الرئيسية / صحافة ورأي / هل تقود الرقمنة مستقبل سوق السيارات السعودي؟

هل تقود الرقمنة مستقبل سوق السيارات السعودي؟

أحمد التوبة
أحمد التوبة
الرئيس التنفيذي لمنصة موتري
 
يشهد قطاع السيارات تحولات نوعية خصوصاً في المملكة العربية السعودية، فقد أسهم التطور السريع للمنصات الرقمية وتغير سلوك المستهلكين والابتكارات التقنية المتقدمة في إحداث نقلة نوعية بأساليب بيع وشراء وامتلاك السيارات. 

وفي هذا السياق، أحرزت المملكة تقدماً كبيراً في مسيرتها نحو التحول الرقمي، إذ احتلت عام 2024 المرتبة الثانية بين دول مجموعة العشرين في مؤشر تنمية الاتصالات والتقنية الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات التابع للأمم المتحدة.

ويجسد هذا الإنجاز التقدم الملموس للمملكة على صعيد السياسات الرقمية والمدن الذكية وخدمات الحكومة الإلكترونية. ولا يقتصر هذا الالتزام بالابتكار التقني على القطاع الحكومي فحسب، بل يمتد تأثيره إلى القطاع الخاص، حيث تزداد قناعة الشركات بأهمية المنصات سريعة الاستجابة وذات التفاعل اللحظي في تحسين تجربة المستخدم.

في السابق، كان الكثيرون يرون في عملية شراء السيارة مهمة شاقة، خاصة في ظل مفاوضات الأسعار المرهقة وإلحاح مندوبي المبيعات، إلّا أن التوجهات الجديدة تكشف تغيراً واضحاً في سلوك المستهلكين.

فقد أظهر تقرير «مستقبل التنقل بالسيارات لعام 2024» الصادر عن آرثر دي ليتل، أن 53% من المشاركين في الاستبيان من الشرق الأوسط أبدوا استعدادهم الكامل لشراء سياراتهم عبر الإنترنت، وهي النسبة الأعلى عالمياً.

ورغم أن هذه الإحصائيات تشير إلى إقبال كبير على رقمنة كاملة لعملية امتلاك السيارات، لا تزال هناك فجوة بين تطلعات العملاء والواقع الفعلي الذي توفره المنصات الرقمية، وهو ما يحتم على شركات السيارات العمل على بناء الثقة وتعزيز الوعي بفوائد التحول الرقمي الكامل في قطاع السيارات.
في ظاهرها، قد تبدو رحلة شراء أو بيع السيارة معقدة، لكنها في الحقيقة ليست كذلك، فقد أثمرت التقنيات الحديثة، التي تغطي كل مراحل عملية الشراء بدءاً من البحث عن السيارة وصولاً إلى خدمات ما بعد البيع، عن توفير عدد وافر من الحلول التي تضمن للمستخدم تجربة أكثر فاعلية ووضوحاً وسهولة.
فعلى سبيل المثال، تتيح أدوات المقارنة الرقمية للعملاء اتخاذ قرارات شراء أكثر وعياً ودقة من منازلهم، حيث يمكنهم مقارنة المواصفات الأساسية مثل السعر، وحجم المحرك، والقوة الحصانية، وكفاءة استهلاك الوقود، ومزايا السلامة، والتصميم، كما تبسّط خدمات تسعير السيارات الرقمية عملية البيع أو المقايضة من خلال الاعتماد على بيانات لحظية ومعايير سوقية موثوقة لتقديم تقديرات دقيقة.
وإلى جانب الأدوات التقليدية، تأتي تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحدث نقلة نوعية في تجربة المستخدم، حيث يمكن لهذه التقنيات تحليل كميات هائلة من البيانات لتوقع الطرازات التي تلائم اهتمامات العملاء واحتياجاتهم، ما يقلل تعقيدات اتخاذ القرار، ويمنح العملاء الطمأنينة في ظل وفرة الخيارات.
كما تُسهم روبوتات الدردشة والمساعدات الافتراضية المدعومة بالذكاء الاصطناعي في تقديم الدعم الفوري على مدار الساعة، سواء عبر الإجابة عن الاستفسارات أو تقديم التوصيات أو مرافقة العميل في رحلته الشرائية.
ولا تقتصر التحديات على اختيار السيارة فحسب، بل تشمل أيضاً الإجراءات المالية المرتبطة بعملية الشراء، مثل الأوراق، والتأمين، والمفاوضات. وقد باتت المنصات الرقمية اليوم تمكّن المستخدم من إجراء عمليات التحقق، والفحوص الائتمانية، والحصول على الموافقة على القروض إلكترونياً.

