قضية بين التاريخ الثقافي المعاصر وعلم النفس التحليلي

غسل الدماغ في العصر الحديث (شات جي بي تي)
ملخص
قديماً قيل “تكون الشعوب على معتقدات حكامها”، بمعنى أنها تكون ملزمة اتباع معتقدات من يتولى شؤونها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، إما بعامل الإكراه، أو بعامل المطاوعة الذي يعمل على إنفاذه بوسائل غير مباشرة، من مثل القوة القهرية أو صرف النفوذ السياسي المعتمد في البلد المعني. أما اليوم، فقد تغيرت أنماط تحكم السلطات باتجاهات المحكومين الفكرية والسياسية وغيرهما.
في هذا الشأن، عمد الباحث البريطاني دانيال بيك (1960) المؤرخ وعالم النفس، والمعروف بأبحاثه التي يدمج فيها ما بين التاريخ الثقافي المعاصر وبين علم النفس التحليلي، عبر كتابه “غسيل الأدمغة، تاريخ التحكم في العقول”، والصادر في طبعة ثانية عن دار الساقي، بترجمة أسعد المعلوف، إلى مناقشة ظاهرة غسل الأدمغة في زمننا الحديث والمعاصر. والكتاب، كما بدا من القراءة الأولى، ومن المراجع التي استعان بها الكاتب، هو ثمرة عدد من الباحثين في علوم النفس والاجتماع، ولا سيما أولئك الذين يعالجون أنماط الشخصيات ومقدار تأثير العوامل الخارجية بها، وبقدرتها على التحكم بردات أفعال الأفراد والجماعات، بما يخدم الموجه الحاكم أو المستثمر في مجال صناعي أو تجاري أو غيرهما.
غسيل الأدمغة
وبالعودة إلى مصطلح، أو مفهوم غسل الأدمغة، الذي برز إلى الوجود في عام 1950 على يد الصحافي إدوارد هانتر، لدى ترجمته مفهوماً صينياً يصف فيه طرائق التلقين السياسي والتحكم بتصرفات سجناء الحرب الكورية، فهو يعني مجموع التقنيات أو الآليات التي تتيح التحكم النفساني في الأشخاص، بغية تحويل قناعاتهم ومعتقداتهم وقيمهم وأفكارهم، على النحو الذي يخالف رغبتهم الحقيقية.
ينقسم الكتاب الآنف خمسة فصول، تتناول تباعاً: التعريف بمصطلح “غسيل العقول”، والثاني يتناول مفهوم “نقطة الانكسار”، والثالث يحلل مفهوم “العقل الأسير” الذي ينتج من حال الاستلاب التي يكون عليها مغسول العقل، والرابع يعالج “التفكير الجماعي” في وضعية غسل أدمغة الشعوب أو الطبقات أو المحكومين في بلد ما، أو المواطنين المستهلكين مادة أو نمطاً معيناً من العيش، أو غيرهم، والخامس يتناول “نمط البارانويا”.
ولعل أهم مثالين يطرحهما الكاتب، في انطلاقة بحثه المستفيض (439 صفحة) هما زعم كارل ماركس أن الأديان هي بمكانة الأفيون للشعوب تخدر لديها الوعي والحس بالظلم الذي يمارسه الحكام عليها، فيقعدها عن الثورة، واعتبار فرويد أن الإيمان مجرد وهم، بنظره، وأن ابتداعه إنما كان لحاجة الناس إلى الحماية من عنف الطبيعة ومن الموت. وفي هذا السياق، يشير (فرويد) بصورة غير مباشرة إلى عملية التحويل الفكرية الجماعية التي تباشرها الأديان والمعتقدات، من الإطار الحسي المادي والمناط بالجانب الإنساني البشري المحض، إلى الإطار اللاهوتي الغيبي، وفق ما يزعم.
ثم إن الحزب الشيوعي الصيني كان سبق له أن استخدم آلية غسل الدماغ، على ما دونه الصحافي إدوارد هانتر المشار إليه أعلاه، على سجناء الحرب الكورية في خمسينيات القرن الماضي. ولكن هذا لا يعني أن الأحزاب الشمولية (التوتاليتارية) التي نشأت في أوروبا، وروسيا مثل الحزب النازي أو الحزب الفاشي، والستالينية، لم يكن لديها ما تضيفه إلى سجل قمع الرأي العام، وإكراه الجماعات والطبقات والفئات الاجتماعية والقومية والدينية وغيرها على اتخاذ مواقف مخالفة لقناعاتها، والعمل على “إلغاء فكرة أي معارضة من عقول الناس” (ص:26)، وصولاً إلى إبادتهم جسمانياً بحجة عدم انسجامهم مع محيطهم الواسع، كما حصل مع اليهود على يد النازيين، وذلك تحقيقاً للتناغم الشامل.
