الرئيسية / صحافة ورأي / بين العبقرية الفذة والسقوط الإنساني !

بين العبقرية الفذة والسقوط الإنساني !

مودي حكيم
مودي حكيم

 

من الصعب على أى كاتب التعرض لسيرة رجل عبقرى لكنه زل فحبس بالسجن، أو أن يعرض أو يوثق شخصية رجل يجمع بين العبقرية الفذة والسقوط الإنسانى أو الكتابة عنها، فالعبقرية لا تحمى صاحبها من الضعف الإنسانى، ويصعب على الكاتب مواجهة الفكرة المعتادة لدى المجتمع بأن العبقرى يجب أن يكون مثالياً، والكتابة هنا عن هذه الشخصية ليست لإبراز كيف أن الخطأ قد يكون مدفوعاً بـ «جنون العبقرية» أو الطموح الأعمى وصاحبنا، يعد أحد أشهر الحكائين وأكثرهم مبيعاً فى تاريخ الأدب الحديث، وتتميز رواياته بالحبكة السريعة والاعتماد على قصص الصعود من القاع إلى القمة. ومع ذلك الرجل وقع فى المحظور، فقد قضى الروائى والسياسى البريطانى جيفرى آرتشر سنتين ويومين (أى ما يعادل نصف العقوبة تقريبًا) فى السجن. وعلى الرغم من أنه حُكم عليه رسميًا بالسجن لمدة أربع سنوات فى يوليو 2001 بعد إدانته بتهم شهادة الزور (الحنث باليمين) وتعطيل مجرى العدالة، إلا أنه أُفرج عنه مبكرًا بموجب إطلاق سراح مشروط فى يوليو 2003 بعد قضائه نصف المدة.

وصادف أن شاهدت أثناء تواجدى بلندن مع بداية هذا الشهر أكتوبر «تشرين الأول» مقابلة للورد جيفرى آرتشر قبل وفاته المفاجئة فى الخامس من أكتوبر عن عمر ناهز 86/عاما، فى البرنامج الصباحى BBC Breakfast مع مقدم البرنامج «جون كاى» على قناة التليفزيون البريطانى. ليحكى «وُلدتُ عام 1940، لذا عشتُ السنوات الخمس الأولى من حياتى فى ظل الحرب. أتذكر أشخاصًا بذراعٍ واحدة، أو ساقٍ واحدة، أو مكفوفين؛ كان هذا شائعًا بالنسبة لى». وعندما سُئل عن سبب اختياره لهذه الرواية لتكون آخر أعماله، قال: «أعتقد أن كل شخص يتمنى أن يركض آخر 100 متر فى الأولمبياد ويفوز بالميدالية الذهبية. أعتقد أن الحكمة فى الحياة تكمن فى معرفة متى يجب الانسحاب».

تحدث فى المقابلة عن وضعه الصحى، بعد أن شُخِّصت إصابته بسرطان البروستاتا عام 2013. وقد أثبت آرتشر -الذى حظى بمسيرة أدبية ناجحة امتدت لخمسة عقود- أنه لا يزال يتمتع بصحة جيدة، وحث الرجال الذين يتباهون بـ «الرجولة والفحولة» على إجراء فحص البروستاتا. وجاءت تصريحاته أثناء حديثه مع مذيع بى بى سى عن كتابه الأخير «آدم وحواء» (Adam And Eve)، الذى صدر منذ أيام ليتزامن مع الذكرى الخمسين لمسيرته كروائى. معرباً عن امتنانه للبقاء على قيد الحياة طوال تلك الفترة، وعندما سُئل عن حالته الصحية فى تلك اللحظة، أجاب بأنه «بخير»، واستعرض لياقته البدنية بالنهوض من مقعده والجلوس عليه عدة مرات، مازحاً: «هذا أحد التمارين الكبيرة لهذا اليوم».

صدرت الرواية الأخيرة للسياسى السابق الذى تحول إلى كاتب حققت أعماله أعلى المبيعات، وذلك بعد ساعات قليلة من إعلان دار النشر عن وفاته. وكان اللورد آرتشر قد صرح سابقاً بأن رواية «آدم وحواء» (Adam & Eve) -وهى رواية تاريخية تدور أحداثها خلال الحرب العالمية الثانية- ستكون كتابه الأخير. أتى هذا الإصدار بعد مرور 50 عاماً على نشر روايته الأولى «ليس قرشاً أكثر، وليس قرشاً أقل» (Not A Penny More، Not A Penny Less) عام 1976. حولت إلى عمل إذاعى ثم إلى مسلسل تلفزيونى.

