“يا فتاح يا عليم…”
مَدَّ سي عبدالغفار أفندي صوته متأففاً, ضرب كفاً بكف, طَوى ظهره وهو يحمل صناديق الكرتون, و يبعدها جانباً ليتمكن من الوصول الى طاولة مكتبه, المتخمة بالإضبارات, و الملفات الحبلى بالفواتير و الأرقام.
إنشق فم علاء توكل عن ربع إبتسامة, رماه بعينين ممتعضتين, تَنَهَّدَ وَ زَفَرَ, كأنه يلعن, و أظهر أنه لم يسمع شيئاً, و أكمل فتح الصناديق, و تناول الكتب منها, فكانت فاطمة, تطعمها لمظاريف كبيرة, عليها أسماء الصحافيين المسؤولين عن الصفحات الثقافية في الجرائد اليومية و المجلات الشهرية و الفصلية.
كانت الصحافة اللبنانية, وقتذاك, في أوج تألقها, و الصفحات الثقافية فيها ممتلئة بما يَشِعُّ, تغلي و تَفورُ أخباراً, و مساجلات يرتفع ضجيحها, و نقاشات فكرية محتدمة, تعّمق المعرفة, و تشي بالحرية التي كان لبنان يرفل بها, و إصدرات تُغَرْبَلُ على غِربال النقد و مِنْخَلِهِ, و لمقالات النقاد, إذ ذاك, سطوة و دوي و صدى, فصرير أقلامهم مرهوب الجانب.
و كان لنا, إسلام شلبي و أنا, في غير جريدة ومجلة, أسوة حسنة من النقاد, فكتبوا أحرفاً ممشوقة في طلاقة التعبير, و كان الرأي عند جلّة أهل النقد, إطراء, لما قمنا به و إعجاب عميم بما حققناه.
لم يكن سي عبدالغفار أفندي يمتعض وحده من تلك الصناديق, التي ضاق المكتب بها, على أننا كنا نخفي تضايقنا, و لم نجهر به, فبعض تلك الصناديق, جهزها علاء توكل للشحن الى الموزعين في عدد من دول الخليج, و تنتظر شركات الشحن التي تعاقد توكل معها. أما كميات لبنان, فقد إنتشرت في المكتبات الكبرى في بيروت و ضواحيها.
***
سالت أشعة الشمس علي حيطان غرفة المكتب, قمت الى النافذة, النافذة علاقتي الوحيد بالعالم الذي تتهالك به السرعة. سَرَحَ نظري, مرَّ في مخيلتي شريط صور متلاطمة, متدافعة. إسترخيت على الكرسي, أرسلت عيني نحو كتاب “عودة الوعي”, المحشور بين الأوراق المبعثرة على الطاولة. صَهْلَلَ الصوت في داخلي: لماذا لمّا تزل مبهوراً بتلك الكتب, في بيروت أمر عادي أن تخرج كتب على هذا الرونق و المستوى من مطابعها, التي تتدفق من آلاتها 7500 كتاب سنوياً.
خواطر, مثل البرق, برقت في رأسي, أرسلت يدي اليمنى نحو المنفضة تبحث عن الغليون, الذي إنطفأ ناره, و بردت جوزته, فأولعته. عاد الصوت في داخل, يلح, فصحت معه: ماذا تراه ينتظرنا, إسلام شلبي و أنا, في القاهرة التي قررنا السفر إليها حاملين نتاجنا الجديد, ثم أنه لا بد أن يقارنوا بين ما نحمله إليهم, و ما عندهم, بين إنتاجنا في بيروت, و ما أنتجوه في القاهرة… و تلك مقارنة لها ردود فعل, نعرفها و نتنبأ بها.
الغليون ثقيل على أسناني, لا أعرف كم مضى عليه و هو في فمي, أعضه, و أعبّ من تبغه.
تنحنحَ, بقيت ساهياً, تَكَوَّرَ شيء من الإستغراب في عينيه, نادى عليَّ, أعادني صوت إسلام شلبي الى صوابي.
“عاوزين نراجع أوراقنا قبل سفرنا”.
قال, و مشى الى غرفة مكتبه.
تاهت يدي على الطاولة, تفتش بين الأوراق المتراكمة و المبعثرة, و أقلام التلوين, عن دفتر الملاحظات الصغير, الذي ما كان يفارقني. وجدته, أفرجت عنه من حبس الأوراق التي طوقته, و… خرجت.
