الرئيسية / صحافة ورأي / المحاور وسيد الميكرفون

المحاور وسيد الميكرفون

وصديقنا كان من هؤلاء، ارتبطت به منذ بداية رحلتى فى الصحافة، فى الأشهر الأولى سافرنا إلى بورسعيد، هو يحاور ويكتب وأنا أرسم. كان حريصًا أن يجلس لكى يتابع الإخراج الفنى لصفحات مقالاته حتى تخرج فى أكمل صورة. اقتربنا، تصادقنا وتزاورنا، حتى عندما أحب كنت كاتم أسراره. يمر على بيتى بمصر الجديدة لأصحبه إلى منزل حبيبته القادمة من الأقصر آمال العمدة فى ميدان الإسماعيلية، لتطل عليه من النافذة ويشاهد حبيبته، مشهد أقرب من المشهد الذى خلده شكسبير فى مسرحية روميو وجوليت، مع الفارق أن مفيد فوزى خلّد قصة حبه بالزواج من آمال العمدة فى عرس حضرته، ولن أنسى مشهد الحبيبين فى «كوشة العرس» تحيط بهما صديقتاه الفنانتان نادية لطفى وسعاد حسنى.

ورغم مرور السنوات وغربتى فى لبنان والمملكة المتحدة، فقد كان «مفيد» حريصًا على زيارتى ومتابعة نجاحاتى. وعندما عدت إلى مصر كان حريصًا على زيارتى فى مكتبى بالقاهرة. وأتذكر آخر زيارة حدثنى فيها عن رغبته فى تقديم برنامج تليفزيونى أشبه ببرنامج الإعلامى الكبير الشهير لارى كينج Larry King Live، رغم أنه قدم على مدى السنين أنجح البرامج التى صنعت عظمته، وحدثنى عن كتابه الجديد وسيرته الذاتية «نصيبى من الحياة»، تشبُّهًا بكتاب كينج «Larry King   My Remarkable ‏Journey».

جمع لارى ومفيد تاريخ الميلاد، فالاثنان ولدا عام 1933، ومن عائلتين بسيطتين، الأب لمفيد موظف بوزارة الصحة والأم فى الحالتين شجعت الموهبة الصحفية منذ الصغر. وجمعهما حوالى 60 ألف مقابلة حوارية مع مشاهير وسياسيين على مدار حياتهما المهنية التى استمرت 60 عامًا، وكانت فترة الستينيات مرحلة بناء بالنسبة لهما. ورحل كينج منذ حوالى عام قبل رحيل مفيد. تميز كينج بالهدوء والفضول الشديد، ومفيد بالجرأة. فاز مفيد بلقب «المحاور» ولارى كينج بلقب «سيد الميكرفون». اعتمد كينج إطلالة خاصة به، مرتدياً قميصاً بأكمام معقوفة وحمالات أكتاف ونظارات كبيرة دائماً، بينما يرتدى مفيد أحدث الأزياء والألوان الجريئة التى تنافس جرأته فى الحوار. الجمهور اعتاد على رؤيته بالملابس الكلاسيكية فى كثير من الأحيان، والكاجوال فى أحيان أخرى، اهتمامه بالحذاء كان مبالغًا فيه ويعود لطفولته، حكى لى قصصًا متعلقة به، من الأمانة ألا أذكرها. وهو يعشق الأحذية الإنجليزية، يهتم بها وينظفها بنفسه، وبالأخص ماركة « Church’s».

آخر كلمات أسطورة الإعلام الأمريكى لارى كينج: «لا أدرى ماذا أقول لجمهورى.. شكرًا لكم.. ولن أذهب بعيدًا، فبدلًا من كلمة «وداعًا» سأقول سأراكم لاحقًا».

أما آخر كلمات مفيد بعد مرضه فى آخر لقاء تليفزيونى: «طول اليوم لم أنم نهائيًا، وكأنى أول مرة باظهر على شاشة التليفزيون، أشعر بالقلق لظهورى فى التليفزيون بعد الأزمة، رغم مشوارى وتجربتى التى مر عليها نصف قرن». وأضاف: «أنا باعتبر نفسى من أبناء هذه المهنة، ولا أريد شيئًا فى هذه الحياة».

سكت الكلام، وتوقف الحوار..!

شاهد أيضاً

الحرب انتهت لكن السلام بعيد

مصطفى النعمان  كانت المشاورات اليمنية – اليمنية التي انعقدت في الرياض برعاية مجلس التعاون لدول …