الرئيسية / كلمة العدد /
نساء ” روز اليوسف ” 7
الناقدة الهادئة والكاتبة الشرسة ونصيرة حقوق الإنسان
مودي حكيم
مودي حكيم

نساء ” روز اليوسف ” 7
الناقدة الهادئة والكاتبة الشرسة ونصيرة حقوق الإنسان

كنت أعجب لصحافيين, كيف أنهم يمارسون مهنة لا يعرفون شيئا عن “مطبخها”, و مراحل تحضير صفحات العدد قبل مثولها الى المطابع.

كنا مرة, جماعة من صحافيين و كتاب و فنيين, في بعض المنازه في المحروسة, و الزمن مطالع سبعينات القرن الماضي.   و لست أذكر من ذا الكاتب بين الحاضرين, الذي ساق في الحديث أشد اللوم لمعاهد الصحافة, على تقصيرها في إدراج “التطبيق العملي” في مناهجها, بحيث يكتفي بعض المتخرجين بخليط من “النظريات” عجيب, فيه المستطاب النافع,          و المستكره, الذي ضرَره  أكثر من نفعه… و بعد ذلك يحسب “المتخرج” على الجرائد و المجلات, “صحافيا”, و هو لا يعرف قبض القلم أمِن رأسه يُمسك, أم من ذَنَبه, و إن عرف, كتب أفكاره في حلة الحرف, ركيكة, مشبعة بالأخطاء اللغوية, ناهيك عن جهله المطبق, لمراحل رحلة النص المكتوب الى المطبعة.

و كان أن طرق مسمع عميد كلية الآداب في جامعة القاهرة, من لقطات أحاديث تلك الليلة, فتفاجأنا, مع بداية العام الدراسي الجامعي, بإدراج قسم الصحافة في  تلك الكلية, “التطبيق العملي” في مناهج طلاب السنة الأخيرة,  و أختيرت لذلك مؤسسات صحافية كبرى في المحروسة  لتدريب الطلاب مدة شهر دراسي كامل, و تعريف الطلاب الذين ما يزالون في ليان العود على “مطبخ” المجلة أو الجريدة, و دور كل من رئيس التحرير, و مدير التحرير, و سكرتير التحرير التنفيذي و المشرف الفني.

و حدث أن  كُلِفت, بوصفي المشرف الفني في “صباح الخير”, أن أتولى تدريب دفعات من الطلاب و الطالبات, إختيرت “دار  روز اليوسف” لتدريبهم العملي.

فعكفت على وضع منهج عمل مشروح, بالتفاهم مع الدكتورة منى الحديدي, و الدكتورة ماجي الحلواني و الدكتورة منى جبر.

كان المنهج يبدأ من وضع المخطط العام للعدد  Flat Plan  الذي يلحظ التبويب, و تقسيم المجلة الى “ملازم” يحددها عدد الصفحات ,  لتبدأ رحلة التحضير و تجهيز العدد: تُسلم المادة التحريرية المكتوبة من الصحافي, و تُمرر على رئيس التحرير, ثم مدير التحرير الذي يراجعها, و يُنقيها من هنّات اللغة الهيّنات, و الأهم يدقق بأن أن المكتوب يتماشى مع سياسة المطبوعة, أو أنه يشذ عنها و يخلفها! و يختار مدير التحرير, بعد ذلك, العناوين الملائمة, و كذلك الصور  المرافقة لها, ثم تنقل المادة المكتوبة الى قسم التنضيد و التصحيح, لتتحول الى”مسودة ” نهائية, يتسلمها  قسم الإخراج و التصميم, حيث يتولى المدير الفني تصميم الصفحات و توضيبها, فتنتقل الى قسم التصوير, لتحويلها الى أفلام, تأخذ طريقها الى قسم التجهيز الطباعي, فتُجمع الأفلام في ألواح plates لتُلقم للطابعة, و بعد أن يجّف الحبر, تأخذ الملازم المطبوعة طريقها الى قسم التجميع و”التخريز”, لتأخذ المجلة شكلها النهائي, فيتولى قسم التوزيع إيصال النسخ المطبوعة الى المكتبات, و أكشاك الباعة.

و دفعة بعد أخرى من الطلاب و الطالبات مروا على المكاتب و الأقسام, عاينوا, وقفوا على أدق ما يدور في “مطبخ ” المجلة, و إنغمسوا في العمل…

و من ضمن الدفعات التي قمت بتدريبها, واحدة, إختير منها ثلاث طالبات للعمل في “صباح الخير”.