والحال أن غسل الأدمغة لم يقتصر ميدانه على المجتمعات التي اتبعت فيها أنظمة شيوعية، مثل الاتحاد السوفياتي سابقاً، والصين وكوبا وغيرها، وإنما امتد أيضاً ليشمل المجتمعات ذات النظام الرأسمالي، مثل الولايات المتحدة الأميركية وإنجلترا وفرنسا وغيرها. وقد بينت بعض الأعمال الأدبية والفنية، ولا سيما الرسوم المتحركة، مثل دونالد داك وتوم أند جيري وماوكلي وغيرها مقدار التأثير الكبير والمتمادي على عقول المتفرجين، من أجل توجيه تفكيرهم نحو ما يكفل بقاء النظام الرأسمالي، وما يبخس من قيمة النظام الاشتراكي.
وإذا أضفنا إلى كل ذلك ما اكتشفه الطب الحديث، في علم الأعصاب، من إمكانية في إحداث تغييرات في الدماغ (في الخمسينيات والستينيات)، من ضمنها إجراء عمليات جراحية في المخ لعلاج السرطان، أو استخدام الصدمات الكهربائية لإحداث تغييرات في سلوك الشخص المريض أو الواقع في الأسر، أو المعرض للعقاب، وحسبنا المشروبات على أنواعها ووسائل الاتصال الحديثة والذكاء الاصطناعي والكمبيوتر ومنصات التواصل الاجتماعي، لاتضح لنا اتساع مضمار “غسيل الأدمغة” ليشمل ظواهر معاصرة تكاد تكون عصية على الضبط، ويكون البشر من ضحاياها المقبلين، والمؤسسات والبيئة والاقتصادات وأنماط عيش قديمة، قدم الإنسان.
نقطة الانكسار
وإذ يواصل الباحث دانيال بيك درس ظاهرة غسل الأدمغة، يعرج على الكيفية التي طبق بها المعنيون، أصحاب القرار (الحكام) في دولهم، ولا سيما سلطات الرقابة، والإشراف على التحكم بالرأي العام، آلية غسل الأدمغة. فعلى سبيل المثال، استخدم الصينيون في آلاف الجنود الأميركيين الذين وقعوا أسرى في أثناء الحرب الكورية، عدداً من الوسائل الكفيلة بتدمير صحة الجنود العقلية والجسدية، وبجعلهم يتنكرون للقيم والمبادئ التي كانت قد دفعتهم إلى الانخراط في الحرب المذكورة ضد كوريا الشمالية الشيوعية.
وفي المقابل، اتسع نطاق غسل الأدمغة داخل الدول الغربية التي تتبع النظام الليبرالي الحر، ولا سيما في مجال كبح الحركات الوطنية الناشئة ذات التوجهات اليسارية والحركات النقابية المؤثرة، وفي تعطيل عمل المقاومات داخل البلدان الخاضعة للسيطرة الاستعمارية من مثل الهند والجزائر وأفريقيا الجنوبية وغيرها. حتى يمكن القول إن الأنظمة السياسية في العالم الحديث والمعاصر، بحسب دانيال بيك، كادت تتساوى في استخدام آليات غسل الأدمغة في وجهة الإخضاع والسيطرة، بعد تدمير عقل السجين بدلاً من أن “تستعيده” (ص:79). ذلك أنها، أي هذه الآليات، ترتكز في عملها على استغلال “نقاط الانكسار” في نفس الشخص المعني إلى أقصى حد، طبعاً بتوجيه من السلطات المناط بها تنفيذ سياسة التحكم بعقول “الأشرار” أو المدانين أو المشبوهين أو المؤثرين على الرأي العام، بنظرها.
وبناء على ذلك، باتت هذه الآليات،المنبثقة من علم النفس السريري تُستخدم في غير ما كان يأمله المصلحون الأوائل، العقابيون منها، الذين كانوا يأملون في تحسين ظروف الأفراد لجعلهم أكثر انفتاحاً واندماجاً في بيئاتهم، تمهيداً لاندراجهم النهائي في مختلف مناحي الحياة المعاصرة.
العقل الأسير
وفي الفصل الثالث من الكتاب، يستعرض الباحث بيك جملة من الآراء لعدد من المفكرين والأدباء وعلماء النفس، ليولد منها حالاً عما يمكن أن ينتجه المجتمع أو النظام القامع في زمننا المعاصر، أي من عشرينيات القرن العشرين حتى إعداد هذه المقالة، أي عشرينيات القرن الـ21، أي في 100 عام بالتمام، وقد دعاها (الحالة) بالعقل الأسير. ومفادها أن الفرد والجماعة في هذا النظام “التوتاليتاري” الاستبدادي، سواء النازي منه، أو السوفياتي، أو الصيني الشيوعي، يجدان نفسيهما في ظروف قاهرة تحول دون تمتعهما بحرية الاختيار أو العيش أو التفكير، أو حتى الحياة.
ويتضمن الفصل شهادة كل من الشاعر البولندي الشهير المنشق عن النظام البولندي الشيوعي والحاصل على “نوبل للآداب” تشيسلاف ميلوش، صاحب كتاب “العقل الأسير”، وحنة آرندت الفيلسوفة الألمانية المعروفة بتحليلها العميق للنظام التوتاليتاري، وميلان كونديرا الكاتب الروائي التشيكي المعروف أيضاً بفضحه تصرفات الموظفين في النظام التابع للاتحاد السوفياتي.
