الرئيسية / كلمة العدد /
الغربة الثانية (٥٠)
وفي النهاية…قتلوه ..
مودي حكيم
مودي حكيم

الغربة الثانية (٥٠)
وفي النهاية…قتلوه ..

ترددت كثيرا وأنا أكتب عن حكاية خطف اللوزي وإغتياله، فالحدوتة معروفة ويتكرر إعادة تناولها كل عام فى ذكري الرحيل وعلي مدي 42 عاما منذ الرابع من شهر مارس ” آذار”. ولأنه إمبراطور فى مملكة الصحافة بزمن، نتلقى حكاياته الآن بمزيد من الدهشة والرعب. شخصية تنقلت من التماهي مع الحلم القومي/العروبي، ثم صدمتها هزيمة ١٩٦٧، وبدا كما يقول الرواة ثائرًا على القمع وأنظمته الحاكمة، ثم عاش حاملاً كرة اللهب يتنقل بين مطابخ الحكم والسياسة في بيروت، حين كانت عاصمة تتصارع عليها كل مخابرات العالم. ولأني عايشت الرجل وإقتربت منه وعملت معه بمرحلة من تاريخ الإعلام اللبناني فى ثمانينيات القرن الماضي، رأيت ألا اتجاهل الإنسان الذي قدم نفسه كبشاً لمحرقة الكلمة والممارسة الفكرية. فالرجل مدرسة صحفية متكاملة تزيدها قوة وإنتشاراً الديمقراطية اللبنانية التى كانت المنارة العربية الأسطع. وأتذكر مقالاً كتبه قبل إختفائه بعام وبأسلوبه الناقد بعنوان “هروب رئيس” ينسج فيه بخياله سيناريو عن هروب الأسد عن طريق لبنان ضمّنه رؤي ومعلومات تجعل القارئ يعتقد أن الهرب تمَ فعلًا. مقال كتبه في أوج المواجهة التي أغضبت منه النظام السوري.

***

عندما وصلتنا من بيروت أخبار إختفاء اللوزي، إنتفضت أسرة التحرير وتحفز الجميع إستعدادا لأي تطورات. وكانت أمية اللوزي على إتصال دائم بمكتب الحوادث لتحكي  لريمون عطالله الذي تلقي المخابرة وقتها حكاية توقيف سيارة اللوزي فى الطريق من صيدا وكيف أمرها الضابط السوري بالنزول من السيارة، وبقيت مع زوجها في عرض الطريق حتي أتت سيارة أخري وداخلها شخصان وسائق وأخذوها معهم وأعطوها جوازات السفر، وبينما أخذوا سليم في سيارته بمفرده بعدما أنزلوا السائق والحارس الخاص، لاحظت أمية أن السيارة الأخري المرافقة مزودة بجهاز لاسلكي ويبدو انها من سيارات المخابرات. وإنطلقت السيارة التي تحمل سليم والسيارة التى تستقلها تتبعها وبها المسلحين، وإتجهوا  إلي طريق خالدة و الدامور. ولم تغب عن عيناها سيارة سليم كما قالت، وأيقنت أنها عملية إختطاف من جانب المخابرات قبل الوصول إلي مطار بيروت. و فى الطريق طلب الحارس إيقاف السيارة لشراء علبة سجائر، ويبدو انها كانت خدعة للتعطيل. وفى عودته كانت سيارة سليم قد إختفت تماما عن الأنظار، ولم تراها أو الى أين أخذوه ؟! .

وتكمل ‘ أمية ‘ الحكاية ” فى الوادي بطريق عرمون أنزلوها في منطقة منعزلة مليئة بالصخور والبرك الراكدة، وخطفوا حقيبة أوراق اللوزي التي كانت معها، وجردوها من مصوغاتها وحقيبة يدها، ولم يكن أمامها إلا أن تمشى وسط الأحراش الى أن تصل للطريق العام لتوقف سيارة  متجهة من الجبل إلي بيروت، وجلست بين الركاب وسمعت في الراديو: ان الصحفي سليم اللوزي مازال مخطوفا!”.

***

كانت رواية أمية تؤكد إختطاف سليم اللوزي، والأستاذ لايزال مجهول المصير بين أيدي خاطفيه على طريق المطار عائدًا إلي منفاه اللندني، بعد ساعات قضاها في لبنان ليتلقى العزاء في أمه بعد أن حصل على موافقة “المكتب الثاني” أقوى أجهزة القمع في نظام الأسد. وربما تخيَّل هذه الموافقة بداية علاقة جديدة مع النظام السوري لدرجه أنه تردد أن موعدًا تحدد للقاء الرئيس الأسد ..! ……

تكاتفت  يوم وصل الخبر جهود جميع العاملين بالحوادث. الجميع فى حالة إضطراب ما بعد الصدمة، لم يغادر أحد مبني المجلة فى إستنفار لبذل فائق الجهد. تولي ريمون عطالله ويساعده أنطوان حيدر آليات إدارة المجلة وآليات النشر وإستثمار همم العاملين، وكتاب المجلة يشحذون الفكر مساهمين بما يستطيعون فى البحث عن الأستاذ بالكلمة والتحليل ليخرج عدد الحوادث ذات جُمعة من مارس ” آذار” 1980 وغلافه بالأَسود والأَبيض، ويحمل عبارة “أَين سليم اللوزي يا الياس سركيس”؟

بعد ثلاثة أيام وجدوا سيارة اللوزي المرسيدس أمام ملهي ليلي يملكه سركيس شلهوب وإزداد الحادث غموضا وإتجهت الشبهات إلي أن المختطفين من عملاء المخابرات السورية.