ماجدة الجندي 

من المنصورة , كابرا عن كابر.  رجحت خلف لسانها كفة “جان راسين”, فلقد  فُتح لها في اللغة الفرنسية ما لم يُفتح لسواها, فتعلمتها في المدرسة الخاصة.

مَلَكت ماجدة عنان النثر, و عافية اللغة, يطلُ الرأي من صرير قلمها, جريئا, حادا, روح منفتحة, تجول باحثة عن المعنى, لا يصدفها صادف, و لا يردها رادٌ, فأجادت كتابة التحقيقات,  و كانت بدأت برصد الحالة الإنسانية أثناء حرب الاستنزاف ما بين 1969 و حتى حرب 1973 و متابعة إعلامية للحوادث و التطورات.

بعد فك الحصار عن مدينة السويس, حملت ماجدة قلمها و أوراقها, و في النيّة, إجراء أحاديث صحافية مع أبناء “منظمة سيناء العربية “, ففوجئت بتمنعهم, و رفضهم الكلام إلا بعد مشورة  و موافقة جمال الغيطاني, فهم لا يثقون بحَمَلة الأقلام إلا به وحده!

 

“جمال الغيطاني”… رددت الإسم في ذهنها مرات عدة, حاولت أن تراجع ذاكرتها: ما مرة قرأت للرجل أو  طَرَق مسمعها أي حديث عنه…إشتد بها الإستياء, إستحوذت عليها خيبة ممضة, و هي تلملم أوراقها, و تعود الى المحروسة خالية الوفاض.

و عادت ماجدة الجندي, تمسك القلم و تضع سنَه على الورق, و تتشكل أحرف تحقيق يتناول “خطابات المجندين لأسرهم”، مسحت قلمها منه, و أودعته إدارة التحرير, و كلها أمل أن ينشر في “صباح الخير”, أيامذاك, كانت “الصبوحة” تصدر كل ثلاثاء.

يوم السبت, صدرت جريدة “أخبار اليوم”, و على إحدى صفحاتها مقالا, محض مصادفة, متوج بالعنوان نفسه, و مذيل بإسم جمال الغيطاني.

فأسقط في يد ماجدة, و إهتزت حنقا, فشعرت بنت التاسعة عشرة بالإحباط, دهمها إحساس بالفشل, بَرَق في نفسها خاطر ما أحبته.

و أخذت المحنة تنجاب عنها  شيئا  بعد شيء, حتى عاودتها طمأنينتها, و راجعتها الثقة بنفسها, و عادت تمسك القلم, تكتب و تبدع, و تتجمع العيون على تحقيقاتها و مقالاتها الممتعات.

و تمر الأشهر, واحد ميت و آخر مولود. و حدث أن  دار “روز اليوسف” كانت تباحث جمال الغيطاني في أمر نشر كتابه     ” المصريون و الحرب “, فعرّج على الدار لإتمام عقد النشر. فما كان من رؤوف توفيق, مدير تحرير “صباح الخير”, إلا أن نادى على ماجدة, فما أن دخلت المكتب حتى بادرها مشيرا الى شاب كان في المكتب:

” صديقك اللدود أهو ” …

إنتصب الشاب واقفا, مد يده  لمصافحتها, إلتمع وجهه أمامها, قال بنبرة وضع فيها كل إعجابه بها:

“جمال الغيطاني”.

إستحوذ عليها خدر رفيق, مسدت بأصابعها خصلات متمردة من شعرها, تمسك بها الإرتباك, ما توقعت أن تراه, رفّ قلبها. بقيت صامتة, هي التي كانت تهتز حنقا, عندما يطوف إسمه في ذاكرتها, ما بالها , لا تعاتبه, لا تجادله, لا تعبر عن إمتعاضها, ما بالها مذهولة, مأخوذة بلطف ذلك الشاب؟

لم يتمالك رؤوف توفيق من حبس إبتسامة ماكرة, إنقلشت, غصبا عنه, على شفتيه, و هو يكلف ماجدة كتابة تحقيق عن المناطق الأثرية فى القاهرة القديمة … ثم  أعطى إبتسامته مداها, و هو يقول بخبث ظاهر:

” أفضل مرجع مساعد لك, و الوحيد الذي يمكنه تزويدك بمعلومات عن المنطقة هو زميلنا في “أخبار اليوم “, و صديقك اللدود جدا…جمال الغيطاني”.

