الرئيسية / كلمة العدد /
الغربة الثانية (33)
الصالح والطالح!     (3/3)                  
مودي حكيم
مودي حكيم

الغربة الثانية (33)
الصالح والطالح!     (3/3)                  

 

ما عرفت من متفنني الحديث مثله. إن أصغيت إليه في جلسة أنس وسمر, تراه من ألطف الناس خروجاً الى النوادر.

وهو يملك القدرة على التخفي, وإخفاء ما يضمر, بما هو أشبه بالتقية.

وجهان له, الظاهر ودود, طيب, أنيس, والمخفي ماكر, خادع, عليك محاذرته.

ذلك هو نهاد الغادري, إبن حلب, وقد صادف أن إلتقيته في مكتب قدري القلعجي, وهات بعدها يا حديث عن دمشق التي كانت, وكانت… 

وتعددت لقاءاتي به, وضربنا مواعيد للسهر والسمر, وأصبح مع توالي الأيام “صديق العائلة”.

ولم يمض كثير وقت, حتى بدأت تتكشف أمامي حقيقة الرجل وتلوّنه:

فهو لجأ الى بيروت التي لا ترد بابها في وجه مستجير, هرباً من دمشق. وفي العاصمة اللبنانية, التي كانت مطبعة العرب, نشر سنة 1958 أول كتبه السياسية: 

“الكتاب الأسود في حقيقة عبدالناصر وموقفه من الوحدة والإشتراكية وقضية فلسطين”.

وإستغرب من عرفوه, فالرجل كان من الحمسين للرئيس جمال عبدالناصر وللناصرية. وأسهم من إذاعة دمشق وبصوته، في دعم نظام الرئيس المصري. لكنه إنقلب عليه, عندما أدرك ان الناصرية في دمشق الى أفول, فمال بكفة الميزان الى المملكة العربية السعودية التي كانت, زمنذاك, تناصب عبد الناصر العداء.

وإعتبر, بشكل سافر, أن عذره الوحيد في خديعته بالرئيس المصري, هو إيمانه بقضية أمته, ولا تسل, يا رعاك الله, عن أي أمة كان يتحدث.

وما عزّز عندي الظن بأنه يعمل مع الإستخبارات السعودية, إستشرافه لما وقع في لبنان قبل وقوعه.

فقال لي ذات ليلة, وكنا في مقهى “دولتشي فيتا” في الروشة, بصوت مليء بهمهمات الذعر:

” سيأتي زمن, وهو قريب جداً, لن يبقى حجر على حجر في هذا البلد”.

قرأ في عيني الدهشة والإستغراب:

” لا يريدون في المنطقة بلداً مثل لبنان, يزعجهم كل شيء فيه, حريته, ثقافته, مدارسه, جامعاته, ثقافته, مستشفياته, تقدم الطب فيه, تنوعه وتعدده”.

وتعجل الإستدراك:

” إنهم يتحضرون لتفجير هذا البلد, وكلامي ليس بخلفية أي خصومة سياسية. نصيحتي لك, إتركه, غادره, غادره يا صديقي, فهو لم يعد آمناً”!

دارت عينا نهاد الغادري في وجهي هنيهات, لملم من ملامحي حيرتي من كلامه, ثم أشاح بوجه, وغرس نظره في عتمة الليل, تنهد تنهيدة عميقة, وقمنا نمشي.

وعرفت بعدها, أنه غادر بيروت الى باريس, ولم تمض أشهر قليلة على ليلة “دولتشي فيتا”, حتى إشتعل لبنان, ورحلنا مع الراحلين عن البلد الذي أحببت.

وتدور الأيام دورتها المتعجلة, ويغيب نهاد الغادري عني, وعن بالي, الى أن تفاجأت ذات صباح بإتصال هاتفي, وطلب اللقاء, فكاد له ما أراد, وإلتقينا في المكتب في “سان جيمس”.

