الرئيسية / صحافة ورأي / مضيق «هرمز».. الهيبة الدولية بحاجة إلى «فرس النبي»

مضيق «هرمز».. الهيبة الدولية بحاجة إلى «فرس النبي»

أحمد سعيد العلوي
أحمد سعيد العلوي
رئيس تحرير CNN الاقتصادية

 

 
يتصدر مضيق هرمز المشهد الجيوسياسي والعسكري الذي يخيم على المنطقة والعالم أجمع حالياً، ليس بوصفه شرياناً حيوياً يضخ «دماء الطاقة» في عروق الصناعة العالمية فحسب، بل كمنصة إعدام محتملة للنظام الدولي.
منذ بدء الحرب الإيرانية والاعتداءات التي طالت المضيق، لم يكل الحديث ولا يمل لدى الدوائر السياسية الأميركية والغربية إلّا عن ارتفاع أسعار النفط في خطأ فادح اقتصر الأزمة واختزلها في «برميل نفط»، بينما الحقيقة المرة التي يغفل عنها الجميع هي أننا أمام زلزال يهز أساسات «الردع» وقواعد القانون الدولي. إن الاستراتيجية التي تنتهجها طهران اليوم لا تعتمد بالضرورة على إغلاق الممر الملاحي الذي يعد شريان الحياة الاقتصادية حيث تعبره يوميا ما بين 17 و20 مليون برميل من النفط ومشتقاته، فهي تدرك أن الفشل العالمي في ضمان أمن الملاحة هو بحد ذاته «انتصار صامت»، تخفي به الخسائر التي تتكبدها على الأصعدة كافة ليلاً ونهاراً.
وكل يوم يمر والمضيق رهينة تحت رحمة قوات الحرس الثوري دون رد فعل حاسم، هو مسمار جديد يدق في نعش الهيبة الدولية والنظام العالمي الذي يمر بمرحلة ضعف غير مسبوق لم نشهده منذ الحرب العالمية الثانية.
هذا التردد الذي تعيشه القوى الدولية حالياً يُعيد إلى الأذهان إلى مشهد «حرب الناقلات» (1988-1984)، حيث اتسعت رقعة الاستهداف الإيراني للمضيق لتشمل أكثر من 500 سفينة تجارية.
لم يتوقف العبث إلّا عندما تحول الردع من «تصريحات» إلى «أفعال»، كما حدث في عملية «فرس النبي» عام 1988 في عهد رئيس الولايات المتحدة الراحل رونالد ريجان حين أدركت الإدارة الأميركية آنذاك أن أي تهاون في المضيق هو إعلان صريح بسقوط زعامة واشنطن.
حينها، لم تكتفِ واشنطن بالبيانات والخطابات، بل أطلقت عملية «إرنست ويل»، حيث رفعت العلم الأميركي على الناقلات لتصبح أي محاولة للمساس بها بمثابة هجوم مباشر على السيادة الأميركية.
وعندما تجرأت الألغام الإيرانية على إصابة الفرقاطة «سامويل روبرتس»، جاء الرد في عملية «فرس النبي»، التي لم تكن مجرد اشتباك عابر، بل كانت تدميراً منهجياً لنصف الأسطول الإيراني في ساعات معدودة. فما بالك اليوم، وما عزمت عليه إيران من اتخاذ خطوات لنشر ألغام في مضيق هرمز والغرض هنا واضح وجلي؛ فطهران لا تحتاج إلى إغراق سفينة لتعلن فوزها، ولكن يكفيها أن ترى حالة القلق الذي يسود العالم على الذهب الأسود، فهي تنتشي وهي ترى الجمع مصطف خلف شاشات البورصات العالمية واللون الأحمر يكسوها. ولِمَ لا وهي دائماً تواقة للون الدم سياسياً وعسكرياً واقتصادياً.
السلاح الذي تستخدمه طهران ببراعة اليوم ليس «الألغام البحرية» فحسب، بل هو «غياب القرار الحاسم» لدى الطرف الآخر، هذا الفراغ الاستراتيجي هو الذي يحوّل المضيق من ممر مائي إلى «أداة إكراه» جيوسياسية.
نحن أمام معادلة معطياتها مرة ونتائجها أمر، عندما تنجح دولة ما في وضع الاقتصاد العالمي تحت «مقصلة التهديد»، فإنها تبعث برسالة مجانية لكل القوى الطامحة لكسر القوانين مفادها أن الابتزاز هو الوسيلة الوحيدة للوصول إلى الهدف.
لذلك لا مجال للوقوف في المنطقة الرمادية حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود، فتلك القرارات المترددة هي ما تغذّي شهية نظام لم يعد لديه ما يخسره، فهو الآن في مرحلة الخلاص والتخليص، ولن يتردد في أن يأتي على الأخضر واليابس إذا لم يجد من يردعه ويقطع ذراعه.
آن الأوان أن تعلم القوى الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة، أن هذا ليس نزاعاً حدودياً أو صراعاً إقليمياً ضيقاً بل هي أزمة تمس العامل في مصانع «شتوتغارت» والمستهلك في «طوكيو»، مسببة «تضخماً عابراً للحدود» يطحن اقتصادات دول قد لا يعرف مواطنوها موقع المضيق على الخريطة.
إن سقوط مصداقية النظام الدولي في حماية هذا الممر سيعني بالتبعية سقوط الثقة في أي التزامات أمنية مستقبلية، وإذا عجزت حاملات الطائرات والتحالفات الدولية عن تأمين شريان يمر عبره 21% من استهلاك النفط العالمي، فما الذي سيبقى من «قانون البحار» أو مواثيق الأمم المتحدة؟
إن الخسارة الحقيقية لن تكون في «شحنات النفط»، بل في تآكل «عقيدة الردع»، وبمجرد أن تفقد القوة العظمى قدرتها على ذلك، لن تنجح أساطيل العالم في استعادة تلك الهيبة.. مضيق هرمز اليوم هو «ترومومتر» الإرادة الدولية، فإما أن يبقى مفتوحاً بقوة القانون والردع، وإما يُغلق ليفتح باباً للهزيمة التاريخية لن يغلق أبداً.

شاهد أيضاً

الكتب والناس: حين لا تنام عيون الرقيب

  تشبه الكتب البشر كثيراً، فحياتها في المحنة أو في الهناء الثقافي تشبه حياة الإنسان تماماً، فمن …