
نائب مستشار الأمن القومي في البيت الأبيض في عهد الرئيس جورج دبليو بوش.
على مدار 21 ساعة جلس الأمريكيون والإيرانيون في إسلام آباد وتحدثوا وجها لوجه. كان نقاشا صريحا، لا منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي ولا صواريخ “توماهوك”، بل شخص مع شخص، إنسان مع إنسان.
كان هناك مسار للمضي قدما. لكنه أُغلق، والآن تجري حملة ضغط بحري. حدث هذا التحول بسرعة، وبمجرد حدوثه أصبح من الصعب جدا عكسه.
لقد رأيت ذلك عن قرب. قضيت شهرا في الدوحة خلال الأسابيع الأولى من الصراع، أشاهد الصواريخ القادمة في الجو والصواريخ الاعتراضية التي تندفع لإيقافها. هذا ما يأخذ مكان الدبلوماسية عندما تفشل المحادثات.
من هنا، يتحول الأمر إلى اختبار تحمّل، حيث يحاول كل طرف الصمود أكثر من الآخر، ويضغط على نقاط ضعف خصمه بشكل أكبر، وينتظر من يستسلم أولا.
المشكلة أن هذا النوع من الضغط لا يبقى محدودا، بل ينتقل بسرعة إلى الأسواق العالمية وأسعار الطاقة، ويؤثر على استقرار المنطقة.
لقد أصبح مضيق هرمز الآن نقطة الضغط، وليس مجرد ممر بحري.
لا تحتاج إلى حصار كامل لتعطيل الاقتصاد العالمي. التهديد وحده كفيل بالتأثير على الأسواق، ورفع أسعار النفط، وتباطؤ حركة الشحن، وتمتد التكاليف إلى ما هو أبعد من الخليج، ولا تنحصر التداعيات في المنطقة، بل سرعان ما تظهر في الأسواق العالمية، وفي التكاليف التي يشعر بها الناس في دولهم.
حتى الآن، فضل ترمب السرعة على بناء التحالفات. تحركت الولايات المتحدة بمفردها إلى حد كبير، ومارست الضغوط بشكل مباشر. ورغم أن هذا قد يخلق زخما، فإنه يركز المخاطر أيضا. فعندما لا تسير الأمور كما هو مخطط لها، يكون هناك عدد أقل من الشركاء لتقاسم العبء.
يحاول الحلفاء – خاصة في أوروبا – الاستجابة، لكن أدواتهم محدودة وبطيئة. تتحرك الولايات المتحدة في البحر، بينما لا تزال أوروبا تصدر البيانات الصحفية وتعقد القمم. يستغرق نشر القوات البحرية وقتا، وتُظهر الدبلوماسية النوايا، لكنها لا تغير الأوضاع بالخليج في الوقت الفعلي.
في الآن ذاته، تتعرض إيران لضغوط حقيقية. جزء كبير من اقتصادها يعتمد على النفط والغاز، والاضطرابات تؤثر بسرعة على كل شيء، بدءا من المالية العامة وصولا إلى قوات الأمن، وهذه الضغوط لها تأثيرها.
لكن الضغوط لها وجهان.
إذا اعتقدت طهران أن الاتفاق يهدد بقاء النظام، فقد تصمد لفترة أطول، حتى في ظل الضغوط الاقتصادية. بالنسبة لإيران، ليست مجرد مفاوضات، بل مسألة بقاء.
تخلق هذه المعادلة توازنا خطيرا، فالولايات المتحدة تمارس الضغط من الخارج، وإيران تمتصه من الداخل، والاقتصاد العالمي عالق بينهما.
ويزداد الخطر عندما يصبح تنفيذ التهديدات هو الإستراتيجية، فالحصار مطلق وليس رمزيا. إذا أعلنت منع مرور أي سفينة، فإن كل سفينة تمر تُضعف موقفك. إن فاتتك واحدة، يبدأ الحصار بالتصدع.
وهنا تزيد احتمالات سوء التقدير.
يواجه ترمب الآن خيارا واضحا: إما الاستمرار في تصعيد الضغط والمخاطرة بفقدان السيطرة، أو تحويله إلى مسار للعودة إلى المفاوضات.
- أولا، لن يؤدي الضغط وحده إلى إبرام اتفاق، قد يكسبك نفوذا، لكنه لا ينجز المهمة.
ثانيا، يجب توسيع نطاق المفاوضات، فالمواجهة لم تعد محصورة بين الولايات المتحدة وإيران. تعتمد الصين بشكل كبير على الطاقة المستوردة، وتستفيد روسيا من ارتفاع الأسعار، لكن لها مصالح طويلة الأمد في إيران، وحلفاء الولايات المتحدة في أوروبا وآسيا يشعرون بالضغط.
كل هؤلاء ليسوا متفرجين، بل أطرافا مؤثرة.
- ثالثا، يجب تسريع الجهود الدبلوماسية التي كان ينبغي أن تبدأ منذ أشهر، وإرسال وزير الخارجية ماركو روبيو وكبار القادة العسكريين إلى حلف الناتو، وفي جولة آسيوية إلى الهند، واليابان، وكوريا الجنوبية، وتنسيق جهود الحلفاء، والبدء بالعمل على خطة طويلة الأمد لتأمين مضيق هرمز.
- رابعا، يجب تحديد مخرج واضح. الرسالة في الوقت الحالي هي الضغط، وما ينقص هو مسار واضح للمضي قدما فيه. من دون ذلك لن يكون لدى إيران حافز لتغيير موقفها، خاصة إذا كان الخطر هو انهيار النظام.
تُستأنف المفاوضات عندما يرى كل طرف سبيلا للمضي قدما يضمن له البقاء.
أخيرا، يجب إدارة التداعيات العالمية. تتفاعل أسواق الطاقة بوتيرة أسرع من الدبلوماسية، وتتحرك الأسعار قبل التوصل إلى الاتفاقات. هذا لا يخلق ضغطا في الخارج فحسب، بل في الداخل أيضا.
نبرة الحديث مهمة أيضا، فما يُقال في صفقة شراء شقة في بروكلين أو كازينو في نيوجيرسي لا يصلح في مفاوضات دبلوماسية بالشرق الأوسط. الدقة مهمة، لأن المصداقية هي ما يُبقي الدبلوماسية حية.
لم يعد الصراع إقليميا، بل هو أزمة اقتصادية عالمية.
التحدي الذي يواجهه ترمب الآن لا يقتصر على ممارسة الضغط، بل السيطرة عليه. السيطرة على التصعيد، والسيطرة على الأسواق، والسيطرة على ما سيحدث لاحقا.
إذ إنه بمجرد أن يهيمن الضغط على المشهد، تتوقف المفاوضات وتبدأ ردود الأفعال. حينها، قد يفوت الأوان لإيقاف التداعيات.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
مجلة 24 ساعة