 

 

 

 

 

أخبرني انه إشترى من الدكتور نبيل المغربي شقيق أرملة هشام أبو ظهر، إمتياز “جريدة المحرر” التي كان المغربي, بعد تركه إدارة تحرير “الوطن العربي”, قد أصدرها بحجم “تابلويد” على نهج جريدة Le Canard Enchaîné  الساخرة التي تخصصت في نقد الرؤساء والمسؤولين, ونجحت خلال سنوات صدورها المديدة (أسسها موريس ماريشال و زوجته جان سنة 1915, وما تزال تصدر في باريس كل يوم أربعاء), وأنه أضاف الى إسمها كلمة “العربي”, فصار إسمها “المحرر العربي”… وذكر لي أنه على خلاف مع المملكة السعودية، وأن الملك فهد، بعدما كان مستشاره الأقرب إليه, غاضب منه وقد أصدر إرادة ملكية الى السفارة السعودية لدى باريس, بالإمتناع عن تجديد جواز سفره السعودي, وحرمانه من “الشرهة” الشهرية التى كان ينالها.

ولم يجد وسيلة, إلا إنتهجها وجرّبها, وما نفعت رسائل الإسترحام في تليين موقف خادم الحرمين الشريفين. فكان لابد من اللجوء الى ما يسميه الفرنسيون “شانتاج” Chantage (في كتابه “في الهواء الطلق”, عرّب الكاتب اللبناني أمين نخلة الكلمة, فقال إنها “الإعتصار”, من إعتصر العنب أو الثوب ونحوهما, بمعنى:عصره). وقدّم لي عرضا حاول اقناعي به لأن فيه فائدة  مزدوجة لي وله.

فتح ملفاً أخرجه من حقيبة “سامسونايت”, ولوّح  بأوراق مكتوبة بخط اليد, قال انها مسودة لكتاب يفضح فيه الحكم السعودي وينشر أسراره. وكل ما عليّ القيام به, هو الإتصال بالملحق الصحافي السعودي, وتسريب معلومات عن الكتاب الذي ينوي الغادري نشره, وهو على يقين أنه منعًا للفضائح, ستسارع المملكة الى إسكاته, بإعادة كل الامتيازات التي سُحبت منه, مع مبلغ سيكون لي ولشركتي حصة فيه, مع “حبّة مسك”, كما قال.

طار صوابي, لم يُدر في خلدي لحظة واحدة أن يتجرأ الغادري على مفاتحتي بمثل هذا الموضوع, وهو العارف تماماً أنني لست من الذين يستخدمون مثل هذه الأساليب السوقية, القذرة, لجني المال. وأدركت أنه رجل أصل طباعه, السهولة, مثل “الصندل” البارد الذي إذا أفرط في حكه صار حاراً مؤذياً… بذيء القلم, فاحشاً, يلذع في الأعراض, فبسط قلمه بالملك فهد, ولم يبق عليه ستراً مغطى. 

وغادر الغادري مكتبي غاضبًا. وانقطعت علاقتي به وبالتالي أخباره.

وتفاجأت أن الغادري غدر بالملك, ونشر في مجلة “سوراقيا”, العدد 468 الصادر في 3 أغسطس/آب 1992 موضوعاً بعنوان: “ملك التنصت”, ذكر فيه أن الملك فهد كلفه بشراء أجهزة تنصت وتجسس, حتى يستخدمها الملك للتجسس على إخوانه ونسائهم, وبعض أهل بيته! 

وبلغني أنه أصدر فى باريس عام 1993 بعد وفاة الملك فهد كتابًا بعنوان “الجهل ملكًا” على نفقته الخاصة, ضمّنه ما كان نشره في مجلة “سوراقيا”, وكانت مجلة صديقه غسان زكريا, الذي لا بد أن يكون وطّن النفس, هو الآخر, بجعالة أو حصة مما قد يجنيه الغادري.

