الرئيسية / صحافة ورأي / مستهدف التضخم والبنوك المركزية على مفترق طرق

مستهدف التضخم والبنوك المركزية على مفترق طرق

دكتور جلال قناص
دكتور جلال قناص
أستاذ مساعد في قسم المالية والاقتصاد في جامعة قطر
 

لماذا يجب إعادة التفكير في التضخم في عالم جديد من صدمات العرض وحاله اللايقين؟ ديناميكيات التضخم وتحدي الاستجابة المناسبة من قِبل البنوك المركزية، وعلى رأسها البنك الاحتياطي الفيدرالي.

تحول في فهم التضخم: لقد اعتدنا نموذجاً تقليدياً للتضخم، حيث كان يُنظر إليه بشكلٍ أساسي على أنه ظاهرة مرتبطة بالطلب الزائد. كانت البنوك المركزية تستخدم أدواتها مثل رفع أسعار الفائدة للتحكم في الطلب الكلي وخفض التضخم. هذا النموذج ربما كان ناجعاً في فترات سابقة، لكن الأزمات الأخيرة، بدءاً من جائحة كوفيد-19 وصولاً إلى الصراعات الجيوسياسية، كشفت عن قصور هذا الفهم.

لقد أظهرت الأزمات أن التضخم الناتج عن صدمات العرض يمكن أن يكون أكثر قوة واستمرارية مما كان يُعتقد. فبدلاً من أن يكون مجرد ارتفاع في الأسعار بسبب كثرة الأموال التي تطارد سلعاً قليلة، أصبحنا نشهد ارتفاعاً في الأسعار بسبب نقص السلع والخدمات نفسه.

يرى رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول، أن المشكلات الهيكلية في جانب العرض ستشكّل تحديات أكبر في المستقبل، وتشمل هذه المشكلات التغيرات في سلاسل الإمداد العالمية، والتحولات في أسواق العمل، وربما الأهم من ذلك، التغيرات الجيوسياسية التي تعيد تشكيل التجارة العالمية. 

صدمات العرض ليست عابرة، بل هي جزء من تحول هيكلي قد يتطلب إعادة تفكير شاملة في السياسة النقدية.

هل هدف 2% مقدس؟ 

كان هدف التضخم البالغ 2% حجر الزاوية في سياسات البنوك المركزية لمعظم الاقتصادات المتقدمة لعقود. وقد تم تبنيه لأسباب وجيهة، فهو ربما كان يوفر هامشاً من الأمان ضد الانكماش ويسمح بمرونة في الأجور والأسعار. ومع ذلك، بعد جائحة كورونا والتحولات الهيكلية التي تلتها، أصبح هذا الرقم محل تساؤل. إن الإصرار على هدف 2% قد يكون غير منطقي في بيئة اقتصادية جديدة تماماً.

إن مشكلاتنا اليوم ليست فقط دورية، بل هي هيكلية. فالتغيرات الديموغرافية، حيث يرتفع متوسط أعمار السكان في العديد من الدول، تؤثر في الإنتاجية والعمالة. إضافة إلى ذلك، هناك التحديات البيئية والمناخية التي تتطلب استثمارات ضخمة في البنية التحتية للطاقة، ما قد يرفع التكاليف. التوترات الجيوسياسية تزيد الأمور تعقيداً؛ فالحروب التجارية والصراعات الإقليمية تعوق تدفق السلع والخدمات، ما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار بشكل مباشر.

إن محاولة خفض التضخم إلى 2% في ظل هذه الظروف الهيكلية قد يتطلب تشديداً نقدياً مفرطاً، ما قد يدفع الاقتصادات إلى الركود ويزيد البطالة ويخلق حالة من عدم الاستقرار المالي.

نحو سياسة نقدية أكثر مرونة

إن الحل يكمن في تبني مقاربة أكثر واقعية ومرونة. أولاً، يجب على البنوك المركزية أن تتبنى فهماً أعمق لديناميكيات التضخم، مع الاعتراف بأن العوامل الهيكلية في جانب العرض تلعب دوراً محورياً. ثانياً، يجب عليها أن تراجع أهداف التضخم، فربما يكون هدف أعلى قليلاً مثل 3% أو 4% أكثر واقعية وملاءمة للظروف الاقتصادية الجديدة. لقد بدأت بعض الأبحاث تشير إلى هذا الاتجاه. على سبيل المثال، يرى بعض الاقتصاديين مثل أوليفييه بلانشارد، أن الهدف يجب أن يكون أعلى. وفي ورقة بحثية صادرة عن صندوق النقد الدولي، نوقش أن التضخم الناتج عن عوامل العرض قد يكون أكثر استدامة. علينا أن ندرك أن البنوك المركزية ليست لديها الأدوات اللازمة لحل جميع المشكلات.

فرفع أسعار الفائدة لا يمكنه بناء مصانع جديدة أو حل مشكلات سلاسل الإمداد. لذلك، يجب أن يكون هناك تنسيق أكبر بين السياسة النقدية والسياسات المالية، وأن تركّز الحكومات على معالجة المشكلات الهيكلية.

في الختام، إن استمرار التمسك بالأهداف القديمة دون مراعاة التغيرات الهيكلية في عالمنا قد يضعنا أمام خيارات صعبة: إما تضخم مستمر أو ركود عميق.. علينا أن نكون مستعدين لإعادة التفكير في الأساسيات، فالاقتصاد يتغير، ويجب أن تتغير معه أدواتنا وفهمنا.

CNN Business News

شاهد أيضاً

القصر الكبير” يستعيد السنوات الأخيرة من مسار ماتيس 

مهى سلطان أعاد ماتيس في سنوات الشيخوخة صياغة عالمه الداخلي عبر القصاصات الورقية الملونة والأشكال السابحة في …