الرئيسية / صحافة ورأي / الذكاء الاصطناعي وحماية الخصوصية في زمن انكشاف الأسرار

الذكاء الاصطناعي وحماية الخصوصية في زمن انكشاف الأسرار

ياسر عبدالعزيز
ياسر عبدالعزيز
الكاتب: إن فهم آليات عمل الذكاء الاصطناعي والوعي بالمخاطر الجانبية لاستخداماته لن يجعلنا فقط نحمي بياناتنا الشخصية بل يضعنا في مساحة الاستخدام الآمن للتقنيات الحديثة (الجزيرة)

في مقالين متتابعين عن الذكاء الاصطناعي، حمل الأول عنوان “الخصوصية في عصر الذكاء الاصطناعي.. كيف تعرف المنصات أسرارنا؟”، وتحدثنا فيه عن خطورة ما ننشر ونقدم للذكاء الاصطناعي من معلومات شخصية تغذيه. وفي المقال الثاني، الذي حمل عنوان “مصير البشرية في سباق الذكاء الاصطناعي”، عرضنا المخاوف من هذا الكم غير المحدود من المعلومات المتاحة في ظل عدم وجود محددات لتقييم ما يجب أن يعرف، ومن له حق معرفة المطلوب من المعلومات، وضربنا مثالا بمحاولة مجموعة ما صناعة سلاح بيولوجي بالاستعانة بالذكاء الاصطناعي.

وبادئ ذي بدء، اسمحوا لي أن أقدم التحية لإحدى منصات الذكاء الاصطناعي التي قدمت لي معلومات معتبرة لكتابة هذا المقال، فهذه الأدوات لم تبق على المساحة المظلمة في العلم، حتى لم يعد التخصص حكرا على أحد، فالمعلومة متاحة لمن يريد أن يبحث.

وفي زمن تتسارع فيه عجلات التكنولوجيا بلا هوادة، وتتغلغل تقنيات الذكاء الاصطناعي في كل زاوية من حياتنا، يبرز السؤال الملح: ما دورنا كأفراد، وكآباء، تجاه هذه التحولات؟ لا سيما بعدما استعرضنا في المقالين السابقين ماذا يفعل الذكاء الاصطناعي في حياتنا. أصبحت المنصات تقتفي أثر أسرارنا، وتحلل تفاصيل حياتنا بدقة غير مسبوقة. بمعنى آخر: كيف نحمي أنفسنا من هذا المتطفل الجديد؟

واجب الوقت في معرفة آليات عمل الذكاء الاصطناعي وكيفية حماية خصوصيتنا من تحليلاته، حتى لا نكون نهبا لنهم المعرفة “غير المسموحة”، على الأقل بالنسبة لنا

عرف المسلمون الأهمية القصوى لمستجدات الحضارة، وأدركوا ما تقتضيه كل مرحلة من مسؤوليات، فقدموا الأهم على المهم ليستجيبوا لحاجات الأمة في اللحظة الآنية، بل وحتى في المستقبل، إذا ما أمعنوا النظر في مستقبل المآلات، ليتحضروا لها قبل أن تسبقهم. وهذا ما عرف عند الفقهاء بـ”واجب الوقت”.

وقد كان لهذا الوعي كبير الأثر في بناء الحضارة الإسلامية؛ فحين احتاج المسلمون إلى العلم، أقبلوا على الترجمة والتأليف، ليواكبوا ما فاتهم من حضارة، ولينطلقوا من هذه المعرفة إلى آفاق أرحب سبقوا بها الحضارات السالفة.

ولما كانت الخصوصية في الماضي القريب مفهوما يتسع ويضيق وفق ما يختار الإنسان أن يشارك من معلومات، فقد فقدت تلك الخصوصية اليوم خصوصيتها، وبدا الأمر عصيا في زمن الذكاء الاصطناعي، بعدما استطاع هذا المتطفل أن يغوص فيما هو أبعد مما نشاركه من معلومات، فيحلل سلوكنا الرقمي، ويربط كل نقاط قد تبدو عشوائية أو بعيدة، ليستنتج في النهاية أدق تفاصيلنا.

وهو ما يستلزم وقفة، يعنونها الشرع تحت عنوان “واجب الوقت”.. واجب الوقت في معرفة آليات عمل الذكاء الاصطناعي وكيفية حماية خصوصيتنا من تحليلاته، حتى لا نكون نهبا لنهم المعرفة “غير المسموحة”، على الأقل بالنسبة لنا.

تعلم الذكاء الاصطناعي وآلياته، وتعلم أمن المعلومات، أو ما يعرف بالأمن السيبراني، لا يعني بالضرورة أن نصبح خبراء في البرمجة أو تصميم خوارزمياته المعقدة، بل المقصود هو اكتساب فهم كاف لأساسياته، وكيفية تفاعله مع البيانات، والطرق التي يمكن من خلالها استخدامه لها، ومن ثم كيفية حماية ما يجب حمايته من معلومات.

هذا الفهم يمكننا من التفاعل مع العالم الرقمي القادم بقوة، والذي يجب أن نعيشه مرغمين وفق قواعده المتطورة، والتي قد لا يعجبنا العيش وفقا لها، لكنها القدر المحتوم والمستقبل المرسوم.

إن فهم آليات عمل الذكاء الاصطناعي، والوعي بالمخاطر الجانبية لاستخداماته، لن يجعلنا فقط نحمي بياناتنا الشخصية، بل يضعنا في مساحة الاستخدام الآمن للتقنيات الحديثة، حيث ينقلنا من مجرد متلقين ومستخدمين عاديين إلى مشاركين فاعلين، من خلال طرح الأسئلة الصحيحة وتقييم المعلومات التي تقدمها لنا أدوات الذكاء الاصطناعي.

ولقد فصلنا ذلك في مقال “الذكاء الاصطناعي والاحتلال الفكري القادم” منذ ثلاث سنوات، فيجنبنا ذلك الوقوع في فخ التلاعب، وبذلك نحمي أولادنا من إمكانية العبث بقيمهم وثوابتهم.

شاهد أيضاً

 هل ما زال “غسيل الأدمغة” قادرا على تحويل العقول؟

قضية بين التاريخ الثقافي المعاصر وعلم النفس التحليلي أنطوان أبو زيد غسل الدماغ في العصر …