يُذكر أن اللورد آرتشر حظى بمسيرة مهنية ناجحة كروائى إلى جانب عمله السياسى، حيث مُنح لقب «نظير مدى الحياة» (Life Peer) عام 1992 وأصبح يعرف رسميا بـ«اللورد آرتشر من ويستون-سوبر-مير»، انتُخب آرتشر لأول مرة عضواً فى البرلمان خلال انتخابات فرعية عام 1969 عن دائرة لوث (Louth) فى مقاطعة لينكولنشاير، وكان حينها فى التاسعة والعشرين من عمره، شغل عضوية البرلمان عن حزب المحافظين لمدة خمس سنوات، وبحلول منتصف الثمانينيات كان آرتشر قد ألّف عدة روايات ناجحة، بالإضافة إلى قصص قصيرة ومسرحيات وكتب للأطفال. ومع ازدهار مسيرته الأدبية، عاد آرتشر إلى العمل السياسى وأصبح متحدثاً جماهيرياً محبوباً فى الفعاليات الشعبية، مما دفع مارجريت تاتشر لتعيينه نائباً لرئيس حزب المحافظين عام 1985، قبل أن يتولى منصب نائب رئيس الحزب واختاره حزب المحافظين لتمثيله فى أول انتخابات لمنصب عمدة لندن. لكن حملته انتهت حين انهار مساره السياسى عام 2001. فى الوقت الذى وُجّهت إليه فيه تهمة شهادة الزور، كان يتصدر عناوين الأخبار أيضاً بفضل أدائه دور البطولة فى مسرحيته الخاصة «المُتّهَم» (The Accused) التى عُرضت فى مسرح «رويال هايماركت» فى لندن؛ حيث لعب آرتشر دور متهم بجريمة قتل يخضع للمحاكمة، وكان الجمهور يصوّت فى نهاية كل عرض لتحديد ما إذا كانوا يعتقدون أن شخصية آرتشر مذنبة أم بريئة. بعد أن سُجن بتهمة الحنث باليمين وعرقلة سير العدالة.،. أُطلق سراحه فى أوائل عام 2003 وعاد إلى مجلس اللوردات حتى تقاعده فى عام 2024.

وفى معرض حديثه عن فترة سجنه، قال «لقد تعلمت الكثير وألفت ثلاثة كتب خلال تلك الفترة، لذا لا يمكننى التذمر». وأضاف: «أدركت مدى تميز وضعى وحظى الوفير، كما أدركت أن الشعب البريطانى متسامح للغاية. باركهم الله».

باع آرتشر، البالغ من العمر 86 عامًا، أكثر من 300 مليون نسخة من كتبه «59 عملا» خلال مسيرته الأدبية التى امتدت لخمسة عقود، بما فى ذلك سلسلة كليفتون كرونيكلز ورواية كين وآبل، وكثيرًا ما اختار مسقط رأسه، مدينة ويلينجتون فى مقاطعة سومرست، لتكون مسرحًا لأحداث رواياته. وقد اغتنم آرتشر الفرصة لزيارة مكتبة مدرسته السابقة فى مدرسة ويلينجتون.

قال آرتشر: «من الرائع العودة. ما أسعدنى حقًا وأنا أسير نحو المكتبة هو رؤية الصبية والفتيات الصغار، والتفكير: ‹هذا هو الجيل القادم›». وأضاف: «المكتبة عزيزة جدًا على قلبى لأنها تُعيد إليّ الكثير من الذكريات الجميلة». «كنتُ أحصل على منحة دراسية لأننا لم نكن نملك المال. ما كنتُ لأُقبل فى المدرسة لولا المنحة». قالت جولييت هاندلى، مسؤولة التطوير فى مدرسة ويلينجتون: «لديه طاقة وحماس كبيران، وهذا أمر رائع حقًا. لقد كان لاعب جمباز مذهلاً، وكان يعزف فى فرقة الطبول لدينا. نحن من المدارس القليلة فى البلاد التى لا تزال تحتفظ بفرقة طبول. من الجميل أن نرى هذا التقليد مستمرًا». وأضافت: «أسمع باستمرار أن المدرسة ألهمتهم لتحقيق ما حققوه، سواء فى الجغرافيا أو إدارة الأعمال، أو كما فى حالة جيفرى، كتابة الكتب التى بيعت فى جميع أنحاء العالم… لتحقيق مسيرة مهنية ناجحة كهذه، يجب أن يكون لديك شغف كبير بها، وإلا فلن تستمر».

شاهد أيضاً

هل يختنق الأدب بين الرقابة المعاصرة والضغوط الرقمية؟

في أعقاب سحب كتب سالي روني من الأسواق البريطانية، في خطوة أثارت جدلاً واسعاً حول …