إضافة عناوين فرعية اذا كانت المساحة والموضوع يسمحان بهذا، مستغلًا نجاح وقبول تصميماتي وتحفيز أستاذي بالمراسلة في كندا ديزموند إنجليش بتأكيد أهمية المصمم الفني ودوره الذي لايقل عن دور رئيس التحرير.

     أثار تصميم صفحات مجلة صباح الخير إعجاب أحمد بهاء الدين رئيس مجلس الإدارة الذي شبه تصميمات  العدد الأسبوعي ” بالرغيف الساخن الخارج من الفرن”.

تولي ، المصرية فبعد أن ترك إحسان عبد القدوس روزاليوسف، وفي هذه الفترة من التقلبات التي شهدتها الصحافة 

أحمد فؤاد رئيس بنك مصر رئاسة مجلس الإدارة ، ولم يبق طويلاً. فتم إنتداب أحمد بهاء الدين لرئاسة المؤسسة الي جانب رئاسته لمجلس إدارة دار الهلال. 

   المحبة وجدت نفسي وسط هذه الأجواء المتقلبة محاطاً بثلاث فرسان من أساطين الصحافة أعمل معهم في جو من والعطاء ويحتضنوني كزميل وصديق رغم فارق السن ومؤمنين بموهبتي..

أحمد بهاء الدين وفتحي غانم وكلاهما من خريجي كلية الحقوق، وعملا معاً في وزارة المعارف بعد تخرجهما في منصب” مفتش “،  وحسن فؤاد العائد من المعتقل السياسي بالوادي الجديد بعد غيبة خمس سنوات.

     لي  بهاء الذي يأتي مبكراً صباح كل يوم ، و أجتهد في الوصول قبله لأكون في صحبته للإستماع لما يرويه

ببساطة وصدق، فكل شئ بدأ في حياته مبكرًا بعد أن ماتت عنه أمه و هي في الثلاثين من سنيها، فعرف اليتم باكرا إذ كان لم يتجاوز العاشرة من عمره، وحصل علي ليسانس الحقوق في سن التاسعة عشرة ، وكان أصغر من أن يعمل بالمحاماة ، و يحكي عن مشوار حياته المهني المبكر في بلاط صاحبة الجلالة قبل أن يتجاوز العشرين من عمره في مجلة ” الفصول “، وقبل أن يبلغ الرابعة والعشرين من العمر، قرر أن يصدر أول كتبه علي نفقته الخاصة

” الإستعمار الأمريكي الجديد “. وعين رئيساً لتحرير مجلة صباح الخير في في سن 29 عاماً.

حكي لي بهاء أن حضوره المبكر للعمل أتاح له فرصة التمكن من إجادة اللغة الانجليزية بمجهود فردي خلال ثلاث

سنوات قضاها كل صباح في ممارسة اللغة والتدريب عليها مثابراً علي إجادتها حتي تتيح له الإطلاع علي كل جديد

في عالم المعرفة.

    صحافي، إستمتعت بالعمل مع النبيل فتحي غانم بحكمته وعمق الرؤية عنده وحسه الإنساني الرفيع ، أديب بدرجة و هو أول من إستخدم السرد القصصي في نقل الخبر ووضع الفرضية والبحث في التحقيق فيوصل مالديه من معلومات الي القارئ،  لتفاجأ إنك تقرأ رواية صحفية أو خبر محكي ، كان أعجوبة من أعاجيب العمل الصحافي 

يخلط الرواية بالصحافة والصحافة بالرواية ، فيكتب الرواية وكأنه يحقق ويكتب القصة الصحافية وكأنه يروي رواية.

      كان لقائي مع حسن فؤاد بعد خروجه من المعتقل ، وبأبوة ومحبة خالصة بارك وجودي في منصب المشرف الفني لأكمل الإطار الذي كان قد رسمه وتفوقت به صباح الخير علي أكثر المجلات التي سبقتها وفرضت علي

غيرها التجديد رغم صدورها بإمكانيات طباعية متواضعة، ففي سن الثلاثين إشترك مع أحمد بهاء الدين في إصدار مجلة صباح الخير بوضع سياستها الفنية البصرية، حسن فؤاد الواقعي في حياته ببساطة وفطرية ورقته وحنان الأب لتلاميذه، والذي رأي فيه أستاذنا الفنان عبد السلام الشريف طاقة متجددة لاتنطفئ جذوتها بل تزداد تألقاً وبهاءا،

فأخذ بيده الي دنيا الإخراج الصحافي فبرع فيها، فرح بي لأني أكمل دوره و إيماني معه بأن شكل المطبوعة رسالة لها قيمتها الهامة وتأثيرها الخاص بلغة البصر مع الإنطباع الأول للعين قبل أن يقرأ النص المكتوب، فقط كان تحفظه علي عملي ونصيحته  بإتخاذ الحذر من الإفراط في تقديم تصميمات جديدة كل عدد حتي لاينضب الوعاء. 

والحمد لله، كانت هبة من السماء أن تستمر تصميماتي دائماً جديدة دون أن ينضب الوعاء.

   وللحب الصحافي قصص أخري.

                                                                                                                                        مودي حكيم                         

شاهد أيضاً

فنانون ضمير عصرهم«17»
ونحن في مرحلة إعادة البناء!

رغم كل ما كتب عن مسلسلات رمضان التليفزيونية الواحد والعشرين أو أكثر، من آراء وتعليقات …