الرئيسية / كلمة العدد /
الغربة الثانية (11)
فَرَجٌ بعد ضَائِقَةٍ في غربةٍ لا تَرْحَمُ!     2/2
مودي حكيم
مودي حكيم

الغربة الثانية (11)
فَرَجٌ بعد ضَائِقَةٍ في غربةٍ لا تَرْحَمُ!     2/2

“ما كُتِبَ سوفَ يكونُ”.

حاولت وأنا أدخل المكتب أن أستسلم لهذه الكلمات “القدرية”، و التي نستذكرها كلما أَلَمَّ بِنا ما يجعلنا نسرف في لوم وتحميل “القدر” فيما وصلنا إليه من ملمات, وأزمات مادية ونفسانية.

وما وصلت إليه في غربتي في البلاد الغريبة كان قاسياً, ممضاً ومؤلماً… فقد وجدت نفسي بلا عملٍ ولا دخلٍ, أتجرع الكأس المُرَّة وحدي, أبعدها عن عائلتي الصغيرة, أكتم قلقي وإضطرابي, وأطوي جرجي في قلبي, وأتجلد بالصبر على الضيم.

ولقد برحت بي الحاجة, فأقساط المدارس على الأبواب, وتأمين مصاريف البيت لإكمال دورة الحياة في غربة لا ترحم, يَلِح علي ويضغط.

وكأن ذلك كله لا يكفي, حتى وجدت نفسي أمام مشكلة سداد إيجار المكتب. فحسب بنود القانون الإنجليزي المُنَظِّم لعلاقة المؤجر والمستأجر, فإن الموّقِع على عقد الإيجار مُلزَم بتطبيق بنوده, وما إقتضاه من مبلغ شهري هو “بدل الإيجار”, إضافة الى مستلزمات الصيانة التي يتحمل تكاليفها المستأجرون بالتساوي.

وكوني الموّقِع بالإنابة عن “دار روز اليوسف” التي يعتبرها القانون “كياناً معنوياً”, فأصبح من المحتم اللازم عليَّ تحمل النفقات كافة, وتنفيذ ما جاء في عقد الإيجار المُبرَم ومدته سنوات أربع.

وفي حال فسخ العقد والتخلي عن المكان, فإنه عليَّ إنذار المؤجر بذلك, ومنحه مهلة أربعة اشهر, عليّ خلالها متابعة تسديد الإيجار شهرياً.

غلى الدم في رأسي وفار. حرت من أين أتدبر ما يُسعف, على الأقل سداد إيجار المكتب, ناهيك عن المستلزمات الحياتية الأخرى.

نفضت اليأس، وقررت مواجهة الأزمة الخانقة, ورحت أفكر في هدأة, وبذهن صافٍ أحتسب خطواتي, أتغلب على قلقي وتوجسي, وشيئاً فشيئاً رحت أتحرر من خوفي من عتمة المجهول, فتمكنت من إستعادة زمام الأمور.

حاولت الإستفادة من شبكة علاقاتي, لعلى أجد فيمن عرفت و وثقت, فرصة عمل أو من يسعف بمشورة, أو يفتح طاقة في الحائط المسدود.

وحدث أني كنت أقرأ, في بعض الأيام, جريدة “فايناشيال تايمز” Financial Times التي لم تغير لون ورقها الزهري ولا لون حبرها, ولا تخلت عن رصانتها, مقالاً عن “الوافدين العرب” الى بريطانيا, وأن لندن بدأت تتفوق على باريس, في إقبال العرب عليها.

وإحتسبت الجريدة مايُدخلُ هؤلاء إلى السوق البريطانية… وفي جداء الحساب, تبين لها أن بين الوافدين العرب بعض الموسرين, الذين راحوا يستثمرون ما عندهم في بيوت مالهم في المجالات التجارية والمالية والإستثمارية شتى. فإستفادت منهم المصارف والشركات التجارية والمالية, وطبعاً خزينة الدولة من جباية الضرائب.

وعرجت “فاينانشيال تايمز” في كلامها على “الصحافة المهاجرة”,  التي حملت مطبوعاتها الى لندن. وتلك الهجرة “المُرغَمة”, كما وصفتها الجريدة, حدثت بعدما رقصت بيروت, مثل سدوم وعمورة, رقصة الموت, وحرقت نفسها أم حرّوقها, إنتحرت أم نحروها. هي التي كانت قبل سنة 1975 موئل الفكر الحر, وملجأ المفكرين والمثقفين العرب الهاربين من جور السلاطين, وجزمات العسكر, فراحوا يعبّون من خيرات الحرية فيها ويبدعون.

