الرئيسية / صحافة ورأي / هكذا نظر شوبنهاور إلى الفن ودوره الاجتماعي

هكذا نظر شوبنهاور إلى الفن ودوره الاجتماعي

ابراهيم العريس
إبراهيم العريس
  باحث وكاتب

حتى وإن كان الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور (1788 – 1860)، قد وضع عدداً من المؤلفات وكتب طوال حياته المديدة نوعاً ما مئات الدراسات والتعليقات، وخاض من خلالها صفوف المعارك والمجالات الحادة حيناً والصامتة في أحيان أخرى، فإن كتابه الرئيس والأكثر ارتباطاً بفلسفته التشاؤمية، وتعبيراً عنها يبقى “العالم كتصور وإرادة” (1818) الذي أصدره وهو بالكاد بلغ الـ30 من عمره، ولن يضاهيه لديه في شهرته ومكانته سوى كتابه اللاحق “دراسة حول الاختيار الحر” (1839)، الذي يعده كثر من دارسي الفيلسوف مجرد استطراد للكتاب السابق وتأكيد على طروحاته.

ومن الواضح أن أهمية الكتاب الأول تكمن في أن الفيلسوف قد جمع فيه مجمل أفكاره التي ستسير مسلكه الفكري، بل حتى الحياتي طوال حياته اللاحقة.

ولئن كانت الدراسات والتعليقات قد أسهبت في تحليل “العالم كتصور وإرادة”، وبخاصة من جوانبه الفكرية والتقنية الخالصة، فإن الجانب المتعلق بالجماليات والفن فيه لم ينل نفس الحظ من الاهتمام، على رغم أهميتها الكبرى التي نكاد نقول إنها في زمنها جمعت من حوله مبدعين من أهم الذين تركوا أثراً فنياً تأملياً مرتبطاً بالفكر في تاريخ المسألة الإبداعية، مواطنيه، الموسيقي ريتشارد فاغنر من ناحية، والفيلسوف فردريك نيتشه من ناحية ثانية.

استبعاد ما للرغبة

على رغم تشاؤميته المعلنة – والتي لن يخفف من حدتها انتماؤه خلال مرحلة تأسيسية من حياته إلى أعمق ما في الفكر الشرقي، بل حتى الفلسفات التصوفية التي عثر عليها، كما نعرف، في الشرق البعيد، الهندي خصوصاً الذي لم يدعه يغرب عن ناظريه ولو ساعة واحدة – لم يتوقف شوبنهاور عن البحث عبر فلسفته، وفي كتابه الرئيس، عما اعتبره ذلك الخلاص للإنسان القائم أولاً وأخيراً على تخلصه من تلك “الرغبة” التي تكبله بأشد مما يفعل أي شيء آخر في وجوده.

وهو في هذا الإطار ينظر إلى الفن، بوصفه “تأملاً جمالياً ومنزهاً في وجود الكون وشؤون العالم”، وباعتباره نوعاً من “تعليق رغبة العيش بما يحرر الإنسان ويضعه على سكة الخلاص”، إذ إن “أخلاقية التعاطف، أي مبدأ الشفقة، الذي يمكنني من التخلي عن رغبة العيش التي تحث كل واحد منا على التعرض للمعاناة والقبول بها، هي التي تشكل الطريق الموصل إلى الحكمة”.

وفي المقابل فإن الفلسفة والتأمل هما اللذان، من خلال التخلي عن التقشف والزهد الطوعيين، يسمحان للإنسان في نهاية الأمر بالوصول إلى مستوى آخر من الحكمة، هو الحكمة الحقيقية القائمة على نكران الرغبة، أي إرادة العيش، نكراناً يسميه البوذيون “نيرفانا”. وهنا قد يكون من الملائم أن نذكر أن هذا النوع من العدمية الصوفية هو ما سوف يقارعه نيتشه بقوة لاحقاً، بيد أن هذا موضوع آخر فنحن هنا لا نزال عند شوبنهاور بالطبع.

