
سنصحو جميعاً ذات صباح يوم غير بعيد لنجد المدارس والثانويات والجامعات اختفت من المشهد العمراني والمؤسساتي نهائياً. وسيكون الأمر عادياً جداً.
وأمام الاختفاء، لا أحد سيردد بيت الشاعر أحمد شوقي “قم للمعلم وفّه التبجيلا… كاد المعلم أن يكون رسولا”، لأن المعلم الذي كان يثير فينا الخوف لهيبته وعلمه غادر الخشبة وأطفئت الأنوار عليه ولم يعُد له دور في المسرحية الجديدة، مسرحية المعلم والمتعلم.
بعد 50 عاماً أو أقل، ستغلق المدارس أبوابها لتتحول أقسامها إلى محال تجارية أو إلى محال للحلاقة أو إلى زنزانات انفرادية خاصة بالسجناء من ذوي المحكوميات الصعبة والقاسية.
بعد 50 عاماً أو أقل، سيجمع المعلم أغراضه البسيطة في محفظته المهترئة ويعود لبيته، ليجلس في الظل بعد قرون وقرون من الضوء وتصدر المشهد العالمي في كل الحضارات. بعدها لن يكون هناك في الحارة أو في الحي أو في القرية معلم بهدوئه وطقمه الأسود ولن تكون هناك معلمة بابتسامة مضيئة، ستختفي الطباشير وغبارها الممتع والممسحة ستختفي والسبورة السوداء ذات الجناحين هي الأخرى ستختفي من على الجدار، ولن يكون هناك تاريخ مكتوب في أعلى السبورة والذي يتجدد كل يوم، ولن يتحدث بعد اليوم أحد عن أسطورة عصا المعلم المخيفة، عن طولها وعن الشجرة التي قطعت منها، ولن تثير خوف الجيل المقبل.
يوماً بعد يوم ستصبح المدرسة بنظامها الذي كان قائماً ومكرساً حكاية تروى فتثير الاستغراب، سيصبح تجمع الأطفال والطفلات والمراهقين والمراهقات تحت سقف قسم وبجدول زمني ومواد للتدريس طوال العام والعمر، اللغة والرياضيات والجغرافيا والتاريخ والعلوم الطبيعية والفيزياء والشعر… كل هذا سيصبح خرافة زمن انطوى وولى.
سيصبح القانون الذي بموجبه على الجميع أن يلحقوا أبناءهم بالمدرسة وإلا سيتابعون قضائياً، أمراً مضحكاً، أن يسجن الطفل وعلى ذمة القانون ورضا الوالدين من عمر السادسة إلى الـ16 سيبدو مثل هذا الإجراء نكتة من أعرق النكت التي صدقها البشر ودافعوا عنها في كل مكان من المعمورة ومنذ قرون.
سيبدو الطفل- التلميذ وهو يصرف سنوات عمره سنة بعد أخرى في مؤسسة تشبه السجن مثيراً للاستغراب والاستنكار، ينتقل من قسم إلى آخر في لعبة بهلوانية من السنة الأولى حضانة ثم السنة الأولى ابتدائي مروراً بسنوات المتوسط والثانوي وصولاً إلى مدرجات الجامعة. سنصحو ذات يوم قريب، لنجد طرائق التعليم قد تغيرت، ومعها تبدلت المؤسسة التي تدير شؤون التعليم، وتغير المعلم، بل إن انقلاباً كاسحاً عصف بفلسفة التعليم برمتها، كل شيء يصبح رأساً على عقب، لن تعود هناك مؤسسة اسمها المدرسة ولا الثانوية ولا الجامعة، سيكون البشر صغاراً وكباراً يعتاشون تعليمياً على شرائح إلكترونية وبرمجيات بخوارزميات مجنونة تفتح على المجهول العالم، تفتح على الحيرة الكبرى، على هوة مستقبلية لا قرار لها.