***

عادت أمية اللوزي الى لندن، إمرأة  ضائعة، حائرة، خائفة، لاتعلم ماذا أصاب الزوج والأب الذي إحتضنها منذ ألحقها والدها محمود مرعشلي  للعمل بالحوادث كسكرتيرة لمكتب اللوزي، فأحبها وإرتبط بها رغم فارق السن. نظمت حياته، فجدلت بالخوف والقلق والتعضيد أحداثها، ودعمت أعباء العمل و الحياة بالمشاركة معه فى كل صغيرة وكبيرة.

***

بعد أيام عصيبة عشتها محاصرًا فى مكتبي مشاركًا أسرة الحوادث فى الحيرة والقلق وتأثير الصدمة، عدت لمنزلي فى العاشرة والنصف مساءً مرهقًا لاجئًا لمخدعي، وقبل أن أستسلم للنوم، أتتني مكالمة هلع من الصديق ريمون عطالله مدير التحرير للحوادث مستنجداً، طالباً حضوري لإصدار عدد إستثنائي من الحوادث. هرعت عائدًا لمقر الشركة، شعرت بالخوف وألم نابع من توقع الشر. وفى مقر الشركة كانت الوجوه الشاحبة الحزينة ودموع الألم تَغَرْغَرَتِ فى عيون أفراد طاقم مطبخ الحوادث، بقيادة المايسترو ريمون عطالله وانطوان حيدر لينقلوا لى الخبر الحزين بالعثور على جثة الأستاذ فى بستان بعيد عن طريق بيروت فى منطقة عرمون، إكتشفها راعي غنم شاب مساء الثلاثاء 4 مارس/ آذار وأبلغ الشرطة، وبالتالي أبلغ وزير الداخلية اللبناني مدير مكتب الحوادث ببيروت. وعم الحزن مدينة بيروت، وقيدت الجريمة ضد مجهول. ولكن تقرير المدعي العام يشير إلى الفاعل بدون تحديد، وحسب توصيف الحادث: فإن مجهولين أقدموا على خطف الصحفي «سليم اللوزي» صاحب مجلة “الحوادث” بقوة السلاح يوم 24 شباط/ فبراير ومن ثم قتله بإطلاق النار عليه من مسدس حربي غير مرخص وتعذيبه جسديا… وتبين من تقرير الطبيب الشرعي أنه تم قطع لسانه، رمز الكلام، وإطلاق الرصاص على رأسه من الخلف، ووضعوا يده اليمني، التي يكتب بها، في حامض فتاك لكي تذوب في السائل الحارق وتتآكل العظام والأربطة حتي أطراف الأصابع، وهناك كسور في الأضلاع الصدرية مما يدل على أنه جرى تعذيبه بوحشية على مدى ثمانية أيام. وفي التقرير إشارة إلى رصاصة أخيرة على جبينه  نفذت من الخد الأيمن جراء التعذيب..! وعثر على أقلام حبر مغروزة فى كل جزء بجسمه، عقابًا على كتابة مقالاته التي لم ترحم ولم تدار.

***

لم يكن وحده الحزن الذي خيم على أسرة الحوادث فى لندن ومكتبها فى بيروت، بل تخطاه لحزن وآلام ودموع كانت تترغرغ فى عيون اللبنانين، وقلوب تتسارع نبضاتها فتنهمر الدموع، فالجرح كبير لشعب تعود أن يستقبل الحوادث صباح كل جمعة فى منظومة وأسلوب حياة. ولهذا أصر فريق العمل على صدورها نهار الجمعة بكلمة واحدة: “قَتَلُوه” على غلافها الحزين، وداخل صفحاتها ملفًا مصوراً لحياته وكلمات لتلاميذه وزملائه فى المهنة، ناعيًا إِلى أَفراد إمبراطوريتها الشاسعة رئيسَ تحريرها الذي قضى شهيد جرأَته في نشر الحقائق والسبَق الصحفي. فكان هو ذاتُهُ السَبَقَ الصحفي الذي إعتادوا انتظاره كل أُسبوع ظاهرةً ذهبَتْ موعدًا يُنتَظر.

ظاهرة إعلامية وإنسانية كان وراءَها رجلٌ جريْءُ القلب في قلب العاصفة، ظلَّ واقَفًا يقصفها حتى قَصَفَتْه. وفى النهاية قتلوه.

 

 

شاهد أيضاً

اخطر من أدمان المخدرات
امنعوه !

تلاحظ وأنت تتجول فى شوارع لندن أن السجائر وكل ماله علاقة بالتدخين غير معروض على …