ويترك ياسر هواري “الأسبوع العربي”, ويحصل مع جورج سكاف ومنى غصن على إمتياز جريدة “الديار” التي كان يملكها حنا غصن, فحولها الى مجلة أسبوعية, بتركيبة فريدة, إعتمدت على “الشركاء المساهمين”, وهؤلاء منهم الطبيب, والمحامي, والتاجر, و رجل المال والأعمال, والسياسي, والمفكر, والأديب.

كانت “الديار” مجبرة محنتي, فقد تقطّعت بي السبل, فبعد حريق الأسواق التجارية, أصبحت المنطقة من “ساحة الشهداء”الى “الجميزة”, ثم “الأشرفية” خط تماس طويل, يسكنه القناصة والموت. فما عدت أستطيع الوصول الى مكاتب “الأسبوع العربي”. وعندما بدأ توزيع مجلة “بيروت المساء” يهبط, ويهجرها قراؤها, لتراجع التحرير, فأصبحت غير مرغوبة, قرر أمين الأعور صاحبها و رئيس تحريرها, تحديد الخسارة والمحافظة على البقية الباقية من أموال الدعم الليبي, فحجب المجلة, وعاد بحقيبة الأموال الى “قرنايل” مسقط رأسه, ومن الصحافة والحبر والقلم, الى تجارة العقارات.
إنتقل مع ياسر هواري الى “الديار” عدد من محرري “الأسبوع العربي”, وبينهم كان فاروق البقيلي, الذي كان يرأس القسم الثقافي فيها, والبقيلي قاص و رسام, مزاجي و مُقِل, صمم “ماكيت “الديار”, وكانت عينه على الإدارة الفنية للمجلة, فوجدني أحتل المنصب, وأعدل وأبدل من تصاميمه, فلم يستسغ الأمر بادىء ذي بدء, وبعد جفوة و نفور, لانَ, وتصادقنا.

ومن العدد الأول, أضفى محمود كحيل, فنان الكاريكاتور المتميز, ليس بإبداعه فقط, إنما بثقافته الواسعة, وحضوره الطاغي, وأناقته, ودماثة خلقه, رونقاً في صفحات المجلة. وقد إمتازت خطوط رسوماته بالسلاسة المبدعة, وبالتركيز على التفاصيل, والجرأة التي كان لها تأثيرها لبنانياً, وعربياً, ودولياً. ، فعندما سُئل الرئيس جورج بوش الأب كيف يعرف ما يدور فى العالم العربي فأجاب, أمام دهشة من سَمِعه من صحافيين في “البيت الأبيض”:
“أطلب أن أرى يومياً رسومات فنان لبناني إسمه مستر محمود كحيل”, و لم يتردد الرئيس بيل كلينتون من وصفه بأنه ” فنان عبقري”.
الى جانب قاسم أفيوني الذي تولى إدارة التحرير, كان سمير رفعت مايسترو في سكرتارية التحرير, والحركة المنظمة للعمل, وسمير رفعت سوري الأصل, منضوٍ في “الحزب السوري القومي الإجتماعي” و وزوج المغنية سهام شماس, التي إنطلقت في الفن مع الرحابنة, و تتلمذت على يد عاصي و منصور. وقد عمل سمير رفعت سكرتيراً للتحرير في جريدة” البناء” التي أصدرها القوميون الإجتماعيون، بعد خروجهم من السجون سنة 1972, وكانت مكاتبها في مبنى خلف سينما “غومون بالاس”, في ساحة الدباس.
وكان سمير رفعت سبباً, جعلني اتعرف على الشيخ أمين الجميل. ففي أحد الأسابيع كان ياسر هواري على سفر, و قاسم افيوني في مهمة صحافية في الكويت, فترأس سمير رفعت إجتماع التحرير, وإفتتحه بسؤال رؤساء الأقسام عما في جعبتهم, لطرحه على النقاش, و وصل الدور للقسم الرياضي, فقال أن لا نشاطات رياضية محلية مهمة الأسبوع المقبل، سوى مباراة بين كلّيّتَين جامعيـّتين في “جامعة بيروت الأميركية”, وأنهى عرضه بأن قال إنّ الشيخ بيار الجميّل, رئيس “حزب الكتائب اللبنانية”, سيرعى مباراة كرة القدم تلك … فقاطعه سمير: “هل سيرتدي الشيخ بيار الشورت”؟
ظننت أن سمير يمازح الزميل, إلا ان نبرته كانت جادة, وكلف الزميل بتغطية المباراة, وطلب من مسعود قرداحي, مصور المجلة, أن يصورها, و يركز على “شورت” الشيخ بيار، الذي بالتأكيد سيظهر بشكل كاريكاتوري بسبب نحالة جسمه.