سيصبح الطفل الذي كان يقضي أعواماً عدة في حفظ معادلة رياضية أو قاعدة لغوية نحوية أو صرفية أو معادلة كيماوية، يتعلم هذا وأكثر في رمش العين، ستزدهر زراعة الشرائح الإلكترونية في الأدمغة البشرية وتحت الجلد وفي اللسان وفي رؤوس الأصابع وفي العينين كما تزرع القرنيات، وسيلقّم جسد المتعلم البشري بمكونات خارجية إلكترونية، وسيصبح الإنسان هجيناً أو مهجناً، كائناً ما بين البشر والآلة المبرمجة، وسيصبح التعليم برمجة لا تحصيلاً.
وسيتغير مفهوم الزمن في عين الإنسان المهجن عقلياً وإحساساً، فالدقيقة لن تصبح 60 ثانية ولا العام 365 يوماً، والسرعة التي بها يدرك الإنسان المهجن عقلياً وإحساساً الزمن والمكان ستجعل الحياة التي يحياها ذات طعم آخر، تتقدم فيه وأمامه بحسب خوارزميات مسبقة، وستنتفي الحدود ما بين الزمن والمكان، وسيختلط الإنسان بالأشياء والطبيعة.
سيفتقد الإنسان ذو العقل المهجن إلى شيء أساسي وثمين كانت المدرسة الكلاسيكية تؤمنه بل هي مصدره، ونعني به تلك العلاقة الإنسانية الدافئة والمباشرة التي تُنسج بين مكونات جيل كامل من الأطفال والبنات، أجيال الغد.
في زمن الإنسان ذي العقل المهجن، سينشأ الطفل ويكبر في جو تسوده الفردانية المطلقة والمنفعة المتوحشة، ومن دون مدرسة سيعيش الجيل بكامله مع الآلة والخوارزميات يحدثها وتحدثه، ويعيش في الشاشات وأمامها، وستختفي الحدود الفيزيائية والجغرافية والزمنية ومعها يفقد الجسد حضوره وكينونته، وتصبح الحياة كلها غارقة في عبثية تكنولوجية غير مسبوقة وغير متوقعة المآلات، وسيخمد الإحساس الإنساني الدافئ ليبرز الإحساس الرقمي داخل نوع من الفوضى العالمة ذات التنظيم الهرمي المحكم والمنفلت في الوقت نفسه.
وفي ظل هيمنة سلطة مدرسة الخوارزميات، سيتغير سلم القيم الإنسانية التي تراكمت ونحتت منذ قرون، بل شكلت جوهر إنسان الذكاء الطبيعي، وستتغير هذه القيم من ناحية الأولويات وتتغير حتى المعاني أيضاً، وإن قيماً إنسانية كالخوف والموت والفرح والحرية والحب والشجاعة والضيافة والغضب والغيرة والاحترام والأسبقية والتقدير والانتباه والمقايسة والمنافسة والتعب والشقاء… كلها ستتغير وستخرج من معانيها القديمة وربما ستحمل معنى ضدياً.
وفي ظل سلطة إنسان الخوارزميات، ستتغير اللغة أيضاً بصورة انقلابية، فاللغة التي أبدعتها مجموعات اجتماعية تشكلت عبر قرون من المحن والأحلام عاشها إنسان العقل الطبيعي التاريخي، ستتراجع أمام لغة تتشكل شيئاً فشيئاً في حال حوار ما بين الفرد والشاشة من خلال شبكة من المنصات والبرامج الأخطبوطية.
أمام سلطة مدرسة الخوارزميات وهيمنة الإنسان ذي العقل والإحساس المهجنين، إنسان غد الفوضى العبقرية، لن يتذكر أحد البيت الشعري الشهير لأحمد شوقي “قم للمعلم وفّه التبجيلا… كاد المعلم أن يكون رسولا”، ولن يذكر أحد بيت الشاعر حافظ إبراهيم “الأم مدرسة إذا أعددتها… أعددت شعباً طيب الأعراق”، وستتولى الخوارزميات تربية الجيل بديلاً عن المدرسة وبديلاً عن الأم كمدرسة أيضاً.
مجلة 24 ساعة