المجتمع لم ينصف المرأة ، وما حدث مؤخراً فى تكريم الفنانة نجاة الصغيرة ، واللغط السلبي أو الايجابي في تعليقات التواصل الاجتماعي ما هو الا نتاج مجتمع يعامل المرأة بشكل تمييزي فج ، فهي على مر العصور تعرضت للعنف ولم تتلق التقدير الذي تستحقه ، رغم التقدم الحضاري والتكنولوجي ، بدأً من خمسينيات وستينيات القرن الماضى ، ومع ظهور التليفزيون لأول مرة محدثاً تغييرات عميقة في العالم ، ظهرت الفتاوي الدينية فى منطقتنا حول المشاركة الإعلامية فى التليفزيون ، من كشف الوجه واظهار الزينة فى الثوب والملائمة فى الحديث ، وفتنة الرجال بصوتها ومظهرها وجسمها ، والاختلاط بالرجال فى اللقاءات الإعلامية . و رغم ما تُبذله جهود دولية كبيرة ساعية لتمكين المرأة من النهوض في كافة المجالات وتفعيل دورها في المجتمعات؛ إيماناً بأنّها شريك أول وأساسي في تحقيق أهداف التنمية والنهضة ، لا زال هناك جزء لا بأس به من الخطاب الإعلامي عاجزاً عن مواكبة ذلك، عامداً إلى حصر المرأة في صورة نمطيّة سلبية لا تُراعي إمكاناتها الكبيرة ولا تعكس دورها كشريكة في التنمية، في الحين الذي يجب فيه أن تُستغل أدوات الإعلام الفاعلة في تغيير السلوكيات والمعتقدات المجتمعيّة السلبية حول المرأة . والمؤسف أن تنخفض نسبة النساء العاملات في وسائل الإعلام مقارنةً مع الرجال في جميع دول العالم، فهنّ يظهرن في ربع نشرات الأخبار التلفزيونية والإذاعية والمطبوعة فقط، ووفقاً لأحد تقارير عام 2015م فقد شاركت النساء بنسبة 19% كخبراء في النشرات الإخبارية، وبنسبة 37٪ فقط كمراسِلات على مستوى العالم .
وعلى المستوي الدرامي ، الذي يستطيع أن يغير شكل الواقع ويقلب الحياة رأسا على عقب ببساطة، حتى الآن وضع المرأة في الدراما المصرية يثير النقاش والجدل، وبدلاً أن تسلط الأضواء عليها لتلقي الضوء على المشاكل التي تواجهها ودورها الوطني، ومشاركتها الإجتماعية، والسياسية ، ظهرت المرأة في أعمال شوهت صورتها والتي غالباً ما تظهر كمغوية لتحقيق الشهوات ، وخائنة، وعاقة ناكرة للجميل، ومادية جشعة ونفعية، وصاخبة، بل وبلهاء في بعض الأحيان . إنها مصدر للشر لدى مؤلفي الدراما العربية الجدد، واليد اليمنى للشيطان التي تدفع الرجال نحو الخطيئة ، لم تترك الدراما المصرية شيء إلا واستغلته حتى المرأة.
فى البداية ارتبطت الدراما بالإبداعات والكتابات العربية ، وتغيرت على مر السنين مع ورش كتابة المسلسلات ، ولجأ غالبية المنتجين إلى مشاركة جماعية لمجموعة من المؤلفين الشباب لكتابة سيناريوهات مسلسلاتهم ، غاب الادباء الكبار وسيطرت ورش الكتابة على الساحة الدرامية ، فضاع البناء العام للعمل الدرامي مع الاستسهال والاستعجال ، مستغرقة أكثر من اللازم فى التهريج والاسكتشات والافيهات ، والمط والتطويل ، دون خبرة ، أو معرفة بأصول المهنة ، فتراجع مستواها وجودتها ، وكثيراً ما إهانت المرأة بقصد أوبدون قصد .
و حكايات تقلبات الدراما مع المرأة المصرية ، بدأت مع ثورة 1919 أول ثورة تحمل مشاركات نسائية سياسية، وكان خروج النساء للميادين و المناداة بالإستقلال من الأحداث التي رفعت مكانة المرأة، حتى جعلت الأفلام تلقي الضوء عليها وعلى دورها في ثورة 1919، بالرغم من إختلاف مستوى تعليمهم واختلاف مستواهم الإقتصادي والإجتماعي والدين والعمر.