كشفت عن توجسي, عبرت عن رأيي بحساسية الموضوع… فلم يبال سمير رفعت, غيّر الحديث وأنتقلنا للبحث في الغلاف.
وبدأت تنفيذ تصميم العدد, و وجدت سمير رفعت يطلب مني, ويلح, أن لا أعطي الخبر أكثر عامود واحد, وأن أفرد صورة الشيخ بيار الجميّل بالشورت على صفحتَين متقابلتين, و توجست أيضاً من العنوان الذي وضعه, وطلب مدّه و إبرازه باللون والظلال: “رجوع الشيخ الى صباه”!
و بينما كنّا ,كالعادة, نتصفّح في مكتب ياسر هواري, نسخة العدد الجديد من المجلة, سمعنا صوتاً مجلجلاً آتياً من غرفة السكرتارية ، يرغي و يزبد و يصرخ :” أين الأستاذ ياسر؟”

فإذ بالشيخ أمين الجميل يقتحم المكتب و يبدأ بالصراخ : كيف تهينون الشيخ بيار بهذا العنوان؟
وقف ياسر هواري محاولاً تهدئته, و بقيت أنا جالساً أتفرّج على ثورة الشيخ أمين, الذي التفت إلي ّمستغرباً عدم وقوفي. فما كان من سمير رفعت أن سأله بهدوء خبيث:
“بماذا أخطأنا مع الشيخ بيار، أنت تقول عنه شيخ ، و حزبكم بدأ فريقاً رياضياً, إذن أين الخطأ في العنوان؟ ”
إمتقع لون وجه الشيخ أمين, و سأل سمير رفعت:
” و كتاب الزعران الذي اسمه ” رجوع الشيخ إلى صباه ” ؟!
فأجابه ببرود شديد إستفزه أكثر:
” هذا الكتاب يعرفه الزعران فقط, أما نحن في هذه المجلة فلم نَرَ نسخة من هذا الكتاب”.
و على الرغم من محاولات ياسر هواري تليين غضب الشيخ, إلا أنه خرج أكثر غضباً ممّا دخل.
إلتفت ياسر هواري الى سمير رفعت وقال له:
” ما بالك أظهرت حقدك القومي الإجتماعي على الأب أولاً ثمّ الإبن ؟”.
و كان ياسر هواري يقصد العداء التقليدي المميت بين “حزب الكتائب اللبنانية”, والحزب السوري القومي الإجتماعي”.
***
ذات صباح , هوّم الموت بجناحيه الأسودين على مبنى “الديار”, فبينما كنت في طريقي الى المجلة, هزّني إنفجار مدوٍ آتٍ من المبني الذي تقع فيه المجلة. أكثر من 20 كيلوغراماً من المُتفجرات كانت مُخبأة في مزهرية، حطمت المكاتب. نجا ياسر هواري و 12 زميلاً كانوا متواجدين في مكاتبهم, بينهم المصور مسعود قرداحي, الذي كان متواجدًا بالغرفة المظلمة (غرفة تظهير الافلام). و مثلي نجا انطوان شويري, مسؤول الإعلانات, بسبب تأخره في الوصول الى مكاتب المجلة.
و قام ياسر هواري من عثرته, نفض الغبار, رمّم المكاتب, و لم تغب”الديار”. و إرتسمت التساؤلات: من؟ ولماذا؟
فالرجل يُبصر العاقبة و يأمن الندامة, فلماذا يريدون كسر قلمه؟
ما جرى كان بفعل تقاطع داخلي – خارجي تفاوتت قراءاته. ليس, هاهنا, مجال الحديث عنه, وتناول أسبابه و مسبباته, فالامر متروك للزمان.
حاول ياسر هواري في “الديار” إعادة تجربته في “الأسبوع العربي”, مع قليل من التنقيح, و رفض قبول أن الزمن فات تلك الصيغة, و الزمن زمن المعلوات, التي بات القارىء يريدها ليفهم ما يدور في المنطقة العربية التي كانت تغلي و تفور بعد “حرب أكتوبر”, نيّات السادات للتصالح و الصلح.
من جهة أخرى , فإنَّ عدم إئتلاف طبع ياسر هواري مع ما ساد الصحافة, في ذياك الوقت, و ما إصطلح في الأذهان من مفهوم الصحافة المنافحة, جعله يفكر, مع تصاعد التوتر, الى إغلاق “الديار” و ترك البلد.
في سنة 1976 غادر لبنان الى باريس.
