يشهد مركز جون إف. كينيدي لفنون الأداء في واشنطن تصعيدا جديدا في الأزمة التي تحيط بمستقبله، مع اتساع الاحتجاجات في أوساط الفنانين والعاملين في المؤسسات الثقافية والجمهور، واقتراب استحقاق قضائي في 23 سبتمبر/أيلول الجاري، يتعين فيه على إدارة المركز أن تقدم للمحكمة مبررات إغلاق المبنى، بعدما ألزمها قاضٍ فدرالي بإخطار المحكمة مسبقا بأي تغييرات مادية كبيرة، بما في ذلك أي خطوة لهدمه.
وتأتي هذه التطورات وسط معركة قضائية وسياسية بشأن محاولات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب وضع اسمه على المركز، ومستقبل مشروع تجديده الذي خصص له الكونغرس 257 مليون دولار. وكان نحو 1500 شخص من أنصار مجموعة “هاندز أوف ذا آرتس” (Hands Off the Arts) شاركوا في الاحتجاج الذي نُظم مساء الجمعة 18 سبتمبر/أيلول، وشكّلوا سلسلة بشرية حول المبنى، حتى إن أعداد المشاركين سمحت لهم بتطويق بعض أجزائه مرتين.

وجاء الاحتجاج بعد أيام من تصويت مجلس الأمناء، الذي يهيمن عليه أعضاء عيّنهم ترمب، لمصلحة إغلاق المبنى، وبعد حكم جديد للقاضي الفدرالي كريستوفر كوبر، يحظر إضافة نقش عليه لتكريم ترمب من دون موافقة الكونغرس. ومع تصاعد المخاوف من احتمال هدم المركز، أصدر كوبر في 17 سبتمبر/أيلول أمرا يلزم الإدارة بتقديم إخطار قبل 30 يوما من اتخاذ أي خطوات نحو هدم المبنى أو إجراء تغييرات مادية كبيرة فيه.
مجلس الأمناء تحت السيطرة
وجاء الأمر بعدما قدم محامو النائبة الديمقراطية جويس بيتي للمحكمة صورة لترمب على متن الطائرة الرئاسية، وهو ينظر إلى لوحة يظهر فيها المركز مهدوما، وبعد تصريحات للرئيس تحدث فيها عن احتمال إزالة المبنى. وزاد ترمب الغموض بشأن مستقبل المركز عندما سُئل في 18 سبتمبر/أيلول عما إذا كان يعتزم هدمه، فامتنع عن إعطاء إجابة حاسمة، وجدد في الوقت نفسه مطالبته بتقدير دوره في جمع الأموال اللازمة للمؤسسة وتجديدها.