ويستهل الشاعر البولندي ميلوش عرض تجربته بالقول إن الأفراد في مجتمع خاضع لنظام استبدادي، يتنازلون عن مبادئهم وتطلعاتهم، فيتجنبون التعبير فنياً عن آرائهم، إن كانوا مثقفين، ويعانون صراعاً بين حريتهم الشخصية وولائهم الجماعي، أو بالأحرى بين تعبيرهم الفني وبقائهم الشخصي. ولعل هذا نموذج يتوالى تحققه في كل دولة أو كيان سياسي يحكمه نظام مستبد، على هذه الصورة. علماً أن الغالبية العظمى من الناس في الغرب، إلى حيث هاجر ميلوش، لم تكن على دراية بالحال الفكرية التي كان عليها سكان بولندا، سواء الشرقية الواقعة تحت سيطرة القوات السوفياتية، أو الغربية منها الواقعة تحت سيطرة القوات النازية.
أما الفيلسوفة حنة آرندت، والتي عاشت ردحاً من الزمن في ألمانيا قبيل صعود النازية، فقد رأت، في بحثها عن أوجه الشبه المشتركة بين الأنظمة التوتاليتارية، أن الأخيرة تسعى إلى القضاء على إنسانية الإنسان في تلك الأنظمة، فيصير الأفراد في تلك الدول مشكوكاً في أمرهم بسبب قدرتهم على التفكير النقدي. بالتالي يصير لزاماً، من وجهة نظر الدولة، قمع حرية التفكير لدى مواطنيها، قمعاً صارماً يذهب عند من لا ينصاع إلى حد إلغاء وجوده، إعداماً، وسحقاً، وإغراقاً، ونفياً، وإبعاداً. ومن جهة ثانية، تعمد هذه الأنظمة أو الدول ذات النظام التوتاليتاري، إلى الدعاية ونشر الأكاذيب وبذر الشكوك في ما بين الأفراد والمجتمعات، وإحداث الشروخ في ما بين التجمعات المتضامنة تيسيراً لإخضاعها لاحقاً.
ولعل هذا ما يتولاه أنصار للدولة، نظير ما قام به أنصار الفاشية في إيطاليا، وأنصار النازية في ألمانيا الثلاثينيات، بزعم “توحيد الدولة والشعب، وتنسيقهما، بهدف دمج الاقتصاد والمجتمع والثقافة والقانون تحت مظلة واحدة” (ص:152).
ولم تأل الأنظمة التوتاليتارية جهداً في توظيف كل الوسائط الإعلامية المتاحة لتعميم أكاذيبها، وشعاراتها السياسية المضللة، بل جعلت تستخدم الراديو والسينما والصحف والمجلات لهذا الغرض، تبث من خلالها مقتطفات من أقوال الزعيم، وأرفدت بالأناشيد الطنانة والمواكب العسكرية المهيبة.
آفاق ملتبسة
ويواصل الباحث دانيال بيك بحثه المهم، مستطلعاً آفاق التفكير الجماعي لما بعد الحرب العالمية الثانية، وصولاً إلى زمننا الحالي، ولا سيما أن الأبحاث في علم الأعصاب وعلم التحليل النفسي والسريري آخذة في التقدم أشواطاً بعيدة، تضاعف من أهميتها وحدتها وخطورتها ما توصلت إليه الإنجازات على صعيد الذكاء الاصطناعي. ولعل هذا ما حفز عدداً من العلماء والمبتكرين في مجالات مترابطة، مثل علم النفس التجريبي والتربية وعلم اجتماع العمل، وغيره على معاودة النظر في المفاهيم التي سادت خلال الحربين العالميتين، مثل العقل الأسير والانسجام المجتمعي والهوية وغيرها، من أجل الحفاظ على كرامة الفرد والجماعة، والتخفف من مساوئ النظامين الاقتصاديين والسياسيين الاشتراكي والرأسمالي، على ما دعا إليه الصحافي ويليام وايت.
ويناقش نمط البارانويا الذي تبلغه جماعة في دولة معينة، تحسب نفسها موضوعاً لتهديد مباشر من الأعداء، كما هي حال أنصار ترمب وتجمعهم الصاخب أمام الكونغرس في السادس من يناير (كانون الثاني) 2021، وما أثاره الناشط جايكوب تشانسلي من ردود في الصحافة الأميركية ذات الصلة بطبيعة جمهور ترمب المتقلب والمرتاب من الرأي العام.
وبموجز العبارة، يمكن القول إن الكتاب “غسيل الأدمغة” للباحث البريطاني دانيال بيك ينطوي على كثير من نقاط القوة، لمعالجته أحد أهم المحاور الجديرة بالدراسة وأخذ العبر منها، عنيت التحكم بعقول البشر، وتدبير قيادتهم، على أن تكون إلى حيث يرغبون، ويزدادون حرية وانفتاحاً.
مجلة 24 ساعة
