شخصية تحتار معها فهو بإطلالته وسيم ، جذاب وجميل الطلعة . وهو ابن البلد البسيط الجالس على مقهي فى حواري السيدة يدخن الارجيلة ، واحياناً الفلاح البطل الأول لحكاية الأرض والنيل ، وروح مصر رمز الخصب والعطاء ، جندي الأرض ورمز الأمل ، صديق الشمس تشرق عليه وتغرب عنه ، وفي جميع الأحوال مهموم بالوطن وآماله ، هو المثقف الذي يربط بين الإبداع والتعبير عن هوية مجتمعه ، يعشق الشعر ويحب شعر فؤاد حداد ويلقيه ويبكي عند إنشاده ، يحفظه ويحتضن ديوانه ، لم يعرفه قبل مماته ، ولكن جمعهما المشهد الفني المصري فى فترات متقاربة . شخصيته لا تشبه أحد ، هادئ ، رصين ، صريح ، مفرط فى المثالية ، والجدية قد تخشى الحديث اليه ، لكن طيب القلب يضخ الحب والصدق ، ويمنح ويعطي بلا مقابل لمن يحب ، ونعم الصديق إذا اقتربت منه ، فهو الممثل والمنتج وصانع الدراما محمود حميدة . صانع سينما متواضع إلى حد الغرور ، إخلاصه للفن وثقافته العالية ،أعطاه الاستمرارية ، والإتقان والدقة نبراسه.
عرفته بعد لحظة جنون وعبقرية ، والجنون هنا شكل من أشكال التعبير الإبداعي ، المبدع الذي يجرؤ على انتهاك القواعد المعهودة ، و شكل خاص من أشكال الرؤية ، ووسيلة للمس غير المرئي ، الذي لا يمكن الوصول اليه . وهو يراجع نص سيناريو لفيلم يستعد لتصويره فيلمه جنة الشياطين ، لعب فيه دور رجل ميت طوال احداث الفيلم ، بعد أن تعذر عمل مكياج أو خدعة لتعطي صورة صادقة للمشاهد ، قرر حميدة خلع اسنانه حتي تبدو الصورة واقعية ، مما اثر عليه صحّيا بالإضافة للألم والمعانة . مؤمناً بأن “الممثل الحقيقي يظل يعطي ويضحي إلى أقصى حد يمكن تحمله حتى نهاية عمره”. كما قال .
عرفته عندما قدمه لى الزميل الصحفي الراحل محمود الكردوسي طيب الله ثراه كوجه جديد فى عالم النشر ، لتلتقى رغبة النجم محمود حميدة فى إصدار مجلة سينمائية متخصصة ، تفتح صفحاتها لنقد مبدع يوازي الإبداع السينمائي و حلم الكردوسي فى مجلة فنية ، والتقي الاثنين ليمول الفنان المجلة ويرأس تحريرها الكردوسي .
ولفرط حرص محمود حميدة على الجودة والتميز والشكل الجميل. أصر محمود حميده على تجهيزها بأكبر شركة متخصصة في هذا المجال في مصر، فكانت شركة مودّي جرافيك المشرفة على التجهيزات و على طباعتها في أكبر مطابع بيروت ” مطبعة جوزيف رعيدي ” .
خرجت “الفن السابع” للنور في ديسمبر 1997 حاملة أسماء محمود حميدة رئيسا لمجلس الإدارة، وفي الإدارة محمد الدسوقي و السيدة مها درويش، ومحمود الكردوسي رئيسا للتحرير، وحامد العويضي مديرا فنيا … لم تهتم الفن السابع بأخبار النجوم وحياتهم الخاصة بل كانت مجلة متخصصة ، قدمت قسم لفن و مدارس التمثيل السينمائي، و شرح أدق تفاصيل التكنيك والمصطلحات ومراحل وخطوات عمل الفيلم وتطورها تكنولوجيًا وأسرار الخدع السينمائية ورصد تاريخ السينما محليا وعالميا وإلقاء الضوء على من يقفون خلف الكاميرا من مخرجين ومديري تصوير ومونتيرين ومهندسي صوت وديكور وغيرهم و شهادات مهمة لكبار المخرجين عن الممثلين الذين عملوا معهم، ، وكذلك الاهتمام بالمخرجين الجدد والشباب الذين كانوا يحاولون ضخ دماء جديدة في شرايين السينما المصرية .
استمرت ” الفن السابع حوالي الثلاث سنوات ونصف ، محققة خسائر مالية كبيرة لم يستطع حميدة تحملها فصدر العدد “ 45 “ الأخير من مجلة ” الفن السابع ” كعدد خاص عن السندريلا سعاد حسني في أول أغسطس ” آب ” 2001 بعد رحيلها الصادم في 21 يونيو “حزيران ” من نفس العام.. وتوقفت بعدها.
***
قبلها بعام أو أكثر سافر حميدة إلى «أمريكا» فى سنوات متتالية ليتعلم فن التمثيل وعاد لتطبيقه عمليًّا، فقام بإنشاء «استوديو الممثل»، مستعينًا بأهم المتخصصين من الأساتذة والمحاضرين بهدف أن يكون مركزًا لتدريب المواهب الشابة إيمانًا منه بضرورة امتزاج الموهبة والمنهج العلمى ليكون ذلك تمويلًا لهذه الصناعة بكوادر فنية لمسايرة التطور السريع والهائل لهذه الصناعة فى أوروبا وأمريكا ودول العالم المختلفة .
فى نفس العام أسس حميدة شركة البطريق للإنتاج الفني والخدمات السينمائية ، بداء بأنتاج فيلم جمال عبد الناصر من اخراج أنور القوادرى ، ومنها ” جنة الشياطين ” من اخراج أسامة فوزي ويعتبر من أهم الأعمال السينمائية التي أنتجت في مصر والذي اعتبره النقاد واحداً من أهم مائة فيلم منذ قيام صناعة السينما في مصر حتى يومنا هذا، وقد نال العديد من الجوائز في مختلف المهرجانات التي شارك فيها ، وغيرها الكثير كمنتج أو منتج منفذ . وكإنسان مثقف انتج حفلات موسيقية لعازف الكمان العالمي «عبده داغر» بدار الأوبرا ومعهد الموسيقى العربية والجامعات المصرية.
إنتاج عددا من الأمسيات الشعرية للشاعر الكبير «فؤاد حداد» بتكوين فرقة عمل كاملة لتقديم تلك الأمسيات بدار الأوبرا ومعرض الكتاب الدولي ومكتبة الإسكندرية.
محمود حميدة صانع سينما ، ملهم ، رمزا للإبداع ، رفض إغراءات الإعلانات ، ورحلته هي حكاية فنان تجاوز حدود الزمن والإبداع ، ممثل لا يخاف المغامرة، ولا يتنازل عن فنه. نجم صنع مسيرته بجرأة المثقف وبساطة العاشق ، فهو ليس مجرد ممثل بارع، بل صاحب مشروع ثقافي متكامل يسعى من خلاله إلى إحياء إرث رموز الأدب والفكر، ليصبح أحد أبرز وجوه السينما المصرية المعاصرة ، ومن أكثر الفنانين تأثيراً فى الوطن العربي.
مجلة 24 ساعة