الرئيسية / صحافة ورأي / علوم الجينوم.. محرك رئيسي يدعم التحول نحو الوقاية والاستباقية

علوم الجينوم.. محرك رئيسي يدعم التحول نحو الوقاية والاستباقية

د. محمد العامري
د. محمد العامري
مدير إدارة الجينوم والبنك الحيوي في دائرة الصحة أبوظبي
 
لا تزال الرعاية الصحية أولوية رئيسية للحكومات حول العالم، في ظل تحديات متزايدة تشمل ارتفاع التكاليف، وتسارع وتيرة الابتكار مقارنة بسرعة تطبيقه على أرض الواقع، إضافة إلى الحاجة المتنامية للنظر إلى الرعاية الصحية بوصفها بنية تحتية تستدعي التكامل والتطوير بمفهوم شامل.
وتتجه العديد من الدول اليوم نحو التحول من الرعاية الصحية التقليدية إلى الرعاية الاستباقية القائمة على الوقاية ومنع الإصابة بالمرض قبل حدوثه، للحد من العبء الاجتماعي والمادي الذي يفرضه المرض وتمكين الأفراد من التمتع بحياة صحية مديدة.
وتبرز البصمة التي وضعتها دولة الإمارات في علوم الجينوم باعتبارها إنجازاً وطنياً يستحق التوقف عنده، لما يحمله من أثر استراتيجي يعزز مستقبل الرعاية الصحية ويواكب التحول العالمي نحو الطب الوقائي والاستباقي، إنجاز لا تمكن قراءته كبرنامج صحي تقني فحسب، بل كنقلة نوعية أعادت تعريف مفهوم الاستدامة في القطاع الصحي، فالانتقال من نموذج علاجي تفاعلي إلى نموذج تنبؤي وقائي لا يحسّن النتائج الصحية فقط، بل يخفّف الأعباء الاجتماعية والمعنوية والمالية طويلة الأمد على النظام الصحي، ويعزّز كفاءة تخصيص الموارد في الاقتصاد ككل من أجل رفاه وسعادة المجتمعات.
المؤشرات العالمية تؤكد أن الجينوم لم يعد قطاعاً بحثياً محدوداً، بل صناعة قائمة بذاتها، فقد بلغ حجم سوق الجينوم العالمي نحو 23 مليار دولار في 2020، مع توقعات بتجاوزه 62 مليار دولار بحلول 2028، مدفوعاً بتوسع تطبيقات الطب الدقيق في التشخيص والعلاج وتطوير الأدوية، كما تشير تحليلات اقتصادية في عدد من الدول المتقدمة إلى أن الاستثمار في أبحاث الجينوم وعلوم الحياة يحقق عوائد مضاعفة عبر الابتكار الصناعي، وخلق وظائف عالية المهارة، وتعزيز سلاسل القيمة في قطاع التقنيات الحيوية.
وفي موازاة هذا النمو انخفضت تكلفة جمع وإتمام تسلسل الجينوم الكامل بشكل جذري؛ إذ تراجعت من 1,392 دولاراً في 2018 إلى 525 دولاراً في 2022، وفق بيانات المعهد الوطني الأميركي لأبحاث الجينوم البشري، ومؤخراً أسهمت تقنيات أحدث في خفض التكلفة إلى ما يقارب 100 دولار للعينة الواحدة، ما يجعل الفحص الجيني أكثر قابلية للتطبيق على نطاق سكاني واسع، هذا التحول في الكلفة يغيّر المعادلة الاقتصادية جذرياً، إذ ينتقل الجينوم من خدمة متخصصة محدودة إلى أداة وقائية قابلة للتوسع ضمن نظم الصحة العامة.