 ولم تتوقف محاولات الغادري فى التقرب للمملكة السعودية، فقد كتب نهاد الغادري رسالة إلى الملك عبد الله بن عبد العزيز عام 2014:

” واثق من أن أحدا لن يطلعك على هذه الرسالة ولكنني أكتبها دفعا لما يمكن أن يقال فيما بعد من أنك لم تعرف وأن أحدا لم يقل لك. وأختصر: 

لقد ظُلمت. ظلمني ولدك عبد العزيز. أغلق المحرر العربي ويعرف لماذا. فإن نفى أعدت نشر النص الذي أوقفت الصحيفة به فهو عندى. كان لإحداهن في دمشق دور في إغلاق المحرر العربي دفعته له في ليلة أنس. اليوم تخوضون معركة حياة مع النظام .. ومازلت أدفع الثمن. مازال الأنس فاعلا.

لا أريد شيئا. لي دين عند وزير الإعلام يعرفه وأريده وينتهي الأمر. غير ذلك سأدافع عن حقي بما أعرف حتى النفس الأخير.

 

 

 

 

 

وأختم: لقد أبلغتكم علنا بما يخفيه عزيزكم عنكم. وأقول: إذا أخذت حقي فلن تروا مني إلا الخير، وإذا تعذّر أقول من لايدافع عن حقه لايعرف الكرامة وليس مسلما .. ولست أنا. شعاري معكم العدل، أو القتل. 

أرجو أن يجرؤ أحدهم على إبلاغك ذلك، لأن الكل يخشاك، وأن يتسع وقتك المثقل لسؤال عبد العزيز خوجة عنه، وأذكر منه وعنه الخير. 

لا أريد تعويضا عن سنوات العمر. لا أتسول حقا. لا أطلب شرهة. لا أريد شيئا. إذا وصلني أكثر من حقي أعدته شاكرا. أريد أن أدفع ثمن دوائي من حق لي سبق ويخشى خوجة من ولدك العزيز، الذي مازال يتواصل سرا مع نظام الأسد، أن يدفعه. 

مع مايفرضه التاريخ من واجب الإحترام.”

نهاد الغادري 

 

آخر ما عرفته عن نهاد الغادري, ما قرأته في إحدي وسائل التواصل الاجتماعي سنة 2017, فهو, حسب المكتوب, أقام في إحدى المستشفيات اللبنانية, وأن عائلته وزوجته الأولي “أنصاف“ السورية وابنه الوحيد فريد, 

وبناته سمر والتوأم ربا وندا الذين يعيشون في الولايات المتحدة, أصدروا بياناً أعلنوا فيه تخليهم عنه.

ثم جاء من حكى أن أقاربه يفتشون عمن يفيدهم عن مصيره, فهم فقدوا الإتصال به, وليست لديهم أي معلومات عن مصيره! 

ابن عمه الصحافي المعارض محمود الغادري, كتب في موقع له على شبكة إنترنت, أن أهله فقدوا الإتصال به منذ أشهر أثناء علاجه في “مستشفى العمر الطويل” في بيروت الذي دخله قبل عام, للعلاج من مرض السكري…

وأكد أن نهاد الغادري كان يعاني من مضايقات داخل المستشفى بسبب ما كان ينشره في “المحرر العربي” التي كان يصدرها في بيروت, من انتقادات للأوضاع العربية, وخصوصاً ما يجري  في سوريا وكشفه كعادته خفايا غير معروفة للناس عن الأنظمة العربية التي خَبَرها عن قرب، ولذلك – كما يقول- كانت تأتيه تهديدات من النظام السوري ومن “حزب الله” في لبنان…  وأعرب عن تخوفه من أن يكون قريبه مختطفاً ومحجوزاً في أقبية “حزب الله”, خصوصاً أن إدارة المستشفى ترفض السماح لأحد بزيارته أو الإدلاء بأي معلومات بخصوص وضعه الصحي والإنساني. 

… وسقط شخص من طريقي فى رحلة الغربة. 

 

مودي حكيم 

 

شاهد أيضاً

الروبوتات .. قادمون .!

  فى وقت يعيش فيه العالم تحت ضغوط متزامنة لعدة أزمات كبرى تتقاطع فيها بأمن …