فكانت “الديار” بالنسبة لي آخر المطاف.
***
وحدث, أن إلتقى هواري, في باريس, ذات ليلة سليم اللوزي, فعرض عليه تولي رئاسة تحرير “الحوادث”, فقد كان اللوزي قد قرر أن يأخذ إجازة طويلة, تسمح له في لمّ شمل عائلته و الإستجمام. و قَبِل ياسر هواري عرض اللوزي, وصار يقضي خمسة أيام في لندن, و يعود في عطلة الأسبوع الى باريس, حيث عائلته.
إعتقد سليم اللوزي أن مجيء ياسر هواري يمكنه أن يحدث نقلة نوعية في المجلة, لكن سرعان ما تبين له, بعد فترة وجيزة, أن هواري ليس ضالته المنشودة, فقرر دفعه الى الخروج, بوسائل غير مباشرة (ستكون لي رجعة الى ذلك متى حان وقتها في “الغربة الثانية” الى لندن).
وخلال تواجده في لندن, كان رياض شعيبي, الفلسطيني الأردني, مدير تلفيزيون دبي, يبحث عن محررين لهم خبرة لتأسيس جريدة “إسمها “البيان”, في دبي, فعقد إتفاقاً مع سليمان الفرزلي للتحرير, وياسر هواري كمستشار فني.
و ظن كل من الفرزلي و هواري أن رياض شعيبي تعاقد معهما كنواة تأسيسية للجريدة, بحيث يتولى الأول التحرير والثاني الإشراف على “الماكيت”, فتبين لهما انه خدعهما, فهو إستقدم جهاز تحرير كامل من الفلسطينيين والأردنيين و المصريين. أما هما فكانا أشبه بديكور لبناني, كما قال الفرزلي, حتى انه وضع تصميم ماكيت الجريدة, وصولاً الى نوع و لون ورقها الزهري, مثل ورق “فايننشيال تايمز” اللندنية, و جعل إسم الجريدة مائلاً على الطرف, بدلاً من الوسط. أما رئيس التحرير فكان الصحافي الفلسطيني – الأردني إبراهيم سكَّجها، الذي كان صورياً، بينما كان الشيخ حشر المكتوم هو رئيس التحرير الفعلي.
حاول ياسر هواري جاهداً تغيير ما كان وضع, إلا أنه إصطدم بعوائق كثيرة, و صدر العدد الأول وفشل فشلاً ذريعاً, و لم يستطع لا سليمان الفرزلي الإستمرار, و لا ياسر هواري, فعاد الأول الى لندن و الثاني الى باريس.
وخلال إحتدام الحرب مع طهران, قررت بغداد إصدار مجلتين سياسيتين, واحدة في باريس, “كل العرب”, تولاها ياسر هواري, و أخرى في لندن, “التضامن” على رأسها فؤاد مطر.
لم يستمر ياسر هواري في “كل العرب”, و الأسباب متشعبة, ليس ها هنا مجالها, لينصرف بعدها الى العمل للتقريب بين المُفكرين من فرنسا و الشرق الأوسط. فكان أن يُدير كل صباح يوم سبت في مقهى بالقُرب من “تروكاديرو” Trocadero نقاشات غير رسمية بين صحافيين فرنسيين و عرباً. و سُرعان ما تحولت هذه الجلسات العَرَضية إلى ندوة أخذت بُعداً رسمياً عندما أوجد ياسر هواري ” نادي الصحافة العربي” و يضم أكثر من 120 صحافياً و بحضور وزير الخارجية الفرنسي وقتها أوبير فيدرين Hubert Védrine.
وعاد حنينه الى النشر يلح عليه, فأسس شركة Mediaquest للنشر والعلاقات العامة, و أصدر مجلة Arabies أو “عربيات”, باللغة الفرنسية, إنتشرت في الدول الفرنكوفونية, كما في الدول الأوروبية, و قد حملت أخبار العرب وقضاياهم.
والى جانب “ميديا كويست” أسس شركة “كومونيكيت” للتسويق والترويج, التي تسلمها ياسر الإبن و وصدر عنها مجلة Trends .
***
في 26 آذار/ مارس2014, سقط القلم من يد ياسر هواري. كان في الخامسة و الثمانين من سنيه.
ما تركه من صحف أصدرها, هو السحر الحلال، بما أضفى عليه من جمالية في إنتقاء الصور, و جمالية في وضعها و تظهيرها, و جمالية في التصميم و الإخراج.
ظاهرة, كان في الصحافة اللبنانية, و ظاهرة سيبقى على مر الزمان.
مودي حكيم
مجلة 24 ساعة