و تلتقيه, و تغزل اللقاءات قصة حب بينهما, وضع خاتم الزواج في خنصر”جلالة الملكة”, كما كان يناديها, و ثمرة الزواج كانت محمد و ماجدة.

بعد عشرين سنة, تركت ماجدة الجندي “روز اليوسف”, قبلت عرض”الأهرام” لكتابة  صفحة ثقافية تتناول ثمرات المطابع, في نقد و مراجعة, سمّت تلك الصفحة “غذاء العقول”, و الإسم على مسمى, فما كانت تكتبه من نقد, لاذع أحيانا, كان يُثري المدارك, و يُغذي العقول.

ثم تولت رئاسة تحرير  مجلة “علاء الدين “, فقدمت من خلالها و بأسلوب شيق, مشوق, و جاذب, موادا غير مترجمة، كُتبت خصيصاً للأطفال، و بسّطت المحتوى الثقافى لأهم الكتب، و من خلال إكتسابها روح و أسلوب المؤسسة العريقة             “روز اليوسف” في إكتشاف المواهب، فتحت الأبواب للرسامين و المبدعين لتقديم رسومهم و إبداعاتهم .

حققت ماجدة  الجندي نجاحات صحافية بالإمعان في البحث في كل ما يعترض لها, و تخرج من بحثها بالرأي البنّاء, الذي لا يخلو من عمق النظر و الصواب, كل ذلك الى المجالدة في جمع المعلومات, التي كثيرا ما إنفردت بها.

و ماجدة الجندي, كما عرفتها, لا تجيد و تتميز إلا تحت ضغط الوقت, و مازالت تبهرنا, و تنشينا, و تغبطنا بإجاداتها الممتعات.

 

درية الملطاوي

 

صعيدية, ولدت و ترعرعت في  بلدة “مير” مركز ديروط بأسيوط. ناس “مير” ناكفوا المستعمرين الفرنسيين, خلال حملة “نابليون بونابرت”, و أبلوا بلاء حسنا.

إن قرأت لها,  لا تصدق أن تلك الكاتبة الشابة, الهادئة, الرقيقة, الخجولة, الرهيفة الحس, يمكن أن تكتب بمثل تلك الحدة,    و الغضب, و الشراسة.

تناولت قضايا الفساد, و فتحت ملفات الفوضى المجتمعية, بجرأة, و من دون هوادة, راحت تكشف, و تتهم, بالأدلة القاطعة, تتوكأ في ما تكتب على الأسانيد, لا تحكم بظاهر الاشياء, و لا تنظر لها, و إنما تتحرى ما وراء الظاهر, و تعمد الى الجوهر, جوهر الحقيقة نفسها.

سنة 1993 صرخت, و كان لصراخها دويه البعيد المدى,  مُحذّرة من الإعتداءات المتواصلة علي الأراضي الزراعية, و أملاك الدولة, و دعمت كلامها بالحجج و المستندات …

بعد سلسلة مقالاتها: ” من يعتدي على أملاك الدولة ؟ ” إشرأب الناس يعجبون من هذه الصحافية, العظيمة الصولة, الصارمة القلب, الشديدة الإقدام.

و يمشي قلمها على هموم الغلابة, و لا ينحدر من المنازل العالية في المراقبة, فلا يقع بصرها على شيء إلا و تحّرته, فتناولت في أحد تحقيقاتها مشكلة 155 أسرة من” محافظة الجيزة “, يبحثون عن مساكن …

و في تحقيق آخر, حكت عن قضية المجتمعات العشوائية و عن ‘ قاتلة زوجها ‘، الى إحباط تهريب المخدرات.

و سال حبر قلمها على  ملف الفساد في الهيئة الطبية للسكك الحديدية،  فكتبت:” رسائل الأطباء و العاملين تصرخ بالشكوى  و تكشف وقائع جديدة “.

 

“سرقوا عيون إبني فمن يحاسبهم؟”, تكتب, و تروي قصة طفل أمضى سنة و نصف السنة, متنقلا للعلاج بين  مستشفى “أبو الريش للأطفال” و”معهد الأورام” , و صوّرت بما يدمي القلب, معاناة  أم الطفل, عندما تسلمت جثة ولدها, و قد فُقئت عينيه.

كانت تلك واحدة من مئات حوادث سرقة الأعضاء داخل مستشفيات المحروسة.

إذا كان الكاتب, يبحث دائما عن مكان في ذواكر الناس, فإن درية الملطاوي وجدت مكانها و مكانتها, في الذواكر و القلوب.