***
إنطلقت عينا إسلام شلبي, تعبثان في الأوراق أمامه. صرفنا ثلاثين يوماً في البحث, والنقاش, و المراجعة, و التدقيق, و الأخذ و الرد, و المقارنة, و الجمع, و الطرح, و الوقوف عند كل فكرة, نشبعها تبحراً, و تأملا, و تفسيراً… حتى تجمعت تلك الأوراق التي أخذ إسلام يفّرها و يقرأها, و كتب على أول ورقة: “مشروع مطبعة للهيئة في بيروت” و سطر آخر: “دراسة جدوى”.
لم تكن فكرة المطبعة تلك, بنت ساعتها, أو نزوة عابرة, إنما كانت لها أسبابها و مراميها, و كان الهمُّ الكبير و الأساسي هو كيفية تخفيض تكاليف إنجاز كتب “الهيئة “: تجهيزات “أوفست”, من التصوير, و فرز الألوان, و المونتاج, ثم تكاليف الطباعة, التي يمكن, بحسب الخطة التي وضعناها و إحتسبها سي عبد الغفار بالقرش و الليرة, تغطيتها من ما قد تجنيه المطبعة من دورانها على الأشغال التجارية.
و لم نكتف بالطباعة و تكاليفها, بل عرّجنا على مسألة تخفيض كلفة الشحن. فمع تزايد أسعار “الشحن الجوي”, أخذت دور النشر الكبرى و شركات التوزيع تعتمد “الشحن البري”, و مع تزايد عدد عدد شركات الشحن, قامت المنافسة بينها, فإنعكس ذلك على الاسعار, فتدنّت كثيراً مقارنة بسعر الشحن الجوي. و إحتسب علاء توكل كلفة شحن كتب” الهيئة” بالشحن البري (من لبنان, عبر سوريا الى المملكة الأردنية الهاشمية, و منها الى الخليج المتصالح) مقارنا بين كلفتها في الشحن الجوي, فوجد البون شاسعاً بين الإثنين, الأمر الذي جعل إسلام شلبي يضيف الى دراسة جدوى المطبعة مسألة الشحن البري.
شلح إسلام شلبي على وجهه نظرة مشحونة بالرضا و الإعتزاز, لملم الأوراق, رتبها في ملف, أدركت و أنا أسمع و أناقش مقاطع الدراسة, أننا كما نجحنا في أولى إصداراتنا, نجحنا في وضع ما قد يفيد “الهيئة” على المدى الطويل, و ما ننتظره أن يتحول ذلك النجاح الى يقين.
تجمدت أصابع إسلام شلبي على قبضة القلم, فاجأني بالسؤال:
“ما رأيك؟”
قبل أن أفرج عن الكلام من بين شفتي, أكمل:
“تراهم سيوافقون, أم سنجد من يقف عثرة أمام تحقيق المشروع؟”
و لم ينتظر أن أجيب, علّق سيجارة بين شفتيه, أولعها, عبّ نفساً عميقاً, قال و الدخان يخرج مع كلماته من فمه:
“إن وافقوا, كان بها, و إن إنشق رأيهم حولها, و كان من عارض, فأنا ماضٍ في المشروع من دون الهيئة؟”.
توقف عن الكلام, شعرت أنه ينتظر أن يقرأ في تقاطيع وجهي إنطباعاً حول ما قال, دارت في رأسي الأفكار, حاولت أن أعثر على واحدة تفيد الموقف, بقيت ساكتاً, فسرح نظره في سقف الغرفة.
نقرت على الباب نقرات خفيفة, دخلت فاطمة, ردت بأصابعها خصلة من شعرها الخروبي اللون المنسدل على كتفيها, برق في عينيها العسليتين سحر غريب… بعدما طلبت جوازي سفرنا لحجز بطاقات السفر, قالت بغنج, و رمت علينا ابتسامة فتانة:
“خطوبتي بعد أسبوعين…”
إلتقته في المصعد, فهو يعمل في “دار الشروق” في المبنى ذاته, و تكرر اللقاء, و كان كلام, و مواعيد في فترة الظهر, و كان الحب, و التفاهم على الزواج.
طار إسلام شبلي بزهوه, إنتفض من وراء الطاولة:
“ألف مبروك… الآن عرفنا أين كنت تذهبين ساعة الغداء كل يوم…”
ضحكتُ ضحكة عامرة, مليئة بالغبطة, قبّلتها في جبينها:
“بنوتة المكتب صارت عروسة… “.
***
إرتخيت على المقعد قرب النافذة, سِحْتُ مع الغيوم التي يتلاعب فيها الهواء, و ينثرها في الفضاء الوسيع, فترتطم بالطائرة, التي تحلق, سابحة بين تلك الغيوم.