ولقد سبقت باريس جارتها لندن في إستقبال الصحافة اللبنانية, ثم بعدها العربية. ففتحت صدرها أولاً لمجلة “الدستور”, ثم لمجلة “الوطن العربي” التي ولدت من رحم جريدة “المحرر”. وبعدها, حمل نبيل خوري إليها إمتياز مجلة “المستقبل” التي إشتراها له المتمول الفلسطيني فيصل أبو خضرا  من هنري إده, الوزير السابق في”حكومة الشباب” التي شكلها صائب سلام, وكانت أولى حكومات عهد سليمان فرنجية, و هو العهد سيء السمعة, الذي إنتهى بتدمير لبنان.

أما لندن, فقد صدرت فيها أولاً مجلة Events الشقيقة الإنجليزية لمجلة “الحوادث”, التي  هاجرت بدورها من “عين الرمانة” االى “هارينجتون جاردن” في قلب لندن.

وجاء “البترو – دولار” السعودي, فكانت “جريدة الشرق الأوسط” وما تبعها من مجلات.

ولهجرة الصحافة اللبنانية, ثم بعدها العربية, الى لندن وأسبابها وأثرها وتأثيرها, مقامات رأي وتحليل, ليس هنا منفسح للتوسع فيها, وستأتي الإستفاضة عنها فيما بعد.

***

كان الليل في تلك الليلة ميتاً, يقطر سواداً وشحيح الضوء, لفّ مدينة “كرويدن” حيث بيتنا, بجلبابه.

لم يغادرني ما قرأت في “فاينانشيال تايمز”, دارت الكلمات في ذهني, توقفت عند بعضها, راوغتني الأفكار, تأتي الى ذهني عجلى ثم تتلاشى, وتفسح المجال لغيرها, لتتناطح معها.

ومن غامض علم الله, ومض خاطر في ذهني:

الصحافة تُكتب بالأحرف, والأحرف بحاجة الى “تنضيد”, والتنضيد ما عاد يجمع الأحرف بالأصابع, ويسّتف في عواميد من الرصاص, فلقد دخل الحرف على الآلة, والآلة على الصحافة.

ماذا لو حوّلت مكتب “روز اليوسف” المُجبر على سداد إيجاره, الى محتَرف للتنضيد والترجمة, وكل الخدمات التي تحتاجها المطبوعة العربية في بلاد الإنجليز… خصوصاً أن المطابع البريطانية لم تكن تعرفت بعد على اللغة العربية, وأن المطبوعة العربية تفتح صفحاتها من اليمين الى الشمال, عكس المطبوعة الأجنبية… ولم تكن تلك المطابع أيضاً تعرفت على أحرف الطباعة العربية, على الرغم من أن الشركات التي أنتجت “مونو تايب” Monotype و”لاينوتايب”Linotype و”إنترتايب” Intertype هي في الأصل بريطانية. وكانت البدايات  في السوق العربية تقليد “الخط الأميري” وتعديله, ليناسب تلك الآلات في حقبة الطباعة بشرائط المعدن المسبوك, وهو خط “لوتوس لاينوتايب” Lotus Linotype عن تلك الخطوط الأصلية.

وأخذت الفكرة تترسخ في ذهني, كانت الحكومات البريطانية المتعاقبة, تشجع المبادرة الفردية  في بدء نشاط تجاري في بريطانيا, وتسهل لهم الإجراءات, شريطة أن بكون الراغب قد أعد دراسة جدوى Feasibility Study دَرَس فيها السوق, وحلّل فيها أيضاً مدى قابلية المشروع للنجاح, ومدى ديمومته وإستمراره. وتلك السياسة حققت اليوم تواجد ستة ملايين شركة في القطاع الخاص, وفقاً للإحصائيات الرسمية.