فأثمر ذلك كله أن بدأت إرهاصات الكتابات الروائية. ويسجل التاريخ الأدبي أن ” زينب ” – 1914، لمحمد حسين هيكل، هي أول رواية في الأدب العربي الحديث، يتوفر لها الشكل الأقرب إلى الاكتمال الفني. لقد تأثرت الموجة الأولى من الروائيين المصريين، والعرب عامة، بالحياة والأدب الأوربيين، بدرجات متفاوتة، حسب الخبرة الفردية بهذين العاملين؛ وقد صــوّرت المرأة في إنتاج هؤلاء الرواد الروائيين على أنها مجرد مخلوق جميل، يثير المشاعر، نبيلها أو خبيثها، على حد سواء، دون أن يكون لها كيان مستقل. كما أن معظم هؤلاء الأدباء قد تفادوا تقديم وتصوير المرأة المسلمة في رواياتهم، حتى لا يتعرضوا للتقاليد الإسلامية؛ ولجأوا إلى اختيار بطــلاتهــم من بنات وسيدات الأقليات. وحتى ” زينـــب “، بطلة هيكل، لم يوفق المؤلف في إحكام رسم شخصيتها بحيث يقدم لنا بطلة مصرية حقيقية، عاشت في بداية القرن 20، فجعلهـا أشــبه بشــخصيات القرن التــــاسع عشـــــــــر التي صــــــورها ( جي دي موباســـــــــان ) في رواياته و ( لا مارتين ) في قصائده؛ إذ كانت زينب، الفلاحة ابسيطة، التي تنتمي للطبقة الكادحة، تتحدث برقة مفرطة، وبمفردات غريبة على لسانها الأصلي، عن الحب الذي يفضي إلى الموت عشــــقا ! الشخصيات النسائية التي وردت في الروايات التالية لزينب؛ فمعظم من جاءوا بعد هيكل قدموا شخصيات نسائية، من الريف والمدن المصرية، ضعيفة وخاضعة تماما للرجل، يحميها أو يستغلها. أما ( العقاد )، فقد صور بطلته اليهودية ” ســـــارة ” – في الرواية التي تحمل اسمهـــا، 1938 – كامرأة مخادعة، كاذبة، خائنة؛ وعلى العكس منه، جاءت بطلات كتاب مثل محمد عبد الحليم عبد الله، ويوسف السباعي، نساء مثاليات، ملائكيـــات الطبـــاع.
عبر الأديب الكبير نجيب محفوظ عن نظرة المجتمع خلال فترة الاحتلال الإنجليزى وما قبل ثورة 1919 للرجل والمرأة والتفريق بينهما، وانحصار دور المرأة فى التربية وخدمة الرجل، فليس لها رأى وحرية فى اختيار قرارها، ومحور حياتها هو كيفية إرضاء الرجل فقط لا غير، فهو “سى السيد”، وهى “الست أمينة”، فلا تخرج من بيت الزوجية إلا فى حالتين الطلاق والوفاة.
وكانت بعض الشخصيات النسائية بمثابة المحور لمعظم روايات نجيب محفــــــوظ، مثل ( حميدة )، في ” زقاق المدق “؛ و ( نفيسة )، في ” بداية ونهاية ” 1949 ، وهما شخصيتان شاردتان، خرجتا عن التقاليد وانحرفتا. أن نجيب محفوظ شديد الاحتفاء بالنساء الخاطئات، ويقيم على بعضهن أبنيته الروائية، كمحاور رئيسية، أما النساء العاديات، مثل ( نوال )، في رواية “خان الخليلي” ، فهن لا يحظين باهتمام الكاتب، إذ أنهن مجرد إفراد متشابهات في قطيع، لا يصلحن لأن يقوم عليهن بناء روائي؛ أما إذا شردت واحدة من هذا القطيع، هنا ينجذب إليها الكاتب، أو الراعي، الذي يترك بقية القطيع، فهو مطمئن إليه، ويسعى خلف تلك الشاردة. وقد كانت ( نفيسة ) من الشاردات، وكذلك ( نور )، بطلة اللص والكلاب.
