الرئيسية / صحافة ورأي / كيف تقود البنى التحتية الذكية مستقبل النمو في الشرق الأوسط

كيف تقود البنى التحتية الذكية مستقبل النمو في الشرق الأوسط

أروشي بهالا
أروشي بهالا
المدير الإداري لمجموعة شركات إنكاردو رايت
 
لم يعرف الشرق الأوسط يومًا سياسة الخطوة القصيرة في صناعة مستقبله.. فمن الموانئ والمطارات إلى شبكات المترو والمدن العمودية، اختارت الإمارات العربية المتحدة أن تسبق الطلب بدل أن تلحق به.

ومع توقعات الأمم المتحدة بأن نحو 68% من سكان العالم سيعيشون في المدن بحلول عام 2050، لم يعد الرهان على تشييد بنى تحتية عالمية المستوى كافيًا، بل بات التحدي الحقيقي يكمن في إدارتها وتشغيلها بكفاءة توازي طموح بنائها.

عالمياً، تُعاني أنظمة البنية التحتية من ضغوط هائلة. ويُشير تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن احتياجات الاستثمار في البنية التحتية ستتجاوز 6.9 تريليون دولار أميركي سنويًا بحلول عام 2030.

أما التكلفة الأقل وضوحاً -والتي لا تقل أهمية- فهي تكلفة تشغيل هذه الأصول على المدى الطويل. ويُقدّر البنك الدولي أن سوء إدارة الأصول والأعطال غير المخطط لها يُمكن أن تزيد من إجمالي احتياجات الاستثمار في البنية التحتية بنسبة 50-60%، مما يُؤدي إلى تآكل القيمة ورفع تكاليف دورة حياة الأنظمة الأساسية إذا لم يتم معالجتها.

في الشرق الأوسط يتضاعف حجم هذا التحدي؛ فالبنية التحتية هنا لا تتميز فقط بضخامتها وترابط مكوناتها، بل تعمل أيضًا تحت ضغط مناخ قاسٍ: حرارة مرتفعة، رمال، ملوحة، وظروف بحرية، إلى جانب أحمال تشغيلية متواصلة. كما تنتشر ضمن بيئات هندسية معقدة -سواحل مستصلحة، حفريات عميقة، أنفاق، جسور، وممرات نقل متعددة الطبقات- وهي ظروف تجعل التنبؤ بسلوكها طويل الأمد باستخدام النماذج التقليدية وحدها أمرًا محدود الدقة.
وتُجسد أنظمة السكك الحديدية الحضرية ومترو الأنفاق في جميع أنحاء المنطقة هذا التعقيد، فأنظمة المترو، التي تعمل في بيئة عالية التردد ومؤتمتة إلى حد كبير، حساسة لحركة الأرض، والاهتزازات، وتغيرات درجات الحرارة، والإجهاد الهيكلي.

ويمكن أن تؤثر الانحرافات الطفيفة -مثل هبوط المسار، أو تشوه النفق، أو حركة الهياكل المرتفعة- على السلامة وموثوقية الخدمة إذا لم يتم اكتشافها مبكرًا. ويتيح الرصد المستمر للمشغلين التمييز بين السلوك التشغيلي الطبيعي وعلامات الخطر المبكرة، مما يسمح بالتدخل قبل حدوث أي خلل.

وينطبق الأمر ذاته على البنية التحتية المبنية على أراضٍ مستصلحة، فمع أن الاستصلاح يفتح المجال لتشييد مشاريع استراتيجية بالقرب من السواحل، فإنه يحمل معه تحديات جيوتقنية طويلة الأمد، مثل انضغاط التربة الذي يؤدي إلى انخفاض منسوب سطح الأرض والتفاعلات مع المياه الجوفية والبيئة البحرية. وغالبًا ما تتطور هذه التغيرات ببطء وبشكل غير ملحوظ، بحيث لا تظهر المخاطر إلا بعد أن تبدأ بالتأثير في المباني أو الطرق أو المرافق أو شبكات النقل الفوقية، ما لم تُرصد بشكل مستمر.
ومن هنا تبرز أهمية المراقبة الهيكلية والجيوتقنية المستمرة، إذ تُمكّن المهندسين والمشغلين من تقييم أداء البنية التحتية في ظروف التشغيل الفعلية، لا وفق الافتراضات النظرية التي وُضعت خلال مرحلة التصميم. وهنا تتجلى القيمة الحقيقية للمراقبة الذكية بوصفها ركيزة أساسية في إدارة مخاطر البنية التحتية.
هذا التحول لم يعد مجرد رؤية مستقبلية، بل أصبح واقعًا ملموسًا، ففي مختلف أنحاء الشرق الأوسط، يتجه أصحاب المشاريع والجهات التنظيمية والمشغلون إلى دمج تقنيات الاستشعار والتحليلات اللحظية ضمن مراحل التصميم والمراقبة والصيانة للبنية التحتية الحيوية، ولم يعد الجدل يدور حول جدوى المراقبة الذكية بل بات يتركز على مدى تسريع تعميمها وتوسيع نطاق تطبيقها.
وفي هذا السياق، تكتسب منظومة الاستشعار الفوري، وبيانات الأداء، والتحليلات المتقدمة أهمية محورية، إذ تسهم في تحويل الأصول الثابتة إلى أنظمة ديناميكية نابضة بالمعلومات.. فهي تتيح الكشف المبكر عن مواطن الخلل، وتعزز الصيانة التنبؤية، وتدعم اتخاذ قرارات مستنيرة على امتداد دورة حياة الأصول العمرانية. وبهذا تنتقل المدن من نهج الاستجابة للأعطال بعد وقوعها إلى نهج استباقي يمنع حدوثها في الأساس.
والأثر الاقتصادي لذلك لافت للنظر، حيث تُشير تقديرات ماكينزي إلى أن الصيانة التنبؤية يُمكن أن تُخفّض تكاليف الصيانة بنسبة 15-25%، وتُقلّل حالات الانقطاع غير المخطط لها بنسبة تصل إلى 50%، بالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط، تُترجم هذه المكاسب مباشرةً إلى مرونة وأمان وقدرة تنافسية عالمية.
وتحظى منطقة الشرق الأوسط بميزة هيكلية بارزة في هذا السياق؛ ففي حين تركز مناطق عريقة على إعادة تأهيل أنظمتها المتقادمة وإكسابها سمات الذكاء، تشهد المنطقة اليوم زخماً كبيراً في تطوير بنى تحتية جديدة أو إعادة تأهيلها، الأمر الذي يتيح دمج منظومات البيانات والتحليلات المتقدمة منذ المراحل الأولى للتصميم.

ومع تزايد ترابط الأنظمة وتعاظم دورها الحيوي، تصبح كلفة غياب الرؤية والبيانات الدقيقة أعلى بكثير من كلفة الاستثمار في رؤية شاملة ومتكاملة.

وعليه، لم تعد المراقبة الذكية للبنية التحتية خيارًا تكميليًا، بل ضرورة استراتيجية تمهّد الطريق لتكون بمثابة «نظام التشغيل» لجيل النمو المقبل في المنطقة.

تم إعداد هذه المقالة لصالح CNN الاقتصادية، والآراء الواردة فيها تمثّل آراء الكاتب فقط ولا تعكس أو تمثّل بأي شكل من الأشكال آراء أو وجهات نظر أو مواقف 

شاهد أيضاً

زينب السجيني جعلت من الأمومة أسطورة تشكيلية

خلال مسيرتها الحافلة، نجحت زينب السجيني في تثبيت مجموعة من العلامات الدالة على طبيعة عالمها، …