لم أكن أعرف ياسر هواري, وما كنت قرأت له. فهو مقِلٌّ في الكتابة , وهذا ما يؤخذ عليه, ولكني كنت أعرف عنه
فالرجل, من الرعيل النادر , الذي شَعَّ إسمه في سماء الصحافة اللبنانية, وسَرى ذكره في البلدان العربية.
ما توقعت, أن يأتي اليوم, الذي اتعرف فيه إليه, وأعرفه, وأعمل معه, ويصبح من الذين اصطفيهم من الأصدقاء.
جَنَّ جرس الهاتف, المدفون تحت الأوراق المبعثرة, والمتراكمة, على طاولتي. رفعت السماعة:
“أستاذ مودي… أنا ياسر هواري”.
طلع الصوت, هادىء النبرات,لَفَّتني المفاجأة, غَصَّ الكلام في حنجرتي, غالبت تجمد الكلمات على طرف لساني, مرت بمخيلتي عشرات الصور له. شعر بإرتباكي, هَمَسَ صوته:
“بين يدي نسخة من “بيروت المساء”, أريد أن أبدي لك عن إعجابي, وتقديري, لأسلوبك في تصميم الصفحات, وإستخدامك الجيد والمتأنق للصور”.
و… سكت. إنتظرت, هنيهة أستسلم الى المفاجأة, إبتهجت أغوار قلبي بكلامه… أن يأتيك مديحو أو تقريظ, من صحافي مثل ياسر هواري, لات الصحافة وعزاها, في ذياك الزمن, هو الأجر الحقيقي الذي يتمناه أي مصمم صحافي.
إستطال سكوتي, إستبطأ الكلام, زخرف كلمته بالرغبة:
“حبذا لو إلتقينا غداً في مكاتب “الديار” في “فردان”, أظنك تعرفها”…
هززت رأسي بالإيجاب, قبل أن تخرج الكلمات من بين شفتي, أخذت نفساً عميقاً من الغليون, تلذذت به, دغدغتني سعادة غامرة.
لأول مرة في حياتي … كرهت الإنتظار.
***
شارع “فردان” Verdun تغار منه شوارع بيروت الأخرى, فهو مالىء الدنيا وشاغل العالم, وعلى مساحة 760 متراً, ترى العجب: محلات تكتب على جبينها أشهر أسماء بيوتات الأزياء في العالم, وفنادق, ومطاعم, وعلب ليل, وسهر.
في سنة 2015, في تقريرها السنوي السابع والعشرين, لأغلى الشوارع الرئيسية في العالم, وضعت “مؤسسة كاشمان إند ويكفيلد” الشارع البيروتي العريق, في المركز الثالث عربياً والثامن والأربعين عالماً.
والشارع يحمل إسم مدينة “فردان”(شمال شرق فرنسا) التي دارت فيها أطول معركة, في الحرب الكونية الأولى, فقد إستمرت سنة 1916 تسعة أشهر, وثلاثة أسابيع, وستة أيام, وأرضها إرتوت من دماء مئة ألف جندي., وكانت إنتهت, بهزيمة الجيش الألماني, على يد الجنرال الفرنسي هنري- فيليب بيتان . Henri- Philippe Pétain
لم أنتظر طويلاً, أدخلتني السكرتيرة مكتبه. لما رآني, إنتصب ياسر هواري خلف طاولة مكتبه.
“أهلاً… أهلاً وسهلاً إستاذ مودي”.
ومسح وجهي بعينيه. مدَّ يده, دفنها في كفي .
ربعة في القامة, مليح القسمات, جذابها, شعره,الذي خطه ولونه الشيب, بضيف عليه وقاراً. يتحدث إليك في منغوم عذب, هادىء النبرات, يعرف كيف يدخل الى عقلك وحياتك, عفيف اللسان, يحتفي بزائره, فيوسع للكل في مجلسه, إن في مكتبه المعجوقة طاولته بالأوراق والملفات, أم في منزله, ويفيض عليهم في مجالسه الشيء الكثير.
وهو الى ذلك, من أرق, وألطف الناس خروجاً الى حديث, تسمع له, فلا يوجد في رأيه أي نقص, ولا في قوله سقط أم شائبة, أم عيب.
عرض علي الإنضمام الى ما سماها “ورشة أسرة الديار”… ولم يمناع كوني أعمل في “بيروت المساء”, وفي “الأسبوع العربي”, التي كان وراء شهرتها وشهرته, في أوائل ستينات القرن الماضي.