تدور أحداث الرواية في مصر القديمة قبل ثورة 1919 بمنطقة الحسين حي شعبي يضج بالحياة، تلقى الضوء على أسرة مصرية حياتها صورة حية تعكس الكثير من معاناة المرأة والتحول السياسي المتحكم في مشاعر وقرارات المصريين، نشرت الرواية عام 1956 ميلادية معبرة عن الحياة الغابرة التي عاشتها المرأة، لا تتلقى التعليم ولا احقية الاختيار حتى في أبسط الأمور، تتبع العادات والتقاليد الموروثة ، صورها الكاتب نجيب محفوظ كظل للرجل يتلاشى مع إضاءة الأنوار الشديدة من حوله فلا تستطيع أن تبصر النور إلا كظله، وجسده بصورة قوية السيد أحمد عبدالجواد رجل يحي بشخصية مزدوجة يتحكم فيها بمنتهى البراعة ، دائما ما يظهر الجانب القاسي والحاسم والأمر والناهي في كل أمور أسرته التي لا يحب ان يعلم عنها إلا ما يرضي ذكوريته، التي تلين وتنعم وتتساهل مع العالم الخارجي وخاصة في حضور النساء والأصدقاء
بعد ثورة يوليو 52 صدرت رواية “أنا حرة” عام 1954 للكاتب إحسان عبد القدوس وحققت نجاحا كبيرا، واعتبرها النقاد التطبيق العملي لأفكار قاسم أمين عن حرية المرأة، لتتحول إلى فيلم سينمائي عام 1959، ، ليشكل الفيلم واحدا من أبرز ملامح عالم إحسان عبد القدوس وحكاياته عن الحرية وتحدي التقاليد الراسخة والتحولات في المجتمع المصري . ومن هنا أصبحت السينما تدفع المرأة وتشجيعها على العمل، والتعلم، والقيام بدورها في المجتمع ، قصة أمرأة نادت بحريتها في مجتمع ذكوري حتى أكتشفت أن الحرية لها معنى أكبر من حريتها الشخصية وأحق بالبحث عنها وهي حرية الوطن. في عام 1957 قدم المخرج صلاح أبو سيف فيلم “الوسادة الخالية” عن قصة لإحسان، ، ثم عاد بعد عامين ليقدم “أنا حرة”، حيث تلعب لبنى عبد العزيز دور الفتاة أمينة التي تتمرد على تربيتها وتقاليد المجتمع، ليتسابق كبار مخرجي السينما المصرية على تقديم قصص إحسان للجمهور. وقدم عبد القدوس رائعتيه “في بيتنا رجل” (1961) و”الخيط الرفيع” (1971). للمخرج هنري بركات في الفيلم الأول نرى قصة حب بريئة تربط مناضل شاب اسمه إبراهيم حمدي ، بشقيقة صديقه نوال ، حيث يجمعهم بيت مصري أصيل يختفي فيه إبراهيم عن أنظار البوليس، وفي الفيلم الثاني نتتبع منى الفتاة الفقيرة التي تتخذ عشيقا ثريا كبيرا في السن تحت ضغوط الحياة . في “إمبراطورية ميم” (1972) يقدم لنا المخرج حسين كمال -عن قصة لإحسان- نموذجا للأم المثابرة في تعاملها مع أبنائها وسبل التربية الحديثة، حيث تتحمل بطلته مسؤولية أبنائها الستة بجانب عملها في وزارة التربية والتعليم بعد رحيل زوجها، ثم القي احسان عبد القدوس الضوء على قضايا المرأة فى فيلم “أريد حلا” للفنانة فاتن حمامة، 1975 والذي نتج عن هذا الفيلم تغيير قانون الأحوال الشخصية. و فيلم “لا عزاء للسيدات” والذي أشعل نظرة المجتمع السيئة ضد المرأة المطلقة،
وجاءت فترة الثمانينات بأعمال فنية درامية وضعت المرأة في شكل إيجابي بظهورها بجانب الرجل، وبخروجها للعمل ومساعدته في تحمل مشاكل وأعباء الحياة، بدأً بأسامة أنور عكاشة بمسلسل “الشهد والدموع” 1983 أحد روائع الدراما المصرية الخالدة ليلقي الضوء على دور المرأة كأم صاحبة مبادئ، ومثابرة، وتجد استثمارها في أولادها هو أهم وأنجح استثمار في حياتها ، فى رائعة إنسانية خالدة ، وملحمة اجتماعية . وأبدعت الكاتبة سناء الببسي بقصتها وسيناريو صلاح جاهين بمسلسل “هو وهي” الممثلة “ عام 1985 تتناول فى كل حلقة منه قضية مختلفة من قضايا علاقة الرجل والمرأة.
و ظلت السينما المصرية مهتمة بقضايا المرأة وكيفية تحريرها، فكان فيلم “عفوا أيها القانون” والذي ألقى الضوء على قوانين الخيانة الزوجية، واختلاف العقوبة لكل من الرجل والمرأة في هذا الموضوع، وعن قصة للأديبة السعودية سميرة خاشقجي جاء فيلم “بريق عينيك” وسيناريو وحوار الصحفى احمد صالح تحدث عن مساوئ قانون بيت الطاعة، واستخدام بعض الأزواج لهذا القانون بطريقة خاطئة بهدف ذل زوجاتهم واهانتهم، وبعد فترة تم إلغاء هذا القانون.