 

كريمة كمال

” إن الظروف غير العادية لا يمكن التعبير عنها بالشكل العادي “.

كتبت, ذات مرة, و ما سال حبر قلم كريمة كمال إلا حول الظروف غير العادية. كاتبة إستثنائية, تطلق القول مرسلا, لا يعنيها سوى رحابة غمسة من معين الحق, مبسوطة العلم بغير لغة, متمتعة في كتاباتها بصحوة ذهنية رائعة, حية وّقّادة, كتابات لا تستكين إلا للبراهين, و لا تقعد عن طلب العلّة و السبب.

ما تغافلت كريمة كمال عن مسألة شائكة, أو عويصة, فتلجّ مواضيع لم يمخر في عِبابها الآخرون.

 

 

في “صباح الخير”, كانت كريمة كمال علامة فارقة, إن في التحقيقات الجريئة, الشيقة, المخدومة, التي كانت تثير جدلا, أم في أسلوبها الخاص, الذي فيه نكهة إيماء تغني القارىء عن اللَمح الساخر, و لذعة التهكم.

و تحمل كريمة كمال قلمها, تتركه يمشي على عمود يومي لها في جريدة “المصري اليوم”, التي كانت فيها أيضا مستشارة التحرير, و تبرز قدرتها على تناول القضايا التي تمس الناس, تعينها على ذلك, ثقافة وافرة, و تجربة حياتية في العمل الإجتماعي و السياسي.

في ذلك العمود, النهم الى كشف المستور, طرحت  مرارا السؤال المرِّ مرارة العلقم: “هل تقف الدولة على الحياد؟”

هل الدولة و أجهزتها “على الحياد” في الإنتخابات التشريعية العامة؟

هل هي “على الحياد ” في القوانين التي تُفَرِق بدل أن تجمع و توّحد؟

و ألف هل, و ألف علامة إستفهام.

و لا يجلي في قضية زواج القاصرات سواها, و لم يبلغ أحد مداها..

“هل المجتمع منافق أم مريض ؟ ” سألت, و هي تنناول مشكلة ” الشغالة “.

إهتمت كريمة كمال في تقاريرها و تحقيقاتها الصحافية بحقوق المرأة و حقوق الإنسان و الأقباط ، مدافعة عن حرية الصحافة و مشاكل المجتمع و مواجِهة السلبيات و إنتفاء قيمة العدالة و الخير و الحب و تراجع قيمة القدوة و قيمة الأسرة.

و لم تمنعها الكتابة  من النشاط الإجتماعي و الحقوقي, فكانت إحدي أعضاء “المجلس القومي للمرأة”, و عضو في لجنة الإعلام للجهاز المركزي للتعبئة العامة, و عضو في لجنة السكان, و نقابة الصحافة, و”جمعية صانعي الأفلام الوثائقية”.

 في سنة 2017، أعلنت “المنظمة العالمية للصحف وناشري الانباء ” WAN-IFRA  فوز كريمة كمال بجائزة القيادة في التحرير لبرنامج ” النساء في الأخبار ” لتلك السنة .

لكريمة كمال رفا متميزا في المكتبة العربية:  ” السرايا الصفراء”, “آلهة و خطايا”، “بنت مصرية في أمريكا”, “فساد الياقة البيضاء”, “طلاب الأقباط ” و” الأحوال الشخصية للأقباط”.

.. ولأن روز اليوسف ” ولّادة ” و لأن المرأة قطعت شوطاً كبيراً فى الوصول الى حقوقها فى غرف الاخبار و عدم إعتبارها دخيلة،  رغم إستمرار ما تواجهه النساء في عملهن الصحافي من تشكيك فى قدراتهن على القيادة، فقد مهدت نساء روز اليوسف الطريق لجيل جديد من الصحافيات لم أسعد بالعمل معهن، و لكنى تابعت و أتابع إبداعاتهن الصحافية باهتمام      و إعتزاز منهن مني فوزي، ناهد فريد ، نجلاء بدير، سهام ذهنى ، سلوي الخطيب ، كاميليا عتريس ، د. عزة بدر ، جيهان الجوهري ، بسنت الزيتونى ، هايدى فاروق و ناهد الشافعي .. وغيرهن ممن خانتنى الذاكرة .. و أعتذر..

   مودي حكيم

شاهد أيضاً

الروبوتات .. قادمون .!

  فى وقت يعيش فيه العالم تحت ضغوط متزامنة لعدة أزمات كبرى تتقاطع فيها بأمن …