دور ما… للفن

وهذا ما يقودنا بالتالي إلى تحري المسألة الفنية الجمالية عند شوبنهاور، وتحديداً في ارتباطها بجملة الأفكار التي أشرنا إليها.

وفي هذا السياق لا بد من الإشارة، ولو في مصادرة على الموضوع، إلى أن نظرة هذا الفيلسوف إلى الفن تعد من أكثر التصورات الفلسفية عمقاً وتشاؤماً في وقت واحد. فهي ترتبط ارتباطاً وثيقاً برؤيته الشاملة إلى العالم، والتي عبر عنها في “العالم كتصور وإرادة”.

ففي هذا العالم يقسم شوبنهاور الوجود إلى مستويين، “التصور” الذي يصور العالم كما يظهر عبر الوعي، والإرادة التي تشكل جوهر الوجود وقوته العمياء الدافعة”. وهي بالنسبة إليه إرادة لا عقلانية لا تهدأ، ومصدر دائم للمعاناة.

وفي هذا الإطار يحتل الفن مكانة استثنائية، إذ يراه شوبنهاور وسيلة للتحرر الموقت من سطوة الإرادة في عماها المطلق. فعندما ينغمس الإنسان في تجربة جمالية خالصة – كتأمل في لوحة أو قراءة قصة أو استماع إلى موسيقى ما – يتوقف عن أن يكون كائناً راغباً، ليصبح “ذاتاً عارفة خالصة”، أي إنه يتحرر لحظياً من رغبته كما من آلامه.

وبهذا المعنى لا يكون الفن ترفاً أو مجرد تعبير عن واقع ما، بل يضحى هو ذاته الخلاص الموقت من عبء الوجود. وهنا تبرز الموسيقى في قمة الفنون عند شوبنهاور لأنها لا تمثل العالم الظاهري (التصور) فحسب، بل تعبر مباشرة عن الإرادة نفسها، أي عن جوهر الوجود. ولذلك يرى الفيلسوف أن تأثيرها أعمق وأكثر مباشرة من باقي الفنون، لأنها تخاطب البنية الداخلية للإنسان دون وساطة الصور أو المفاهيم.

علاقة ملتبسة

أما علاقة الفن بالمجتمع فهي، بالنسبة إلى المنطق الشوبنهاوري، علاقة ملتبسة، فهو لا يرى الفن كأداة إصلاح اجتماعي أو وسيلة للتقدم، بل على العكس إذ يضعه خارج الصراعات الاجتماعية والتاريخية.

الفن عند شوبنهاور فردي في الدرجة الأولى، وتجربته ذات طابع تأملي انعزالي، ما يجعله أقرب إلى أن يكون ملاذاً شخصياً منه مشروعاً جماعياً. لذلك لا يعزو هذا الفيلسوف للفن دوراً سياسياً أو أخلاقياً مباشراً داخل المجتمع، بل يراه تعبيراً عن إمكانية الانفصال عنه. ومع ذلك يمكن القول إن الفن يحمل بالنسبة إلى شوبنهاور بعدا إنسانياً غير مباشر، إذ يتيح للإنسان إدراك الطابع المأسوي المشترك للوجود، مما قد يولد نوعاً من التعاطف أو التفاهم العميق تجاه الآخرين، لكنه يظل تعاطفاً تأملياً لا يتحول بالضرورة إلى فعل اجتماعي.

باختصار إذاً يكشف تصور شوبنهاور للفن، في نظر دارسيه، عن توتر بين الفرد والمجتمع. فبينما يغرق العالم في صراع الإرادات، يظل الفن لحظة نادرة من الصفاء “ينسحب فيها الإنسان من ضجيج الحياة ليواجه جوهرها في صمت وتأمل”.

Independent News

شاهد أيضاً

 قراءة في الدلالات الثقافية والتاريخية لزيارة البابا للجزائر

زيارة البابا لاوون الـ14 للجزائر هي أكثر من حدث دبلوماسي وأكثر من زيارة دينية بالنسبة …