فعلى سبيل المثال، يوفر موقع موتري.كوم للمستخدمين إمكانية التواصل مع شركاء موثوقين يقدمون طرق دفع متنوعة وحلول شراء مرنة، ما يعزز مستويات المرونة والراحة لدى شريحة واسعة من المستخدمين.

يشهد قطاع التجارة الإلكترونية المتعلق بالسيارات في المملكة نمواً متسارعاً. فبحسب تقريرIMARC Group بلغ حجم سوق شراء السيارات عبر الإنترنت نحو 3.2 مليار دولار في عام 2024، ومن المتوقع أن يصل إلى نحو 7.7 مليار دولار بحلول عام 2033 بمعدل نمو سنوي مركب يقارب 9.2%.
وتعكس هذه المبادرات التوجه الاستراتيجي للمملكة نحو تعزيز موقعها مركزاً إقليمياً للتقنية والذكاء الاصطناعي، حيث تستهدف السعودية استقطاب استثمارات تصل إلى 21 مليار دولار في مجال الذكاء الاصطناعي بحلول عام 2030 مع تطبيقات مباشرة في قطاع السيارات مثل القيادة الذاتية، حلول الصيانة التنبؤية، واستخدام تقنية البلوكشين في التجارة وسلاسل التوريد. فبحسب بيانات جراند فيو ريسيرتش، من المتوقع أن يصل حجم سوق تقنية البلوك تشين في قطاع السيارات بالمملكة إلى نحو 147.3 مليون دولار أمريكي بحلول عام 2030، تشمل هذه التقنية توفير سجل رقمي لا يمكن التلاعب به لدورة حياة المركبة الكامل، يمكن للمشترين الاطمئنان إلى دقة المعلومات واتخاذ قرارات شرائية مبنية على بيانات موثوقة. إضافة إلى ذلك فإن شركة Humain التي أطلقها الصندوق السيادي السعودي تُعنى بالبنية التحتية للذكاء الاصطناعي، النماذج الكبيرة («Large Language Models»)، ومراكز البيانات، وهذا يضع قاعدة لبناء قدرات الذكاء الاصطناعي التي يمكن أن تُستخدم في السيارات الذكية، القيادة الذاتية، تنبؤات الصيانة وغيرها.
ورغم هذه القفزات التقنية المدعومة بالمبادرات الحكومية والشبه حكومية، لا تزال هناك تحديات تعيق الوصول إلى الاستفادة الكاملة من هذه الابتكارات. من أبرزها التردد في الاعتماد على الحلول الرقمية بشكل كامل. ويستلزم سد هذه الفجوة التعاون الوثيق بين المصنعين والموزعين، لضمان تقديم تجربة سلسة ومتكاملة للعملاء. وفي هذا الإطار، فإن التعليم الرقمي، والتثقيف، والدعم المستمر تعد من العوامل الجوهرية في تعزيز ثقة المستهلك.
وفي المقابل، من غير المرجح أن يتخلى العملاء تماماً عن زيارة صالات العرض؛ ففي حين تلعب التقنيات دوراً مهماً في الارتقاء بطريقة شراء السيارات وبيعها وامتلاكها، ما زال العملاء بحاجة إلى التفاعل الملموس مع المركبة التي تشكل عنصراً رئيسياً في حياتهم اليومية. إن المستقبل لا يكمن في المفاضلة بين الرقمي والتقليدي، بل في بناء تجربة هجينة تُلبي توقعات العملاء الرقمية دون التفريط بعنصر التفاعل الإنساني الذي يظل جزءاً لا يتجزأ من تجربة اقتناء السيارة.

تم إعداد هذه المقالة لصالح CNN الاقتصادية، والآراء الواردة فيها تمثّل آراء الكاتب فقط ولا تعكس أو تمثّل بأي شكل من الأشكال آراء أو وجهات نظر أو مواقف شبكة CNN الاقتصادية

أحمد التوبة، الرئيس التنفيذي لمنصة موتري، يتمتع بأكثر من 25 عاماً من الخبرة في قطاع السيارات والخدمات المالية والتسويق والتحول الرقمية يحمل ماجستير إدارة الأعمال من مدرسة وورك للأعمال ودبلومة عليا في القيادة الرقمية من الكلية نفسها.

شاهد أيضاً

القصر الكبير” يستعيد السنوات الأخيرة من مسار ماتيس 

مهى سلطان أعاد ماتيس في سنوات الشيخوخة صياغة عالمه الداخلي عبر القصاصات الورقية الملونة والأشكال السابحة في …