الرئيسية / كلمة العدد /
فنانون ضمير عصرهم «8»
عاشقة الفن ..
مودي حكيم

فنانون ضمير عصرهم «8»
عاشقة الفن ..

 

من أفضل نعم الحياة أن تجد صديق مخلص في العمل ، يدخل يومك بثقل مسؤوليته ، يحول الساعات الباهتة إلى لحظات مليئة بالطاقة والمساندة ، لتدرك أن العمل لايقوم على الجهد فقط بل على الرفقة التي تعينك على الاستمرار ، نعمة لا ينتبه لها كثيرون يجلس بجوارك حين تتعثر ، ويقف خلفك حين تنهض ، ويضع من تفاصيل الأيام أصلاً من أصول الراحة التي تشتري .
عندما التحقت بمؤسستي الحبيبة العريقة روزاليوسف، كان لويس جريس مدير تحرير مجلة صباح الخير هو الشخص الذي احتضني ، وعاوني بالتكيف في نموي المهني ، وأصبحنا أصدقاء في فترة زمنية قصيرة . تطورت علاقة الصداقة، واقتربت منه وعائلته ، تعرفت على الأم الطيبة القادمة من مركز أبوتيج بمحافظة أسيوط ، والمقيمة مع الابن الأوسط فايز جريس المحام المعروف فى مسكنه ، وحيث مقر مكتبه بشارع مظلوم القريب من مبني جريدة الأهرام القديم .

كان لويس جريس عريس جديد فى حالة حب ، متزوج من أربع سنوات من الفنانة سناء جميل ، لم أتعرف على زوجته إلا من خلال اتصالاتها التلفونية معه فى الثامنة من مساء كل يوم ، تحثه فيها للعودة إلى البيت ، وهو يرد ” حاضر ياسناء .. ها انزل أهو ..” .. ويستمر الحكي فى مكلمة لويس جريس كما كنا نطلق على غرفة مكتبه بمدخل الطابق الخامس ، وأبوابها المفتوحة طوال الوقت ، يعبر اليها كل شاغري هذا الطابق الذي يضم أسرة تحرير مجلة صباح الخير لإلقاء التحية إو لمناقشة شؤون المجلة ، أو أمراّ ما . يستمر لَوّيَزْ كما يسميه المقربون اليه فى الحكي مردداً ” ..واخد بالك ! ولا يتوقف عن الكلام المباح إلا عندما يدق الهاتف مرة أخري ، وصوتاً غاضب يأتي عبر الأثير ” فينك يالويس .. ما جتش ليه ؟! ” ، ماتنساش تجيب معاك كذا و كذا…”
ملقية بقائمة طلبات ..والإجابة كالمعتاد .. حاضر نازل أهو .
إلى إن جاء يوماً بعد انتهاء العمل دعاني فيه لزيارة منزلة المطل على النيل بمنطقة المنيل ، كان متأخراً عن موعده مع العروس ، احتمى بي وهو يدلج مسكنه ، صائحا ” سناء أنا جيت .. ” ، وهو يتجه بي إلى غرفة مكتبه ومكتبته ، فقد كانت سناء تجلس فيها على ماكينة خياطة ، وبعد أن عبرت عن استيائها من تأخره .

انبسطت الحواجب المقطبة عبوساّ ، واتسعت الجفون المتوترة ، وابتسمت الشفاه المضمومة غضباّ ، وبوجه متهلل بالبهجة والسرور ، صاحبتني معانقة ، اتسعت بؤبؤ عيناها ، قامت من مجلسها ترحب بي ، بابتسامة حنونة ، لتحدثني عن حبها للتفصيل والخياطة، وكيف تعتبره فنًا لا يقل عن تحويل السيناريو لشخصية متكاملة ، الهواية بدأت كضرورة فى بدايتها عندما اضطرت للعمل إلى جانب هواية التمثيل التي لم تكن تدر دخلاً كافياً لمعيشتها ، فعملت في تفصيل الملابس والتطريز وأجادت تلك المهنة ولازمتها طوال حياتها ، حتى عندما تزوجت لويس أصرت أن تقوم بتفصيل فستان زفافها بنفسها وجعلته أيضاً ليصلح لعدة مناسبات ، كما قامت بتفصيل وحياكة ملابسها في مسلسل “الرايا البيضا ” بنفسها عندما قامت بدور فضة المعداوي.
وهنا تدخل لويس ليؤكد ضاحكًا أنها تهوي وتعشق مهنة ” الخياطة ” حيث تمارسها فى وقت فراغها ، وتصر على إن يلبس من تصميم إيديها حيث كانت ” تفصل ” له بنطلوناته بالكامل ، و شهد لها بالمهارة .
قادتنا سناء جميل أنا و لويس لشرفةّ مسكنهما بالطابق الثالث المطل على فرع النيل لنكمل جلستنا ، و أتلقي ضيافتها بفنجان شاي وقطع من ” الكيك ” من صنع يديها فهي ماهرة فى الطهي بقدر مهاراتها فى ” الخياطة ” ، ربة منزل قبل أن تكون فنانة عظيمة ، شاهدت ذلك بنفسي عندما اقتربت أكثر منهما ، و تعايشت معهما فيما بعد ورأيت سناء تطبخ وتكنس وتمسح وتكوي الهدوم دون الاعتماد على المساعدة من أى شئ ، ورأيتها تنشر الغسيل فى سطح بيتهما عندما انتقلا للعيش فى منطقة المقطم .

لاحظت ارتفاع صوت لويس وهو يتحدث معها ، ومرات لم تكن تسمع تعليقاتي ، فسناء كانت تعاني من مشكلة فى السمع لازمتها حتى وفاتها بعد أن تلقت صفعتان قويتان فى حياتها احدها من اخيها عندما التحقت بمعهد التمثيل ، وصفعة أخري فى أحد أعمالها الفنية ، فى دور نفيسة عندما صفعها اخيها الضابط فى فيلم ” بداية ونهاية ” النجم عمر الشريف . كما أوضح لويس عندما قراء تساؤلات عيوني ، تأثر عمر الشريف تأثرا شديدا بالصفعة التي صفعها للفنانة ، رغم أنه حذرها قبل التصوير بقوله ” بلاش ياسناء ، أنا إيدي طارشة لكن سناء اثرت بقولها ” أنا مش سناء ، أنا نفيسة أختك . القلم لازم يكون قلم ، أتفضل ياستاذ ” ، وشهد الأديب الكبير نجيب محفوظ بأنها اكثر من عظيمة فى شخصية نفيسة فقد قالت ما لم يستطيع قوله .

***

… وعن الفنانة التى اعتبرها فؤاد المهندس ” اختراع ” .. نفيسة الحلوة ، البلحة ، المقمعة و حفيظة و فضة المعداوي .. نكمل الحكي

شاهد أيضاً

حر مصر … ولا لهيب أوروبا !

فى أيام الغربة قضيت سنوات من سبعينيات وثمانينات قرن مضى فى العاصمة البريطانية ” لندن …