لم أتردد, ولم يتردد هو, طلب فاروق البقيلي, الذي كان صمم “ماكيت” المجلة, عرفني عليه, لتبدأ علاقة, شابها التوتر والنفور, أولاً, لتنتهي بنا الى ود , وصداقة, ورفع كلفة.
***
هي اللحظة إذاَ… وهو القرار الذي لا بد منه والذي سيغير حياته. ويلتقط ياسر هواري اللحظة. يمحو من ذهنه كل شيء ما عدا ما قال له إميل الخوري ذات يوم في جريدة “الديار”, زمن حنا غصن, م}سسها ورئيس تحريرها:
“إنك يا بني سيكون لك مستقبل منير في الصحافة”.
ومن يومها تخلى عن فكرة الطيران, وهجر كلية الحقوق, وأمسك القلم ولم يتركه.
وإميل الخوري (1894- 1961) يعرفه المصريون, كاتباً’ ماهراً في إصطياد الأخبار, وصياغتها بأسلوبه المتميز في “الأهرام”. وكان محمد التابعي, كلما كتب أو تحدث عنه, كان يصفه بالاستاذ الكبير, فما عاد ذكر إميل الخوري إلا واللقب قبل إسمه. وهو كان كتب لشيخة جرائد العرب, من القلبان, سلسلة من التحقيقات الملفتة, تنبأ في نهايتها بالحرب الكونية الثانية, وما حدث بعد تحقيقاته بسنة, كان مصداقاً لما كتب, بثاقب بصره وبصيرته. وكان مكثه في مصر, وفي “الأهرام”, يمكن أن يطول, لولا أن إسماعيل صدقي باشا, أصدر قراراً سنة 1925 بإخراجه من مصر”بغضون ساعتين”, كما جاء في القرار, بسبب من نشاطه في خدمة سعد زغلول باشا.
وإميل الخوري, المطرود من المحروسة, جال أوروبا, كتب, تاجر, نجح, وإغتنى, وعاد الى لبنان سنة 1952, ليصبح, على عهد كميل شمعون, سفيرأً لدى روما, وفي “فلورنسا” جاءته المنية, فنقل جثماتنه الى مسقط رأسه برمانا سنة 1961.
وغَلَبَ على ياسر هواري الميل الحاد الى الصحافة, فسافر يدرسها في London College of Journalism. وفي “عاصمة الضباب”, تألب على المجلات, أوسعها درساً, نظر إليها من كثب, وأنعم النظر في ما دخل على الاخراج الفني من تطور, وبدأ يكتشف أهمية “الصورة” في المقال أو التحقيق, والأهم معرفة إختيارها, وأسلوب وضعها وإبرازها في الصفحة. فطافت عليه رغبة غامرة, بأنه متى عاد الى بيروت, يخرج من جعبته, حصائد ما درس ورأى وعاين.
وتصاريف الزمن, زضعته في درب سعيد فريحة, الذي كان يعد العدة لإصدار مجلة فنية, تؤنس وحدة شقيقتها “الصياد”. وحدث أن عرض ياسر هواري على صاحب “الصياد” رؤيته , بأن يكتب الخبر فيها على شاكلة “اقصوصة” او “حكاية”, وبلغة مبسطة, وسهلة, فيها عافية اللغة, مع إعطاء الصور حيزاً بارزاً.
“إتكل على الله”… طلع صوت سعيد فريحة مزهواً بما سمعه.
وإتكل ياسر هواري على الله, وأصبح رئيساً لتحرير “الشبكة”, كان في السابعة والعشرين من سنيه. الى جانبه مسك سليم نصار القلم, وسانده عاطف السمرا, وصحافيين مبتدئين في الحرفة, أصبح لهم, في ما بعد, شأو ,وشنة ورنة في الصحافة اللبنانية والعربية.
بعد صدور العدد الأول في 1956.1.30 وعلى غلافه صورة فاتن حمامة, قال سعيد فريحة لياسر هواري:
“لقد تمكنت من أن تجعل “الشبكة” يقرأها سعيد عقل وسائق التاكسي أيضاً”ز
وهزت شباك “الشبكة” مجلة “الكواكب” المصرية, ولأول مرة وجدت “بنت دار الهلال”, من ينافسها على عرش المجلات التي تعنى بالفن في العالم العربي.
وترعرت “الشبكة” ونمت , وكبرت, وشاخت, وإستمرت المجلة الفنية الأولى في العالم العربي, على الرغم من مزاحمة “الموعد”, و”السينما والعجائب”, و”الكواكب” لها. سنة 2018 غابت “الشبكة” كان عمرها 62 سنة.