وتأتي التسعينات ما تعرف ب”العصر الذهبي” بسبب ظهور المرأة في الدراما التلفزيونية والسينمائية، فيلم “مراتى مدير عام” 1966 للكاتب سعد الدين وهبة الذى تناول قضية حقوق المرأة والتركيز عليها وكيفية النظر إلى المرأة فى وضع القيادة، وتقبل الزوج لذلك فى إطار كوميدى ولكنه يحمل رسالة ذات معنى . في “الراقصة والسياسي” (1990) حول وحيد حامد قصة قصيرة كتبها إحسان تدور أغلبها على هيئة حوار بين راقصة وسياسي إلى فيلم سينمائي مثير أخرجه سمير سيف، يتناول الظلم في استعمال السلطة، حيث تقرر الراقصة سونيا سليم (نبيلة عبيد) فتح دار لرعاية الأيتام، لكنها تصطدم بالسلطة التي ترفض طلبها. و ظهرت المرأة في أدوار مثالية قدوة لغيرها، مربية أجيال جديدة في مسلسل “ضمير أبلة حكمت” والفنانة ” سعاد نصر” في يوميات ونيس، وليس هذا فقط بل شاركت زوجها في معاناة الحياة، وتربية الأبناء، وتحقيق أحلامهم، والإرتقاء بهم، ومثلت حياتها العلاقة الزوجية المحترمة وفيلم “مراتى مدير عام” 1966 للكاتب سعد الدين وهبة الذى تناول قضية حقوق المرأة والتركيز عليها وكيفية النظر إلى المرأة فى وضع القيادة، وتقبل الزوج لذلك فى إطار كوميدى ولكنه يحمل رسالة ذات معنى..
في بداية 2000 ظهر عصر جديد لم تُنصف فيه المرأة، وتغيرت اتجاهاتها السياسية والإجتماعية والإقتصادية مع كل تحدي واجهته خلال الحقب الزمنية المختلفة، فأصبحت المشاهد السائدة في الدراما والسينما المصرية هي مشاهد الإغراء، والأعمال السيئة كالسرقة، والنهب، والنصب، بل وانحصر دور المرأة في الدراما المصرية كونها سلعة لإرضاء رغبة الرجل بأي شكل، بل وأصبح كل هدفها هو منافسة النساء للحصول على الرجل، وبهذا سُلب منها طموحها وكيانها وذاتها . وعلى مستوي الأعمال الدرامية التليفزيونية ، ناقش الكاتب الراحل وحيد حامد في ” احكي يا شهرزاد ” 2009 موضوع القهر الذي تتعرض له المرأة في المجتمع المصري، مقدماً عدة قصص مأساوية لمجموعة نساء عانين من قهر الرجل خصوصاً، أو من قهر المجتمع الذكوري عموماً، ليتحولن نتيجة ما عشنه أو وقع عليهن من قهر إلى ضحايا، يتكئ وحيد حامد على قصص من كتاب ألف ليلة وليلة ، سواء من حيث رمزية قصته التي تصور المرأة كيان مسلي للرجل، فإن لم تفلح يكون مصيرها الموت .
رغم أن هناك أعمال جيدة مثل مسلسل “ذات” التى ركزت على المرأة وكيفية تأثير التغيرات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية على وضع المرأة، متناولًا التحديات المختلفة التى واجهتها عبر الحقب التاريخية المختلفة ، بخلاف الأدوار التاريخية لبعض السيدات اللاتى أثرن فى المجتمع المصرى مثل “هدى شعراوي”، و”صفية زغلول”، و”أم كلثوم” وغيرهن. وتم تجسيدها فى الدراما المصرية . إلا ان هناك ضفيرة من بَخْسُ الأعمال . فساد يقوض المجتمع ، ودراما تَحُضُّ على “الفهلوة” والشطارة والكسب السريع غلفت الأنشطة الاقتصادية والمالية في مصر منذ عصر الانفتاح الساداتي إن ما نحتاج إليه لمقاومة الشر والفساد هو الانضباط الأخلاقي، وعودة الأصول المنسية، والإحساس بالمسؤولية، وليس التدخل المجتمعي الاقتصادي والسياسي والثقافي، وبالتالي تتجاهل الدراما العربية الآن، وبشكل صارخ، مسؤولية السياق العام للسياسات الاقتصادية والاجتماعية التي تشجع على الظلم والشر والفساد. صورة مشينة أو تمييزية أو عنصرية أو منحازة ضد المرأة .
اصبحنا نفتقد إعلاميين يأخذون على عاتقهم مهمة تنوير مجتمعهم رؤية متسقة ومتماسكة تجاه الكثير من القضايا التي تشغل المجتمع المصري ، اصبحنا نفتقد كم من كتاب الدراما العربية منهم وحيد حامد، وأسامة أنور عكاشة، وعاصم توفيق، ورؤوف توفيق، ومحسن زايد، و بشير الديك وغيرهم . اننا فى حاجة لجيل جديد من كتاب الدراما ينصف المرأة .
مودي حكيم
مجلة 24 ساعة