رَجَفَ النور في القنديل, وهو يمد يده على حيطان الغرفة العمياء من كل بصر, والوحيدة الآمنة في البيت. فهي مستورة وراء أربعة حيطان, هما لغرفتي الإستقبال والطعام, فكنا نلجأ إليها, ونتكوّم أرضا بين حائطين, نتّقي من الرصاص, وشظايا القذائف, متى إشتد القصف العشوائي.
والقنديل الذي إستبدلنا به الشمع إسوة بالجيران, إختاره لي البقال جار البناية (الذي يُطعم من منتوجات دكانه شارع مدام كوري كله), من بين القناديل التي صار الناس يتهافتون عليها, ويجني من توقهم للنور وقتل الظلمة مئات الليرات. فبعد أن صار إنقطاع التيار الكهربائي يتكرر مع بداية القصف الليلي, راجت تجارة قناديل الجاز, قبل أن تنافستها “قناديل لوكس”, التي تشع أكثر, وإن غلا ثمنها, إلا أنها بقيت قليلة التداول.
“زجاجة نمرة 4 … يا أستاذ, أفضل من غيرها… بنصحك فيها”.
يُدلل جارنا البقال على بضاعته, يمص شفته السفلي, منتشياً:
” هي أدق صنعاً, وأكثرها تحملاً للحرارة, وغسلها من “الشحتار” (وهو السواد الذي يتجمع على زجاجة القنديل بفعل إشتعال فتيلته),لا ينزع عنها نقاوتها”.
ويكفي أن تملأ جوف القنديل بالجاز, وتركز “الشمامة” أو الطربوش فتعلوا الفتيلة, وتعطي ناراً تستحيل نوراً.
الى تلك الطاولة اليتيمة في الغرفة الآمنة, كنت أجلس, والقنديل يرخي نوره على الورق أمامي, ينزل سن القلم عليه, أنسج به خيوط مقالاتي وتحقيقاتي لمجلة “صباح الخير”, وهي حصاد أخبار وتحليلات. وما أعانيه من “رحلة” الصباح والمساء من “مدام كوري” الى “فردان”, كنت أفرغه على الورق في الليل. وقد إعتدت أن أحمل “دفتر جيب”, أسجل على صفحاته ملاحظاتي, وخلاصة تحليل سمعته من سياسي نابه زار “الديار”, أو آخر قابلته, وتبادلت معه شتات الحديث, سألته وأجاب, ناقشته و فسّر, سمعني وسمعت له, وسجّلت كل ما قاله.
حرصت في رسائلي الصحافية الى “صباح الخير” أن أنقل الحقيقة الموضوعية, من دون تكلف, أو تزويق, أو مبالغات, فكانت خاصة وخالصة من الإنحياز لطرف أو حزب, أو فئة, وهؤلاء كانوا يوجهون لبعضهم البعض التهم الكواذب, و يلوّنون كلامهم بألوان مصالحهم السياسية.
ومع إشتداد أوار القتل, و توسعه, إضافة الى إنقطاع التراسل مع الخارج, بعدما تفككت “مصلحة البريد والبرق والهاتف”, التي كانت من أفضل مؤسسات البريد في العالم العربي, فكنت تأمن وصول رسائلك الى عناوينها, وتتسلم ما يُرسل إليك بانتظام, لجأت الى الصديق محمد البطوطي, برّد الله ثراه، كم كان ودوداً وخدوماً, وكان المستشار الصحافي في السفارة المصرية لدى لبنان, فيتسلم التحقيقات المصورة, والمقالات, والتحليلات, والمقابلات السياسية, ويضمها الى بريد “الحقيبة الديبلوماسية” المرسلة الى وزارة الخارجية في “المحروسة”, فكان مدير تحرير “صباح الخير” يتسلمها تباعاً من الوزارة.
