فلسفة الفراغ
يشير هذا الاحتجاج الجماعي إلى إدراك متنامٍ لدى الكتّاب بأن المواجهة الفردية مع شركات التكنولوجيا العملاقة معركة غير متكافئة؛ فهذه الشركات تملك بنى تقنية هائلة وقواعد بيانات ضخمة، بينما يملك الكاتب صوته الفردي فقط. لذلك تحوّل الاحتجاج من موقف فردي إلى فعل رمزي جماعي. وبما أن نماذج الذكاء الاصطناعي لا تتعلم إلا من النصوص، فقد قرر الكتّاب قلب المعادلة: منحوا الآلة حضور الأسماء التي صنعت الأدب، لكنهم حجبوا عنها المادة التي تتغذى عليها. فبدل الكلمات جاءت الصفحات البيضاء، وبدل النصوص بقيت التواقيع، فالأدب ليس مجرد بيانات يمكن جمعها وتكديسها، بل هو حصيلة أرواح وتجارب فردية لا تختزل في سلاسل من الكلمات. ويرمز البياض في هذا “الكتاب الفارغ” إلى صورة محتملة لمستقبل الإبداع إذا استمر تدريب الآلات على نتاج الكتّاب من دون ضوابط قانونية أو أخلاقية. فإذا شعر المبدعون بأن أعمالهم يمكن استهلاكها بلا إذن أو مقابل، فقد يتراجع الحافز إلى الكتابة نفسها. وحينها لن يبقى في الواجهة سوى فراغ يشبه هذه الصفحات: عالم تتكدس فيه النماذج القادرة على تقليد الأساليب، بينما ينسحب أصحاب الأصوات الأصلية تدريجاً.
من هنا يحمل الكتاب الفارغ رسالته الرمزية البليغة: إذا كانت الآلة تستهلك الكلمات بوصفها بيانات، فإن الكاتب قادر أيضاً على حجب هذه البيانات ومنحها الفراغ بدلاً منها.
ثغرة في جدار القانون
تتحصّن شركات التكنولوجيا خلف مفهوم “الاستخدام العادل”، معتبرةً أن تدريب النماذج على النصوص يشبه قراءة البشر للكتب بقصد التعلّم. غير أن هذا القياس يتجاهل فارقاً حاسماً يتمثل في السرعة والنطاق. فالقارئ يقرأ كتاباً أو بضعة كتب ويتفاعل معها ببطء، بينما تستطيع الخوارزمية ابتلاع مكتبات كاملة في ساعات قليلة، لا لتذوّق الأدب أو التفاعل معه، بل لاستخلاص أنماطه الأسلوبية وإعادة تركيبها في نصوص جديدة. فالذكاء الاصطناعي لا يكتفي بالتعلّم من الأعمال الأدبية، بل يتحول تدريجاً إلى منافس مباشر لمن أنتجها وإغراق السوق بمحتوى سريع ومنخفض التكلفة. وقد بدأت آثار هذا التحول تظهر بالفعل في سوق النشر؛ إذ اشتعل جدل واسع بعد اتهام منصة “أمازون” بالسماح بتدفّق كتب مولَّدة بالذكاء الاصطناعي، بعضها مدعوم بمراجعات وتصنيفات مضللة، ما دفع اتحاد باعة الكتب في فرنسا إلى مقاطعة معرض باريس للكتاب احتجاجاً على رعاية الشركة للحدث. وتحت ضغط هذه المقاطعة اضطرت “أمازون” إلى الانسحاب من رعاية المهرجان لتجنّب تفاقم الأزمة.