بعد ثلاث سنوات, قرر ياسر هواري ترك “دار الصياد” و”الشبكة”, حمل حقائب السفر من جديد, وطار الى “نيويورك”.
***
كان من قرائها المدمنين. دَهِشاً, كان ياسر هواري بمجلة Life الأمريكية, يفر صفحاتها, يتملاها بشغف, يسوح بعينيه فيها… فقصد نبعها ليشرب منه.
في “نيويورك”, مكث ياسر هواري سنة كاملة, كان فيها يتردد على مكاتب Time-Life يتنقل في أقسامها, يرى, يعاين, يتعلم, يسأل, يستفسر, يسمع, يستوعب, يناقش, فتأثر أيما تأثير بما كان يسمع ويرى.و… يجرب.
وإكتشف مجدداً ما للصورة من أهمية في مواكبة النص المكتوب, وأنه أحياناً, تُغني الصورة عن الكلام, فهي قد تقول, بما فيها من ظلال وأنوار وبهاء وأنوار,وسناء, ما لا يمكن التعبير عنه بالأحرف المرسومة على الورق.
ووطن النفس, على أن ينسج على منوال “لايف” مجلة تحاكيها, في النهج والأسلوب.
في بيروت, التي عاد إليها, بعدما إمتلأت كأس شغفه بفكرة المجلة الجديدة, الى طفاف, فاتح عبدالله المشنوق, صاحب جريدة”بيروت المساء”, وكان كتب في عواميد تلك الجريدة زمناً, بما يفكر به وينويه, فراح المشنوق, يحاول أن يجمع ما قد يسمح بتحقيق “حلم” هواري. فتمكن من جمع مئة ألف ليرة, والليرة في الستينات, كان لها الحول والقوة, ويحسب لها الف حساب, ووجد ياسر هواري أن المبلغ لا يلبي ما يحتاجه مشروعه, فَأغلق ملف فكرة المجلة.
خلال لقاء مع جورج سكاف, صديق عمره ودربه,( كان أسس معه ومع مهيبة المالكي مجلة “رجال الأعمال”, فإشترت المالكي حصتي سكاف وهواري وإنفردت في ملكية إمتياز المجلة), ذكر له أن جورج أبو عضل, بعدما أصدر مجلة Magazine باللغة الفرنسية التي راحت تزاحم, وتنافس مجلة La Revue du Liban يعد العدة لإصدار مجلة سياسية أسبوعية, سماها “الأسبوع العربي”, وجمع لها لفيف من الصحافيين, أعدوا عددا تجريبياً لم يحظ بما يطمح إليه جورج أبو عضل. وشجعه سكاف أن يطرق باب الناشر الثري.
فعل, وإلتقاه, وعرض عليه فكرة المجلة المختمرة في رأسه, وهي على شاكلة “لايف”, و”باري ماتش”, التي كان جان بروفو Jean Prouvost حولها الى “لايف”فرنسية.
سمع جورج ابو عضل, ما جاء ياسر هواري يعرضه, سأل, وأجيب, إستزاد, فزيد شرحاً, ثم… وافق. وعندما سأله أبو عضل عن الراتب الذي يرضيه ويكفيه, فوجىء برفض ياسر هواري تقاضي أي راتب شهري, وإشترط الحصول على نسبة 10% من حصيلة التوزيع, إندهش أبو عضل, ونزل عند رغبة الشاب الحمس للفكرة, والمتوثب للنجاح.
***
كانت المجلات اللبنانية , في ذياك الزمن, تبدي الكلام على الصورة, فقام ياسر هواري في “الأسبوع العربي”, بإختزال الكلام, وفلش الصور المعبرة, ,اعطاها مداها على الصفحات, وكانت منتقاة, بذوق, وحرفة, وفهم لفن التصوير. وقد تربى في “الأسبوع العربي” مجموعة من المصورين المبرزين, منهم, إن كنت بعد أتذكر, لبيب ريحان, بيار معدنجيان, عماد تكريتي… صوروا, وأبدعوا, وتفننوا.
وفي حين كانت المجلات اللبنانية, ايضاً, تركز على “المحليات اللبنانية”, أكثر من “العربيات”, فكسر ياسر هواري تلك المعادلة, فكانت “الأسبوع العربي”, تعطي الشأن اللبناني 30% من صفحاتها و70% لأخبار العرب وأنظمتهم ودولهم. فأخذ لبنان الى العرب, وجاء بالعرب الى لبنان.