فأوفيت بذلك بتعهد قطعته على الإدارة, بأنني لقاء الإجازة غير المدفوعة, حبا و إنتماء، أراسل “صباح الخير”, وألبي طلبات وإحتياجات مطابع “روز اليوسف”, من خامات, وأحبار, وأفلام, وأقلام, ولوازم تقنية, وتلك ظلت مفقودة في مصر على الرغم من “الإنفتاح” الإقتصادي, بينما كنت, في عز الإحتراب, والخراب, والدمار, تجدها في بيروت.
***
كاد “شارع مدام كوري”, أن يرقد في سكون ظلامه, لولا أزير الرصاص الذي يترنح في الهواء, قبل أن يرتطم بحائط مبنى, أو يدخل من شباك.
والسماء, ليلتها, المسكونة بالغيوم السود, تنسرب مطراً, والموت نازل مع القذائف على رؤوس الأبنية, تهدم, تحرق, تُميت, والعويل قد تسمع رجع صداه, مع الهواء المعربد.
وتصطك من البرد, ومن الفزع, على حالك, وعلى عائلتك الصغيرة. مدفأة الغاز, بالكاد تلملم البرد وتنشر الدفء.
تراخيت على الكرسي, تعباً منهوكاً, مهموماً يتمرجح القلم بين أصابعي, يتمرد, يأبى رسم الكلام ,أصبحت نهباً لليأس والرجاء, وتفهمت عذابات اللبنانيين.
كنت أعاين كل يوم تمزق البلد الصغير, و إشتعاله, وتدمير حلاه, وحلاوة العمل والعيش فيه, وقد لمست ذلك على مدى سنوات خمس, كانت الأغنى فكراً, و ثقافة, و الأحلى والأبهى لي ولعائلتي.
كان جرح بيروت ينزّ, وكان يؤلمني, كلما خرجت لها, أن أرى أجمل مدن العرب تدفع ثمن طلّتها البهية. ويضنيني أن تدفع بيروت المثقفة, المتباهية بحالها, ثمن ثقافتها, وتنورها. و لأن بيروت كان “حرّة”, حتى آخر حدود الحرية, جعلوها تدفع ثمن حريتها. زرعوا فيها الموت, والخراب, والسيارات المفخخة, و رموا على طرقاتها الجثث المسحولة, المشوهة, المُمثَل بها, ونصبوا على المفارق قناصة, ينشرون الفزع, ويوزعون الموت.
و بدل مواسم البهجة, ومهرجانات الفرح, التي كانت تتابع على مدار السنة, وتزين صيف الجبال والسواحل, صار الموت يتمشى مع النوائح حول النعوش.
لبنان, هو “ظاهرة حرية”, لا يمكن أن تتكرر في منطقة يعشش فيها التسلط, وهيمنة حراس السلاطين, وزوار الفجر.
وهو كما عرفته, وعشت أيامه الحلوة ضرورة جمالية, وحضارية للمنطقة.
وما أحد أنصف بيروت, مثل نزار قباني, فهي تبنته, وإحتضنته, وأطلقته, وطبعت أولى دواوينه, وليس غريباً بعد ذلك, أن يسميها “ست الدنيا” :
يا ست الدنيا يا بيروت…
من باعَ أساوركِ المشغولةَ بالياقوتْ؟
من صادر خاتمكِ السحريَّ وقصَّ ضفائرك الدهبيّهْ؟
من ذبح الفرح النائم في عينيك الخضراوين؟
من شطّب وجهكِ بالسكّين، وألقى ماء النار على شفتيك الرائعتين
من سمَّم ماء البحر، و رشَّ الحقد على الشطآن الورديّه؟
ها نحن أتينا.. معتذرين.. ومعترفين أنّا أطلقنا النار عليك بروح قبليّه..
فقتلنا امرأة.. كانت تدعى “الحريَّة”.
***
كان الصحافي المخضرم, حنا غصن, صاحب إمتياز “الديار” لما كانت “جريدة”, وبقيت له حصة, لما صارت “مجلة”, يديرها ياسر هواري, يتردد باستمرار على مكاتبها في “فردان”, مرات للمشاركة في إجتماعات التحرير, و مرات للدردشة مع المحررين, وابداء الرأي والمشورة.