وكان ترمب قد ربط في وقت سابق المضي في مشروع التجديد بمصير النزاع القضائي حول وضع اسمه على المبنى. وكشفت صحيفة “وول ستريت جورنال”، في تقرير جديد نُشر في 20 سبتمبر/أيلول، عن مواجهة مباشرة أخرى داخل مجلس الأمناء بين ترمب والنائبة الديمقراطية جويس بيتي، التي تقود الدعوى القضائية ضد محاولات تغيير اسم المركز وإجراء تعديلات عليه من دون موافقة الكونغرس.
وتضع هذه التطورات المواجهة في مرحلة تتجاوز الخلاف على كتابة اسم رئيس فوق واجهة مبنى، بعدما أصبحت تشمل مستقبل المركز نفسه، وبرامجه وعلاقته بفناني الأداء، فضلا عن مدة إغلاقه وطبيعة الأعمال التي ستجرى داخله وما إذا كان مشروع التجديد سيبقى في حدود الترميم أم يصل إلى إعادة بناء أكثر جذرية. ومن المنتظر أن تضيف الوثائق المطلوبة من إدارة المركز أمام المحكمة في 23 سبتمبر/أيلول تفاصيل جديدة بشأن المبررات الفعلية للإغلاق.
أزمة مبكرة
بدأت الأزمة في فبراير/شباط 2025، بعد أسابيع قليلة من عودة ترمب إلى البيت الأبيض، عندما أقال أعضاء في مجلس أمناء مركز كينيدي وعيّن أعضاء جددا، قبل أن ينتخبه المجلس المعاد تشكيله رئيسا له، خلفا لرجل الأعمال ديفيد روبنشتاين. وأقال المجلس رئيسة المركز ديبورا راتر، وعيّن ريتشارد غرينيل، السفير الأمريكي السابق لدى ألمانيا وأحد حلفاء ترمب، رئيسا مؤقتا للمؤسسة.
وانتقلت المواجهة إلى اسم المركز في نهاية العام الماضي، عندما صوّت مجلس الأمناء، الذي يهيمن عليه أعضاء عيّنهم ترمب، لمصلحة إضافة اسمه، ليصبح الاسم المقترح “مركز دونالد جيه. ترمب وجون إف. كينيدي التذكاري للفنون الأدائية”، رغم اعتراضات تشير إلى عدم امتلاك المجلس السلطة القانونية اللازمة لإعادة تسمية مؤسسة حدد الكونغرس اسمها ووضعها القانوني.
وبعد التصويت، لم يبقَ التغيير على الورق، إذ أضيف اسم ترمب بالفعل إلى الواجهة الرخامية للمبنى، وتحول الخلاف من نقاش حول توجه مؤسسة ثقافية إلى معركة حول هوية نصب تذكاري وطني.
الفنانون ينسحبون
لكن الاعتراض الأكثر تأثيرا على التحولات الجديدة لم يأتِ من السياسيين وحدهم، بل من داخل مجتمع الفنون الأدائية نفسه، فمنذ إعادة تشكيل مجلس الإدارة في فبراير/شباط 2025، بدأ فنانون ومنتجون ومستشارون فنيون إلغاء مشاركاتهم أو الانسحاب من مناصب مرتبطة بالمركز.
واستقال عازف البيانو والمغني بن فولدز من منصبه مستشارا فنيا للأوركسترا السيمفونية الوطنية، كما غادرت مغنية الأوبرا رينيه فليمنغ منصبها مستشارة فنية للمركز، بينما استقالت المنتجة التلفزيونية شوندا رايمز من منصبها أمينة لصندوق مجلس الأمناء.
وجاءت واحدة من أكبر الضربات في مارس/آذار 2025 عندما ألغى منتجو المسرحية الموسيقية الشهيرة “هاملتون” (Hamilton) موسم عروض كان مقررا أن يمتد عدة أسابيع في 2026. وقال المنتج جيفري سيلر إن المشاركة أصبحت غير قابلة للاستمرار بعدما تحولت المؤسسة إلى فضاء شديد التسييس، مؤكدا أن مركز كينيدي ينبغي أن يكون لجميع الأمريكيين.
ولم يكن الخلاف بين الإدارة الجديدة والفنانين يدور حول اسم المبنى وحده، بل حول ما إذا كان المركز سيظل فضاء فنيا يمكن لفنانين مختلفين سياسيا وثقافيا العمل داخله من دون أن تصبح مشاركتهم تعبيرا عن موقف سياسي. وتجسد هذا الموقف لاحقا في كلمات مؤلف “ويكد” (Wicked) ستيفن شوارتز، الذي رفض المشاركة في حفل كان مقررا في المركز، قائلا إن المؤسسة أُنشئت لتكون موطنا غير حزبي للتعبير الفني الحر، وإن الظهور فيها أصبح في الظروف الجديدة يحمل، من وجهة نظره، دلالة أيديولوجية.
وانسحبت أيضا فرقة الجاز “ذا كوكرز” (The Cookers) من حفلتين، كما ألغت فرقة دوغ فارون للرقص عرضين رغم قول مؤسسها إن القرار سيكلفها نحو 40 ألف دولار، في مؤشر على استعداد بعض الفنانين لتحمل خسائر مالية مقابل عدم الظهور في المركز تحت إدارته الجديدة.
ورفضت إدارة المركز تصوير عمليات الانسحاب باعتبارها دليلا على انهيار المؤسسة، واتهم غرينيل بعض الفنانين والنشطاء بتحويل الفن إلى أداة سياسية، وقال إن المركز ينبغي أن يقدم عروضه للجميع بصرف النظر عن المواقف السياسية.
القضاء يزيل اسم ترمب
انتقلت المعركة بعد ذلك إلى القضاء، حيث رفعت النائبة الديمقراطية جويس بيتي، وهي عضو في مجلس الأمناء بحكم منصبها، دعوى تتحدى الإجراءات التي اتخذتها القيادة الجديدة. وفي مايو/أيار الماضي، حكم القاضي الفدرالي كريستوفر كوبر بأن مجلس الأمناء لا يمتلك سلطة تغيير اسم المركز بالطريقة التي اتبعها، وأمر بإزالة اسم ترمب.
ونُفذ الحكم في يونيو/حزيران، فأُزيلت الحروف التي تحمل اسم الرئيس من الواجهة، لكن النزاع لم ينتهِ. فلجأت إدارة المركز إلى صيغة أخرى، واقترحت وضع نقش على المبنى يُنسب إلى ترمب الفضل في ترميمه وتجديده، إلى جانب إطلاق اسم “ساحة الرئيس دونالد جيه. ترمب” على الساحة الواقعة أمامه.

وأصبح مصير المشروع نفسه جزءا من المواجهة، بعدما ربط ترمب المضي في جهود إنقاذ وتجديد المركز بالحصول على اعتراف بدوره، في حين فرض القضاء إشرافا إضافيا على أي تغييرات مادية كبيرة قد تطرأ على المبنى.
سترايسند تدخل المواجهة
وانضمت المغنية والممثلة باربرا سترايسند، التي حصلت على تكريم مركز كينيدي عام 2008، إلى الفنانين المنتقدين للتطورات الأخيرة، ووصفت النزاع حول المؤسسة بأنه مؤلم.
وقالت سترايسند إن التكريم الذي حصلت عليه من المركز كان يمثل بالنسبة إليها وإلى كثير من الفنانين أكثر من مجرد تقدير لمسيرة مهنية، بل كان يعبّر عن الإيمان بأهمية الفن في حياة الديمقراطية. وجاء موقفها مع تصاعد المخاوف بشأن مستقبل المبنى نفسه، بعد تصريحات ترمب عن حالته وإمكان إعادة بنائه، وهو ما دفع القاضي إلى اشتراط إخطار مسبق قبل أي تغيير هيكلي كبير.
وتتجاوز أهمية مركز كينيدي حدود المبنى الأبيض المطل على نهر بوتوماك في العاصمة الأمريكية، إذ منحه الكونغرس وضعا قانونيا مزدوجا، فهو المركز الوطني للفنون الأدائية، والنصب التذكاري الحي للرئيس جون إف. كينيدي في آن واحد.
وبعد أكثر من عام ونصف من بدء هذه التحولات، لم يعد النزاع يدور فقط حول ما إذا كان اسم ترمب سيجاور اسم كينيدي على واجهة المبنى، بل اتسع ليشمل هوية المؤسسة، والفنانين الذين سيقبلون بالصعود إلى مسارحها، والجمهور الذي سيعود إلى مقاعدها عندما تفتح أبوابها من جديد.
مجلة 24 ساعة