و مع أن المسافة بين مطار بيروت و مطار القاهرة قصيرة بحسابات الطيران, إلا أنني خلتها دهراً. طاب لي الإستسلام للأفكار التي إحتوتني, غمرني الشوق لرؤية “المحروسة”, و إشتعل بي توهجاً لشوارعها و أزقتها و حواريها, لعجقة ناسها المهرولين وراء “لقمة العيش”, و لمشاهدة “الباصات” المتخمة بالركاب, و”زمامير” سيارات الأجرة التي تتزاحم لإصطياد راكب, و صفارة الشرطي الواقف تحت صنين الشمس, ينظم زحمة السير, و يضبط إيقاعه الرتيب, و زعيق الباعة الجوالين الذين ينادون على بضاعتهم, و ترنيمة الأجراس, و دعاء الآذان.
و تنزل الطائرة من علٍ, تكرج على المدرج, تتباطأ ثم تَهْمُدُ, من خاصرتها يفتح باب, يتمدد قبالته سلم. تَطِلُّ, تنزل درجات السلم, الشمس التي خانت الغيوم, محمرة العين, حارقة, تلفحك نسمة ساخنة, تدغدغ وجنتيك, تستيقظ حواسك, تسلِّم نفسك, و ترخي رأسك على “المحروسة” التي تحب.
كان الموعد في مقر “الهيئة”, الرابض في “كورنيش نيل” القاهرة, في منطقة “بولاق”, المواجهة لمنطقة “الزمالك”, التي تتأنق فيها عماراتها و شوارعها, على ضفة النهر الأخرى.
لما دخلنا عليه, إسلام شلبي و أنا, إنتصب الدكتور محمود الشنيطي من وراء طاولة مكتبه, مشى إلينا, فرحه كله تجمع في عينيه, و هو يرحب بنا, مهنئاً على ما أنجزناه في بيروت, و كان محط تقدير “الهيئة”.
أشار بيده الى طاولة الإجتماعات الكبيرة, مشى أمامنا, تبعناه, تصّدر الطاولة, جلس إسلام شلبي على يمينه, و جلست أنا قبالة إسلام, على يسار الدكتور.
ما عرفته عنه, سبق تعرفي عليه, و ما عرفته كان مصداقاً لما رأيته عليه, فالرجل من الرعيل النادر الذي يشع إسمه في سماء العلم و الإدارة, شديد الذكاء, ذو ثقافة عميقة إستبحرت في لجج الثقافتين العربية و الغربية, إداري ثقة, باحث طُلعة, هادىء النبرات, عذب الحديث, واضح القول.
دارت فناجين القهوة, و دار الكلام, سأل الدكتور الشنيطي, إستفسر, إستنطق, أجاب و إستجاب, و إهتم بسماع كل ما جئنا نعرضه عليه.
كان الدكتور الشنيطي, طوال الوقت, ينقل نظره بيننا و بين ورقة, و بين الفينة و الفينة, يغرس فيها سن قلمه, و يكتب كلما إسترعاه من قول, أو فكرة, أو ملاحظة, و يتفاعل مع ما كان يسمعه منا, فتتغير ملامح وجهه, يعبس, يقطب, يحك رأسه, تنفرج أساريرة, تتمطى إبتسامة على شفتيه ثم يزمهما, و فنجان القهوة يروح و يجيء بضع دقائق الى فمه.
راح إسلام شلبي يشرح فكرة المطبعة, فكنت أتدخل عند الكلام على التقنيات, أفسرها للدكتور فيهز لها رأسه.
و طالت الجلسة, و طال الكلام و إحلولى. بدا لي الدكتور الشنيطي متفهماً, مدركاً أهمية أن يكون للهيئة مطبعة في بيروت, و لما وضع إسلام شلبي ملف دراسة الجدوى أمامه, فتحه الدكتور بشغف ظاهر, مرَّرَ نظره على الصفحات التي كان يفرها بأصابعه بعجل, طواه, طلب منا العودة إليه بعد يومين, يكون خلالهما قد إطلع بتأنٍ على الدراسة و الفكرة.
شعرت بالإرتياح, شاطرني إسلام الشعور نفسه. رمقني بنظرات تَنْفُذٌ و تَغوصُ في تعليل , و تقليب, و إستنطاق, تغيرت بنرات صوته:
“ما رأيك… هل تراه إقتنع بجدوى و منافع المشروع, و بما شرحناه له؟”.
رميت على وجهه نظرة واثقة:
“لم أفهم من كلامه, و من تصرفاته, سوى أنه مع المشروع, و من الطبيعي أن يطّلع على تفاصيله, و يجمع, و يضرب, و يقسم… فالمسؤولية تحتم عليه ذلك”.
رَبَتُّ على كتفه:
“إطمئن… سيوافق”.
ويبقي السؤال..هل سيوافق الشنيطي علي المشروع؟!!
مودي حكيم
مجلة 24 ساعة