و حنا غصن, الى ذلك, عروبي, لا يكابر أحدٌ في جلالة قلمه, عارك الكلمة, كتبها جريئة, حادة, في إفتتاحيات كان لها ضجة ودوي. نجلس على الحديث معه, فلا مقايسة عنده بيننا, ودوداً, يسمع, و يتروى في الإجابة, يُلبس الأفكار التي يطلقها اللائق من التعابير.
في جلسة حديث, رميت عليه سؤالاً كان يثور ويضج في ذهني:
“ما هو دور سوريا – الأسد في المأساة اللبنانية؟”.
أحسست به دَهِشاً مما سمع مني , أكملت:
” سنة 1970, كانت دمشق البوابة التي دخل منها الفلسطينيون الهاربون من جحيم “ايلول الأسود” في الأردن, الى لبنان, ودمشق تعرف جيداً أن تنامي التواجد الفلسطيني الديموغرافي, و السياسي, و العسكري, سيزعزع الدولة اللبنانية, فتمادت بالضغط على السلطات البنانية لتسهيل تواجد هؤلاء, و منحهم حقوقاً, هي نفسها حرمتهم منها”.
تمشى حنا غصن بعينيه على وجهي, تملاني, تنحنح, وأجاب على البديهة:
“يا سيدي… حافظ الأسد منذ سنة 1970 و هو يدير لبنان كما يدير بلاده”!
و سكت, رش علامات التعجب على وجوه من سمعوا قوله.
و كان حنا غصن على صواب. فشخصية حافظ الأسد هيمنت على لبنان. وأغلب الظن أن المؤرخين النابهين سيسجلون له بأن حكمه، منذ 1970 حتى وفاته في سنة 2000 ، إقترن بتاريخ لبنان.
كان حافظ الأسد وزيراً للدفاع عنما نشبت الحرب في الخامس من يونيو 1967. و كانت الهزيمة. إنكسر الجيش السوري, و ضاع “الجولان”, وحُمِّلَ حافظ الأسد المسؤولية الفادحة المذلة, وقبل إتخاذ إجراءات فيه من قِبَل صلاح جديد, الذي يتوكأ في حكمه على عصا المنظمات الفلسطينية, أمسك الأسد بمقاليد الحكم, بعد إنقلاب سمَّاهُ “الحركة التصحيحية”. و لقد زرع الأسد في إنقلابه بذور سياسته في لبنان, فنمت, وكبرت, وأينعت سنة 1976 فقطفها. وما كاد يأمن جانب الفلسطينيين, بتطويعهم لحكمه, ونظامه السياسي القاسي, حتى رآهم يتمددون في لبنان, و يشكلون خطراً, ليس على البلد الصغير فحسب, إنما عليه أيضاً. و راح يلمس أن النفوذ الفلسطيني في لبنان صار يتخطاه, و يقوى على نفوذه, فحلت “الفاكهاني”, حيث مقر منظمة التحرير في بيروت الغربية, مكان دمشق في تدبير, وتدبر, وتيسير اللعبة السياسية اللبنانية الداخلية. وكنت, كما غيري من المتتبعين , نلاحظ أن “الفاكهاني” تُسقِط الحكومات اللبنانية أو ترفعها وتحميها, و هذا ما كدَّرَ دمشق, وأخافها من قدرة المنظمة على خطف السُنّة, والتلاحم مع اليسار اللبناني, التي كانت ذات يوم تحركه على هواها.
فأخذ الأسد يخطط لملاحقة الفلسطينيين, وإخضاعهم له مجدداً, بتفجير نزاع في لبنان, بينهم وبين المسيحيين, الذين كانوا يتذمرون من تجاوزات المنظمات الفلسطينية.