وفي هذه اللحظة تحديداً لم يعد السؤال يدور حول حدود التعلّم الآلي من النصوص، بل حول حدود الاستحواذ على الخيال نفسه: متى يتحول استلهام الأدب إلى صناعة بدائل آلية تنافس أصحابها في سوق الإبداع؟
البحث عن “عقد اجتماعي” جديد
يرى إد نيوتن-ريكس Ed Newton-Rex، منسّق إصدار الكتاب والمؤلف الموسيقي والناشط في الدفاع عن حقوق الفنانين، أن الأزمة الحقيقية تكمن في الطريقة التي نشأت بها صناعة الذكاء الاصطناعي نفسها، إذ يؤكد أن هذه الصناعة “بُنيت على أعمال مسروقة أُخذت من دون إذن أو مقابل”. ويضيف أن الأمر لا يتعلق بتطور تقني محايد، بل بممارسة لها ضحايا حقيقيون، لأن الذكاء الاصطناعي التوليدي بات ينافس الكتّاب الذين دُرِّب على أعمالهم، مهدداً مصادر رزقهم. لذلك يطالب الحكومة البريطانية بالتدخل لحماية المبدعين ورفض أي تشريع قد يضفي شرعية على استخدام الأعمال الأدبية من دون موافقة أصحابها.
وقد انضم إلى هذه المبادرة الاحتجاجية عدد من الأسماء البارزة، من بينهم الروائية ماريان كيز والمؤرخ ديفيد أولوسوغا، والكاتبة مالوري بلاكمان مؤلفة رواية “الدوائر والصلبان” Noughts and Crosses، التي شددت بدورها على أن مطالبة شركات الذكاء الاصطناعي بدفع مقابل لاستخدام كتب المؤلفين ليست مطلباً مبالغاً فيه، بل حق بديهي. ولهذا حمل الغلاف الخلفي للكتاب رسالة مباشرة تقول: “يجب ألا تُقنّن الحكومة البريطانية سرقة الكتب لمصلحة شركات الذكاء الاصطناعي”.
في خطوة مثيرة للجدل العام الماضي، وافقت شركة Anthropic، إحدى الشركات الرائدة في مجال الذكاء الاصطناعي ومطوّرة روبوت الدردشة Claude، على دفع 1.5 مليار دولار (1.1 مليار جنيه استرليني) لتسوية دعوى جماعية رفعها مؤلفو كتب، اتهموا فيها الشركة باستخدام نسخ مقرصنة من أعمالهم لتدريب منتجها الرئيسي. وقد أثار المقترح الحكومي الرئيسي في بريطانيا، الذي يسمح لشركات الذكاء الاصطناعي باستخدام الأعمال المحمية بحقوق النشر من دون إذن أصحابها ما لم يعلنوا رغبتهم صراحة في الانسحاب، غضباً واسعاً بين الفنانين، من بينهم المغني إلتون جون الذي وصف الحكومة بأنها “خاسرة تماماً”.
إلى جانب هذا المقترح، طرح الوزراء ثلاثة خيارات أخرى: الإبقاء على الوضع القائم من دون تغيير، أو إلزام الشركات بالحصول على تراخيص، أو السماح باستخدام الأعمال من دون أي حق انسحاب للشركات والأفراد المبدعين. كذلك رفضت الحكومة استبعاد احتمال منح إعفاء من حقوق النشر عند استخدام المواد لأغراض “البحث التجاري”، وهو ما يخشى المبدعون أن يستغله لتبرير الاستيلاء على أعمالهم. وقال متحدث باسم الحكومة: “تريد الحكومة نظاماً لحقوق النشر يثمّن الإبداع البشري ويحميه، ويمكن الوثوق به، ويتيح في الوقت نفسه إطلاق الابتكار. وسنواصل التواصل الوثيق مع القطاع الإبداعي وسنفي بالتزامنا بتقديم تحديث إلى البرلمان بحلول 18 مارس”.
المقلق في الأمر ليس أن الآلة تعلمت الكتابة، بل أن المجتمع قد يتعلم قبول كتابة بلا تجربة إنسانية. ولعل صمود الكتاب في وجه التغول التقني يعتمد على وعي القارئ؛ هل سيكتفي الجمهور بـالوجبات الأدبية السريعة المولدة آلياً، أم سيظل يبحث عن الإبداع الفردي والعمق العاطفي الذي لا تدركه الخوارزميات؟
Independent News
مجلة 24 ساعة