عند توظيف بيانات برنامج الجينوم الإماراتي ضمن منظومة الطب الدقيق، يصبح بالإمكان قراءة المخاطر الصحية المحتملة قبل أن تتحول إلى واقع سريري يتطلب رحلة علاجية طويلة ومرهقة للمريض وللمنظومة الصحية، هذه القراءة لا تعني تشخيصاً أسرع فحسب، بل تعني تعزيز الوقاية ورفع الكفاءة وخفض الضغط على القطاع الصحي والإنفاق المرتبط بالمضاعفات، وتقليص مسارات علاج طويلة ومعقدة.
ويمثل إدراج الاختبار الجيني ضمن فحوصات ما قبل الزواج نموذجاً واضحاً لهذا النهج، إذ إن الوقاية من انتقال بعض الاضطرابات الوراثية لا تحمي الأسرة فقط، بل تُبشر بمستقبل أكثر صحة للأجيال المقبلة، وبالتالي فالاختبار الجيني يُمثل استثماراً يرتقي بجودة حياة الأفراد اليوم وفي المستقبل.
وينطبق الأمر ذاته على الفحص الجيني للمواليد الجدد، فالتشخيص المبكر يتيح التدخّل في مراحل مبكرة، ما يعزز من فعالية العلاج والتدخل في الوقت المناسب، الفرق بين الاكتشاف المبكّر والمتأخّر لا يُقاس طبياً فقط، بل يُترجم معنوياً واجتماعياً إلى جودة حياة أفضل للطفل وأسرته.
ولا يأتي هذا الطرح من منظور إداري أو تقني فقط، بل يستند إلى خبرة عملية في تصميم حلول سلوكية ذات أثر وطني، خلال مشاركتي في الدفعة الرابعة من برنامج خبراء الإمارات، عملتُ على مبادرة تستهدف الحد من انتشار الأمراض الوراثية النادرة عبر أدوات سلوكية تعزّز الإقبال على فحوصات ما قبل الزواج وترفع الوعي المجتمعي، وقد أكدت هذه التجربة أن إدارة المخاطر الصحية تبدأ بتغيير السلوك، وأن الاستثمار في الوقاية لا يقتصر على المختبرات، بل يمتد إلى المجتمع ذاته.
أما الصيدلة الجينية فهي تعكس بعداً آخر من كفاءة النظام، اختيار الدواء المناسب من المحاولة الأولى يعزز من كفاءة العلاج ويقلل الهدر الدوائي، ويحدّ من المضاعفات، ويرفع الإنتاجية المجتمعية عبر تقليص فترات المرض وعدم الاستجابة للعلاج.
وعلى مستوى أوسع، الاستثمار في البنية التحتية الجينومية يعزّز مكانة الإمارات كمركز إقليمي لعلوم الحياة، ويخلق منظومة متكاملة تجمع بين البحث العلمي والتطبيق السريري والاستثمار الصناعي، هذه المنظومة لا ترفع جودة الرعاية الصحية فقط، بل تدعم بناء اقتصاد معرفي قائم على البيانات والتقنيات الحيوية.
غير أن هذا التحوّل يتطلّب حوكمة دقيقة وإدارة مسؤولة للبيانات الجينومية، لضمان حماية الخصوصية وتعزيز الثقة المجتمعية، لأن القيمة الاقتصادية لا تنفصل عن الثقة المؤسسية.
في النهاية الجينوم ليس مجرد شيفرة بيولوجية، بل أداة لإعادة ضبط معادلة الصحة والوقاية وجودة الحياة والاقتصاد معاً.

د. محمد العامري، مدير إدارة الجينوم والبنك الحيوي في دائرة الصحة – أبوظبي، وخبير في «برنامج خبراء الإمارات»

تم إعداد هذه المقالة لصالح CNN الاقتصادية، والآراء الواردة فيها تمثّل آراء الكاتب فقط ولا تعكس أو تمثّل بأي شكل من الأشكال آراء أو وجهات نظر أو مواقف شبكة CNN الاقتصادية.

شاهد أيضاً

زينب السجيني جعلت من الأمومة أسطورة تشكيلية

خلال مسيرتها الحافلة، نجحت زينب السجيني في تثبيت مجموعة من العلامات الدالة على طبيعة عالمها، …