و إنفجر لبنان سنة ، 1975وكان الإحتراب الداخلي أشبه “بانتحار جماعي”, كما وصفه أمامي الرئيس رشيد الصلح, ذلك أن اللبنانيين تحولوا الى أدوات هينة, لينة, لتنفيذ مخطط الأسد, معتقدين أنهم يقاتلون لأنفسهم. المسيحيون ظنوا انهم يقاتلون لتقرير مصير لبنان, والفلسطينيون, ومن حالفهم وتحالف معهم من اللبنانيين, ظنّوا أنهم بمقاتلتهم مسيحيي لبنان يسهمون في “تحرير” فلسطين, وتحقيق النصر العربي من الماء الى الماء, أمّا قال صلاح خلف: “طريق فلسطين تمر بجونية”! فأشعل الجبهات.
لقد عرف حافظ الأسد, جيداً, كيف يستغل تلك السذاجة, ويستفيد من تلك الغباوة.
فبات اللبنانيون بحاجة الى مرآة “ميدوزا”Medusa ليروا قبحهم وأدران تصرفاتهم.
***
في سنتي الحرب الأولين (1975-1976) تهاوى كل شيء, وخسر لبنان صفو العيش المعهود فيه, وكان متمحوراً حول وسط بيروت, فشطرها العنف الى بيروتين: الشرقية مسيحية, والغربية مسلمة.
وإنتشر السلب و النهب في عمليات منظمة, سهلها على الجناة هروب السكان من منازلهم, ومدنهم, وقراهم, بسبب من العنف.
وقسّم زعماء الميليشيات, مع قادة المنظمات الفلسطينية, المناطق القابلة للسلب والنهب, مربعات, توزّعوها في ما بينهم: منهم من تخصص في سرقة الأدوات الكهربائية, ومنهم اللوحات الزيتية, والتحف الأثرية, والكتب النادرة, وكان السجاد العجمي من نصيب أحد القادة الفلسطينيين، فأصبح يلحق إسمه بكلمة “العجمي”.
وإستفاد الضباط السوريون من عمليات السطو والنهب, وإقتسموا المغانم مع زعماء الميليشيات, الذين وجدوا في ذلك دخلاً مالياً, يؤمن لهم شراء العتاد والذخيرة, وتأمين معاشات المقاتلين.
ومدت المنظمات الفلسطينية, بمؤازرة السوريين اليد على “شارع المصارف”. فتم السطو على “البنك البريطاني”, وأُخرجت منه, في ليلة لا قمر فيها, سبائك الذهب, وما يربو على 100 مليون جنيه إسترليني.
وإنتشر أن السوريين كانوا وراء السطو على “بنك لبنان- جيفينور”, الذي لم يكن بعد أسس فروعاً له, وبعد تحطيم خزائنه, وتفريغها من أموال المودعين, حطموا أجهزة الكمبيوتر, وحرقوا الملفات, التي كانت حبلى بالمستندات والوثائق الثبوتية لأرقام حسابات المودعين. وكان ذلك البنك هو الذي أودعت فيه ما كنت أجنيه من سهر الليالي في تصميم ورسم أغلفة الكتب, وهو ما كنت أقوم به على هامش عملي في المجلات. , وبين ليلة وضحاها, خسرت “تحويشة” الغربة, ولم أستطع إثبات أي شيء لإسترجاع جنى العمر.
وما شاع و راج عن دور السوريين في سرقة البنك, أكدّه لي مديره, الذي هو الآخر, صار ما كان يدخره في جيوب حرامية ليل الموت في بيروت .
***
إستمكنت الضائقة المالية والنفسانية مني, و وجدت نفسي, لتعويض ما فقدت, أحاول العودة الى تصميم وإخراج ورسم اغلفة الكتب, الى جانب عملي في “الديار”.
كان يزور ياسر هواري, و لما لمحني دخل مكتبي باشاً:
“مودي… شلونك, إنت هون؟!”.
قال قدري قلعجي بلكنته الحلبية المحببة, وضحك ضحكة عريضة إلتمعت لها عيناه.