وأطلق بذلك صحافة Pan Arab وما أسعف على نجاح وإنطلاق المجلة, تأميم الصحف في مصر, فخلت الساحة, وراحت “الأسبوع العربي”, تسرح وتمرح, تصول وتجول, وتنتشر, ويرتفع توزيعها أسبوعاً بعد اسبوع.
وإستغل أنطوان شويري, المسؤول عن الإعلانات في المجلة, هذا النجاح على مستوى العالم العربي, كله, من الماء الى الماء, فأطلق بدوره Pan Arab Ad. وبدأ المعلنون الأوروبيون, والأمريكيون واليابانيون, يتهافتون على الإعلان في “الأسبوع العربي” ذات الإنتشار الواسع في بلدان العرب,حيث المستهلك القادر على الشراء.
سَارَ ياسر هواري في “الأسبوع العربي” في خطها على محاسنة الأنظمة العربية, وملاينتها, ونشر كل كلام, كان يسميه هواري, “موضوعي” ! عن قضايا تلك الأنظمة ومشاكلها, والعف عن الزيادة, وإعمال الرأي المناكف.
وعرف ياسر هواري, كيف يتسلل الى مداخل السياسيين, لبنانيين وعرباً, وأن يستل عنهم ذاتيتهم, من غير أن يدع أحداً يستل ذاتيته المهادنة, البعيدة عن التصادم, والهجوم, والحدة. فإتهم, في الوسط الصحافي , بإعترافه هو شخصياُ في البرنامج التلفيزيوني “ما وراء الوجوه”, الذي كان يقدمه ريكاردو كرم, بأن”صحافته لا لون لها ولا طعم ولا رائحة”, ودافع عن نفسه , في البرناج نفسه, لإاعتبرها “صحافة الحقيقة الموضوعية”!
وعلى الرغم من تلك المهادنة, لم تسلم “الأسبوع العربي”, من “قلم المكتوبجي”(قلم الرقيب), فكانت تمنع, وتصادر, فتحى “الحقيقة الموضوعية”, كانت ترفض.
عندما إحتد الخلاف بين الرئيس جمال عبدالناصر, والملك سعود بن عبدالعزيز, إنقسمت الصحف اللبنانية, بين من رفع راية عبدالناصر, وبين من أنتقده وآرز العاهل السعودي عليه.
وقفت “الأسبوع العربي” من الخلاف المحتدم على الحياد, ما تلونت مقالاتها وتحقيقاتها, لا مدحت, ولا ذمت ولا هجت. فإستدعى عبد الحميد السراج, الحاكم بأمره في سوريا, مراسل “الأسبوع العربي” في دمشق, وطلب نقل رسالة الى ياسر هواري, بوصفه رئيساً للتحرير, يطلب منه فيها أن تدبج المجلة مقالات تتبنى فيها مواقف الرئيس المصري, وتنكل بالعاهل السعودي! فكان رد ياسر هواري بالرفض القاطع… فإزورَّ نحو “الأسبوع العربي” نظر عبدالحميد السراج, فنظر إليها نظرة تحسب وإنتقام, ولم يكتف بمنعها من التوزيع في سوريا, فإعتقل مراسلها, وأودعه السجن, للي ذراع هواري وتطويع المجلة. وما كان من جورج ابو عضل إلا أن آزر رئيس تحرير مجلته في تصديه للحاكم بأمره في الشام, وتكفل باعانة عائلة المراسل المسجون . وعندما تصالح مع سعود, أرسل ياسر هواري يطلب من السراج فك اسر مراسله. وهكذا كان.
ويحسب على ياسر هواري , جرأته في كسر التقاليد والمعادلات الصحافية, فكانت “الأسبوع العربي” المجلة السياسية الأولى في العالم العربي, التي تجرأت أن تصدر بقضية ثقافية على الغلاف, عندما خصص غلافاً لخروج محمود درويش من فلسطين, ثم منح الرحابنة وفيروزتهم, أغلفة عدة, وكان له الفضل في تعريف العرب على نزار قباني بنشر قصائده الجديدة, فإحتل غير مرة غلاف المجلة.
وإستمرت “الأسبوع العربي” المجلة الأولى في العالم العربي, لا ينازعها أحد, حتى مطالع السبعينات, فأخذ نجمها يأفل تدريجاً, وصحافة التحقيقات والصورة اصبحت “دقة قديمة”, وركنتها على الرف “صحافة المعلومات” التي أطلقها سليم اللوزي, وتسيدتها مجلة”الحوادث”, حتى وفاة اللوزي سنة 1980.
..ولم تتوقف احلام ياسر هواري …
مودي حكيم
مجلة 24 ساعة