وقتها كان المطلوب إختيار إسم الشركة وتحديد وضعها: شركة مساهمة, أم محدودة المسئولية  Limitedوهذا النوع من الشركات واسع الخدمات, فإخترتها. وما عليك سوى رفع طلب إنشاء الشركة الى “مركز تسجيل الشركات” Companies House  مرفقاً بالرسوم المطلوبة (كانت في ذياك الزمن جنيهاً إسترلينياً واحد, أصبح في هذه الأيام 300 جنيه إسترليني) فيعكف المسؤولون فيه على دراسة الطلب, والتأكد من أن إسم الشركة ليس متداولاً, وليس له صنو في لائحة الشركات المسجلة. بعدها, يُصدر المركز شهادة تسمح لك ببدء العمل ومزاولة النشاط. واذا ما نجحت الفكرة, يمكن تحويل الشركة الى شركة عامة وتداول أسهمها بين عامة الناس اذا رغبت في هذا.

إخترت شريكة حياتي لمشاركتي في مشروعي الجديد وأسميت  الشركة “”مركز مودي للترجمة والتنضيد الطباعي”

Moody Translation and Typesetting Center

وأصبح للمشروع شكل قانوني وبقي إختيار وشراء آلات الصف. كان “التنضيد” الضوئي أو “الجمع التصويري “Phototype Composition بدأ ينتشر, و قد حل مكان التنضيد الآلي بتجهيز الحروف المعدنية بالسبك الحراري. وأصبح المطلوب أثناء عملية التنضيد هو شريط من شريحة فيلمية سالبة, مصور فيها كل أشكال الحروف لطراز من الأطرزة , وعند إسقاط شعاع ضوئي على الحرف المطلوب من خلال عدسة،, يتأثر السطح الفيلمي أو الورقي الفوتوغرافي. وبعد عملية التظهير تنطبع الصورة الموجبة لأشكال الحروف المصفوفة.

كان من المهم إختيار الآلة المناسبة للأحرف العربية الجميلة التي تلائم الصحف والمجلات، فلكل شركة أحرف مصممة خصيصا لها، تتميز بها لدرجة أن الحرف يسمي بإسم الآلة المنتجة من الشركات الثلاث.

إن تطوير الحرف العربي الطباعي وملاءمته للمطبوعات العربية المختلفة بدأ عام 1965، عندما صمّم اللبناني نبيه جارودي “خط ياقوت” للإستخدام على آلات Linotype  للصب المعدني. فمع إزدهار الصحافة اللبنانية في الخمسينيات من القرن الماضي, برزت الحاجة الى خطوط مبسطة تسرع من عملية التنضيد. دعمت جريدة “الحياة” اللبنانية نبيل جارودي لتطوير ما يعرف بالخط العربي المبسط, الذي يعتمد طريقة الآلة الكاتبة في إختصار الأشكال المطلوبة لطباعة الخط العربي الى “محرفين” بدلاً من” المحارف العديدة”, وأُطلق على الخط الجديد اسم “ياقوت” تيمُنا بالخطاط العربي ياقوت الحموي,  ومن ثم قامت الشركة بتحويل التصميم الى التنضيد الضوئي ثم الى خط رقمي فيما بعد.

بدأت مرحلة البحث والتحري والحصول على عروض أسعار شراء من الشركات المصنعة، لأصطدم بالواقع: أسعار  تربو على خمسة وعشرين ألف جنيه إسترليني، وهو رقم يفوق التوقعات و الخيال, لا أملك منه شئ.

أسقط بيدي وخشيت أن تتحول الفكرة الى حلم يقظة بدوافعه ورغباته وأمانيه أسعي اليه، و ينتهي بصدمة ويموت الحلم في البرعم. ولكن إيماني بمقولة الكاتبة الفرنسية جورج صاند:

” اذ لم أجد طريقي في الأرض المعبدة ، فإني سأقتحم القمم الصخرية الشاهقة من دون تذمر، لأني أعلم أن كل جهد يتضمن فى ذاته الجزاء الكافي عنه … وأن الآفاق الواسعة تنتظرني فى آخر الطريق”.

قررت أن أتخذ من هذه المقولة سراجًا يضئ لي الطريق، وخير نبراس في إحتكار الدياجي.

 

مودي حكيم       

 

 

شاهد أيضاً

فى عالم مجنون «2»
المجنون والسياسة !

فى فوضى سياسية واقتصادية متسارعة يتجه العالم نحو مرحلة شديدة التعقيد ، فى عالم مجانين …