“مُرَّ بي غداً… سيكون لنا حديث طويل”.
ومررت في الغد به. كان وقتها يعد العدة لإطلاق” دار الكتاب العربي” للنشر. و باكورتها, كان كتاب عن سيرة الملك عبد العزيز, وبعدما مسح قلمه منه, حضر 12 جزءاً خاصاً من السيرة للأطفال, وطلب مني تزيين صفحات تلك الكتب, بالرسومات الملونة المستوحاة من النصوص, بحيث يسهل على القارىء الطفل , فهم سيرة مؤسس المملكة العربية السعودية.
كان مشروعاً ضخماً, وضع فيه كل إمكانياته المالية, فجنى بالمحصلة, ما غطى التكاليف, وما زاد كان ربحاً إستحقه عن جدارة.
لم يفاصل, ما طلبته حصلت عليه و نلته. وإنصرفت في ليالي البرد, والرصاص والقذائف, أصمم, وأرسم على ضوء الشموع والقناديل.
وقدري قلعجي أليف كلمة, يتعامل وإياها بألفة, يتعهد كتاباته بثاقب بصيرته, وخلفيته اليسارية, أضفت على ما يكتبه بعداً فكرياً وإنسانياً. تعاطى الكتابة, مهنة إنصرف لها, منذ أن ترك دمشق الى بيروت, فكتب في “المكشوف”, التي أسسها الشيخ فؤاد حبيش سنة 1935 (إستمرت في الصدور حتى سنة 1950), فكانت فكرية, أدبية, طلاّعة, تابعت مجريات الحداثة الثقافية في لبنان والعالم.
وكانت مقالات قدري قلعجي, فيها تزامل مقالات “ناسك الشخروب” ميخائيل نعيمة, مارون عبود, لطفي حيدر, يوسف إبراهيم يزبك, عمر فاخوري, رئيف خوري, عبدالله لحود…
وكان الفكر اليساري يجمع بينه و بين يوسف إبراهيم يزبك (الذي تأسس “الحزب الشيوعي اللبناني” في بيته في بلدة “الحدت”, القريبة من بيروت, سنة 1924)، و رئيف خوري, و عمر فاخوري… و قوية الأواصر بينهم, فتنادوا, ذات يوم, لنشر مجلة سموها “الطريق”, و إختاروا لها من بينهم قدري قلعجي لتسلم رئاسة تحريرها, فتولاها من سنة 1941 الى سنة 1947.
وبعدها, تسلم مكتب “دار الهلال” في بيروت, و كتب في مطبوعات تلك المؤسسة المصرية العريقة أشتات المواضيع الفكرية, والسياسية, والأدبية, و التاريخيةٍ.
وقبل ذلك كله كان مستشاراً في المكتب الصحافي لرئاسة الأركان السورية.
ولم أعرف كاتباً, شغل المطابع وإنشغلت به, مثل قدري قلعجي, فقد ترك على أرفف المكتبات عشرات الكتب منها:
“أشهر المحاكمات فى التاريخ ؛ ” ثلاثة من أعلام الحرية “؛ “الثورة العربية الكبرى”؛ “ألف ليلة وليلة” ؛” ثمانية من أبطال العرب”؛ “من أعلام الفكر العالمي”…وغيرها كثير.
