الله محبة

مودي حكيم

مودي حكيم

شعرت بالغثيان، وضاقت أنفاسى وتمنيت الهروب لعالم افتراضى فيه يحب الناس بعضهم البعض، وأنا أشاهد برنامجا على إحدى القنوات الفضائية. فاجأتنى فتوى من متحدث، واحد من باعثى الخوف فى النفوس، كلامهم مثل تعاويذ السحرة ينشر أوبئة حديثة، أخطر من الإصابة بجرثومة حقيقية. بث المتحدث رذاذ فيروس الكراهية فى وجه المشاهد بقوله «لا يجوز إطلاق (الله محبة) على الله سبحانه وتعالى، لأن هذه الكلمة (الله محبة) هى شعار للنصارى، فهم الذين يطلقون هذه الكلمة على الله، ولا يجوز لمسلم أن يتشبه بالمشركين وأهل الضلال فيما هو من خصائصهم وشعاراتهم». تعاويذ تؤذى ضحاياها عن طريق قوة الإيحاء، وجرثومة مثل جراثيم نشر الشائعات والقيل والقال، تخلق معتقدات مميتة، تغير الكيمياء الحيوية للدماغ عند الأشخاص المصابين بهذه المعتقدات. الكراهية شعور شخصى، لكن التحريض عليها جريمة مجتمعية تدمر المجتمع وتبث الطاقة السلبية، وتفرق أبناء الوطن.

«الله محبة.. الخير محبة.. النور محبة»، كلمات تغنت بها أم كلثوم، فهل نحرم ونمنع أغانيها، وتكمل لتطربنا: «قول الحب نعمة.. مش خطية»، فما رأى نجم القناة الفضائية فى كلمة «خطية» وهو مصطلح «نصرانى»، على حد تعبيره، يستخدمه كثيرا المسيحيون فى حياتهم.

أسماء الله الحسنى تسعة وتسعون اسما كلها محبة، ليس من بينها صفة المحبة.. لكن تفيض بصفات المحبة كاللطيف، الحليم، القدوس، النور، العفو، الرؤوف، البديع، الهادى.. أليست صفة «الغفور الرحيم» تولد من رحم المحبة، أليست صفة «السلام» تنبع من المحبة، هل يوجد سلام منزوع المحبة، أليست صفة «المجيب» تأتى من محبة، من ذا الذى يلبى النداء ويجيب سوى قلب مفعم بالمحبة؟!.

إن المحبة هى جوهرة صفات الله، حيث تنهمر من السماء على الجميع كنزول المطر فى الأرض اليابسة فترويها وتنعشها من جديد، وتعمل حينا على بلسمة الجراح وحينا آخر تدفع بالإنسان للرجوع إلى الله، فمحبته لا حدود لها، فهى تخترق الحواجز وتنساب بهدوء كسواقى المياه العذبة، فتدخل إلى داخل أعماق الإنسان من دون استئذان لتمحو البغض والضغينة والحسد، فتزرع حقائق روحية ثابتة لا تتزعزع، وأجملها:

لقد خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان فى أحسن صورة وتقويم، كما كرمه على الخلائق جميعها بما أنعم عليه من النعم الكثيرة. وقد كان الإنسان فى خلقته آيةً من آيات الله. من هذه المحبة خرج الإنسان من تراب الأرض على صورة الله الأخلاقية والأدبية، حيث كانت الحرية ممزوجة بجبلته وجعله الله يتسلط على كل كائنات الأرض وباركه من السماء، وأظهر له كل اهتمام ومحبة، ولكن الإنسان استخدم ما أعطاه إياه الإله بطريقة خاطئة، فسقط فى أول امتحان. ومن ثم تقدمت محبة الله نحو آدم لكى ترجعه من جديد بعد الانفصال.

الله واحد، وشعب مصر واحد. الله محبة، خلق الإنسان من نفحة محبة طينها واحد.

شاهد أيضاً

الحرب انتهت لكن السلام بعيد

مصطفى النعمان  كانت المشاورات اليمنية – اليمنية التي انعقدت في الرياض برعاية مجلس التعاون لدول …