وحدث أن قدمني فاروق البقيلي الى الناشر أحمد سعيد محمدية, صاحب “دار العودة, الغزيرة الإنتاج, فرسمت العديد مما كان يقوم بنشره و يُصدّره للبلاد العربية. وفاروق, أيضاً, كان سبب معرفتي بالصحافي علي بلوط صاحب ورئيس تحرير مجلة “الدستور”, التي كان يمولها “حزب البعث العراقي”, وقتها كان يتحضر لنقل المجلة الى باريس, بعدما تلقى إشارات من بغداد “أن السوريين قادمين الى بيروت”… أو هكذا قال أمامي. وكان قد أصدر قبل اندلاع الحرب في لبنان, أصدر عدداً, على غلافه شعار المملكة العربية السعودية, وموضوع الغلاف, رسائل موجهة الى الرئيس الأمريكي ليندون جونسون وموّقعة باسم الملك فيصل, يطلب فيها ضرورة أن تقوم اسرائيل بضرب مصر, في إشارة واضحة لنكسة حرب سنة 1967. و ما يُفهم من تلك الرسائل أن العاهل السعودي هو المحرض للحرب و لضرب مصر. وثبت بأن تلك الرسائل “ملفقة” و “مفبركة” في مكاتب “الدستور”, فدان القضاء اللبناني علي بلوط بوصفه ناشر و رئيس تحرير “الدستور”و وحُكم عليه بالسجن, فأخذ كمال جنبلاط على عاتقه مهمة التوسط لدي الملك فيصل, الذي توسط بدوره لدى الحكومة اللبنانية لإسقاط التهمة والإفراج عنه.
فإنتحلت شتى الأعذار في رفض التعاون معه, و حافظت على العلاقة التي إستمرت عندما إلتقينا في لندن, خلال غربتي الثانية الى بريطانيا.
***
أشار علي قاسم أفيوني, مدير تحرير “الديار”, أن أحصل على “إذن تجول” من دون مساءلة , وأنا في طريقي الى “فردان”، وهذه المرة من ميليشيا “المرابطون” التي كان يتولاها إبراهيم قليلات, وإسمه المتداول بين الناس “ابو شاكر، و الرجل ناصري, إنشق عن “إتحاد قوى الشعب العامل” برئاسة كمال شاتيلا, وله ماض, ليس ها هنا مكان الحديث عنه. تآلبت حول أبو شاكر و حول تنظيمه غالبية السنة في بيروت, فكان تنظيماً طائفياً بإمتياز, و ناصبته العداء الطبقة الأرستقراطية السنية والزعماء التقليديين. و كان تنظيم “المرابطون” إمتداداً لقوات “منظمة التحرير الفلسطينية”, التي مولته, ونظمته, وإخترقت به الطائفة السنية. وقد قرأت تصريحاً للمفتي السني, وقتذاك, الشيخ حسن خالد (اُغتيل والتهمة وُجهت الى دمشق), أكد فيه “التلاحم السني – الفلسطيني”! وقد دفع موقف المفتي السني الطائفتين المسيحية و الشيعية, الى إقامة تحالفات خارجية بدورهما!.
وحصلت على إذن “المرابطون”, فأمنت من حواجزهم, و تفتيشهمٍ, ولم آمن من القناصة, والقذائف, والسيارات المفخخة.
وإستمر القتال, متنقلاً من منطقة الى أخرى, حرقوا “الكرنتينا” وحاصروا “مخيم تل الزعتر” حتى دخلوه, فغزوا بلدة “الدامور” المسيحية, و أعملوا فيه السبي, و نكّلوا بناسها, و أحرقوا البيوت, ونهبوا… حاصروا “حارة الغوارنة” في
المتن الشمالي, وهجروا ودمروا بيوت “عرب سبنيه” في المتن الجنوبي, وفي “دير عشاش”, قتلوا الرهبان, وحاصروا “دير القمر” وكادت أن تسقط…و رافق تلك الاجتياحات, والقتل والتدمير, نزوح و تغيير ديموجرافي خطير. وظل المتحاورون, والمتدخلون الخارجيون, وأصحاب المبادرات في دوران الدراويش.
مع إطالة أمد الحرب, سَلّم الأمريكيون, والأوروبيون, والعرب, وحتى الساسة في إسرائيل… بأن لا سلماً أهلياً في لبنان من دون الإعتراف بأن الخلاص بيد دمشق… بمعنى آخر, كما قال لي ديبلوماسي في السفارة المصرية لدى لبنان:
“الإعتراف بالوصاية السورية على لبنان”.
و كأنه كان يتنبأ.
في 20 يوليو/تموز1976، سمعت خطاب الرئيس حافظ الأسد الخطير, فأدركت أن الغرب والعرب سلموا مفاتيح بيروت لصاحب دمشق. في ذلك الخطاب, روى الأسد ما دار بينه وبين كمال جنبلاط من كلام حول الحسم العسكري, وكيف أن زعيم المختارة أصر على هذا الحسم “ليؤدب المسيحيين”.. كان الأسد يعلم أن ذلك يعني “تقسيم لبنان” وسيكون تقسيم العنف والقهر…
وتمكنت سوريا من دخول لبنان, و رُفع “الفيتو” المسيحي عن هذا الدخول, لا بل أن المسيحيين أنفسهم ألحوا و طالبوا بدخول عساكر الأسد, بعد إنهزامهم المهول والمميت أمام الميليشيات الفلسطينية, التي كانت “الحركة الوطنية” تختفي خلفها. و حدث أن اللبنانيين السنة, من باب تمسكهم بالتواجد الفلسطيني في لبنان, عارضوا بشدة دخول الجيش السوري, فتصدوا له مع الفلسطينيين, ودارت معارك, خاطفة, و ضارية, إستخدم فيها السوريون راجمات الصواريخ, والطائرات المقاتلة, لقصف مواقع الفلسطينيين في”جزين” التي دخلوها, إنتقاماً لسقوط “مخيم تل الزعتر”, فقاموا باعدام 200 شاب في ساحتها الرئيسية, و تم إغتصاب العشرات من النساء في تلك البلدة المسيحية. و تكّبد المهاجمون على “جزين” خسائر كبيرة في الأرواح.
ومن أجل البقاء في لبنان, تحتم على الرئيس الأسد أن يقلب المنطق الذي دخل على أساسه لبنان, فما كان له ذلك إلا عندما رُفع عنه “الفيتو” المسيحي, كما مرّ, وكان يعرف أنه لكي يُحكم قبضته, و يُرسخ تواجده, عليه أن يرفع “الفيتو” الاسلامي.
وراح الأسد ينتظر الفرصة السانحة, فقدمها له الرئيس المصري أنور السادات, على طبق من فضة.
فبعد الزيارة المفاجئة لمدينة القدس المحتلة, دخل السادات في مفاوضات, إنتهت الى الصلح المنفرد, والى “إتفاقيات كامب دافيد” المعروفة. فوجدت دمشق, فيها إنقلاباً عليها, وعلى دورها في المنطقة عموماً, و في لبنان خصوصاً. و خشية الوقوع في العزلة, إستدار الأسد مائة وثمانين درجة, و خَطَب ود منظمة التحرير, وتصالح معها, و مال الى المعسكر الإسلامي اللبناني, على حساب الأطراف المسيحية, حلفاء الأمس, الذين أصبحوا بين ليلة وضحاها, عبئاً عليه.
وإنضمت سوريا الى “جبهة الرفض” العربية, التي تشكلت, وإنطلقت من بغداد, على الرغم من ما بين دمشق و بغداد من جفاء, و عداوة, و بغضاء.
و عادت “حرب السنتين” لتصبح حرب سنوات, و علق كل ما جاءت القوات السورية من أجله, وعلقت معه مقررات مؤتمري الرياض والقاهرة, وكل ما كان متفقاً عليه, وعادت دمشق تمتشق السلاح, وتدير مدافعها على المناطق المسيحية, وتقصف “الأشرفية”, في ما عرف بحرب المئة يوم.
و بدأ زمن الوصاية, و السيطرة التامة, التي رزح لبنان تحت نيرها ما يربو على ثلاثين سنة.
و وقعت لي ولعائلتي الصغيرة , حادثة مخيفة, كانت بمثابة إنذار, جعلني أفكر بترك لبنان الذي أحببت والعودة الى… مصر.
مودي حكيم
مجلة 24 ساعة