الرئيسية / كلمة العدد /
الغربة الثانية (59)
«الصياد» في شبكتي!
مودي حكيم
مودي حكيم

الغربة الثانية (59)
«الصياد» في شبكتي!

تمضي الحياة من المهد إلى اللحد على نسق مستقر لبعض الناس، تسلمه كل مرحلة إلى تاليتها دون ضجيج ولا مفاجآت ولا مشكلات، وآخرون تمتلئ آفاقهم بالأعاصير، وتواجههم في رحلة الحياة “تحويلات” ومنعطفات مفاجئة، فتمضي حياتهم كفيلم دراميٍ تتلاحق أحداثه فتحبس أنفاس المحيطين.
وتمر الأيام وتعقبها السنين وتلاحقنا التجارب وتعقبها الخبرة …. تعلمت ألا أيأس، فنهاية الفشل حتما النجاح اذا وجد الإصرار والعزيمة، وتمر أقدار الحياة ثقيلة، فنظن أننا سوف نهلك بعدها، فإذا بلطف الله يفتح الأبواب، ليذيقنا سعة الحياة ورغدها. الله لايخذل المجتهدين ولا ينسي الصادقين.

فى غربتي الأولي بلبنان، حكيت قصتي مع الغساسنة .. منها جذور عائلة سعيد فريحة، ومحاولات الإبن بسام فريحة لضمي لأسرة “دار الصياد”، ودعوته لدخول بيت العائلة لألتقي بالكبير الأب سعيد فريحة، والأم حسيبة كوخي والإبنة إلهام فريحة وأخيها عصام رئيس تحرير جريدة الأنوار، وإعادة محاولة بسام، رجل الأعمال الماهر والمراوغ  والمثابر، فى إقناعي بالعمل معهم بشروطه التى وضعها، والتي لم تكن مناسبة أو عادلة، فبقيت العلاقة فى حيز الصداقة.

… وتدور الأيام وفى غربتي الثانية بالعاصمة البريطانية، ألتقي أنا وبسام، هذه المرة لست كواحد من العاملين، بل كمقدم خبرة وخدمات للدار العريقة.

فمع الحرب الأهلية التى عصفت بلبنان، لم يكن نصيب دار الصيّاد بأقل مما أصاب الكل. دفعت الدار الضريبة التي فرضها القدر على البلد فكانت فادحة ومرهقة وخطيرة. فقد فُجعت الدار بفقدان رفيقين سقطا صريعي إيمانهما بعملهما وقضيتهما الوطنية، هما نبيل حسن وكميل الحسنية شهيدي الصحافة. وتعرضت مكاتب الدار والمستودعات والأبنية لإصابات متعددة وحرائق دائمة، وأضرارا مادية تخطت الثلاث ملايين ليرة لبنانية. ومع ذلك ظل النبض حياً في هذه المؤسسة، وإستمرت الأنوار والصياد والشبكة وسمر في الصدور بفضل الروح النبيلة والفدائية التي تجلّت في نفوس المحررين، والإدارة الحكيمة للإبنة إلهام فريحة. أما بسام فريحة العائش في ترحاله من بلد الى بلد ومن قارة الى قارة، ومن وطنه الى كل الدنيا، فلم يتخل في أسفاره العديدة عن عمق صحافة أبيه في الحازمية، وإنما كان يطل من سنوات الحرب في البلد الحبيب لبنان ليعطي هذه المنارة جهده وخبرته، لتطوير الإنتاج والإدارة، لنجاح مطبوعات الدار وإصداراتها.

ولكي يبقى بسام فريحه قريباً من صياد أبيه، ومتناغماً في أحلامه مع فكرة توسيع وتطوير الإمبراطورية الصحفية، مزج بين الداخل والخارج، أي إرتأى أولاً أن تنقل مجلة الصياد الى لندن وتتابع صدورها من هناك مع تجهيزات جديدة، وأقلام جديدة، وطباعة فنية وإخراجية متقنة.

كان لقائي مع بسام فريحة بعد غيبة فى منزله بمنطقة بيلجرافيا بقطاع لندن الفاخر، الحى الراقي الذي يفضله أثرياء العرب وينافسهم الروس واليابانيون لقربه من “هارودز” أهم مناطق التسوق فى لندن، وحديقة هايدبارك والتى تزيد أسعار العقارات فيها عن خمسة عشر مليون جنيه إسترليني، وبمعدل زيادة سنوية لاتقل عن 17% . لفت نظري مع بداية  الطابق الأرضي من البناية بطوابقها الثلاث، لوحات زيتية وأعمالا فنية للمستشرقين الفرنسيين والبلجيكيين والإيطاليين. لاحظ بسام إهتمامي بمقتنياته التي إستغرق جمعها سنين طويلة، فأخذني فى جولة لمشاهدة خمسين لوحة من القرنين الثامن عشر والتاسع عشر وقعها فنانون عالميون من مدارس مختلفة. هناك المدرسة الفرنسية والمدرسة الإيطالية والمدرسة الإنجليزية والمدرسة البلجيكية والمدرسة الأسبانية والمدرسة الروسية والمدرسة الأميركية… رسامون تنقلوا في مختلف أنحاء العالم العربي ورسموا بشكل خاص المرأة التي كانت محور المجتمع في تلك المرحلة. رسم فيها الفرنسيون الحياة في مصر والجزائر وشمال أفريقيا عمومًا، منها لوحات الإيطالي فابيو فابي الذي عاش بين العامين 1861 و1946 وهي تصور جانبًا من الحياة في مصر أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، حياة تدور حول المرأة في حالات مختلفة تبدأ بالجلسات النسائية على الشرفة وتنتهي بالمشاركة في الأعراس… مرورًا بالرقص في الشارع العام في القاهرة. عالم لا علاقة له بعالم اليوم نقله رسامون أوروبيون إستطاعوا أن يكوّنوا صورة عن المجتمع العربي في مرحلة معينة كان فيها الشرق والغرب على تواصل.. والنساء فى مجتمع أكثر تحررًا وإنفتاحًا وأقل تعقيدًا. تكفي تلك الصورة لإمرأة عربية سافرة تعزف على آلة موسيقية رسمها الروسي فينسان ستيبيفيتش الذي عاش بين العامين 1841 و 1910 للدلالة على مدى الهوة التي تفصل بين الأمس واليوم. مرحلة نفتقدها في أيامنا هذه.

ومع فنجان من القهوة، ووسط مقتنياته بحسها المرهف الذي محوره المرأة، وبمودة وتهذيب إتصف بهما بسام، لاتخرج من فمه كلمة غير لائقة، فإستحق الإحترام دائمًا وأبدًا، حدثني عن لوحاته بدراية تامة بتاريخ فنون المستشرقين فى القرن 19 بين توثيق تراث الشرق وسحر قصص ألف ليلة و ليلة، وكيف رسم الفن الغربي صورة نمطية للعالم العربي. وبلغت حركة الإستشراق ذروتها مع بداية إنفراط عقد الإمبراطورية العثمانية وتنامي التطلعات الإستعمارية البريطانية والفرنسية فى العالم العربي، وتركيز المستشرقين على إبراز المشرق كعالم خيالي رجعي غارق في المتع والملذات قد يسوغ الأفكار الإستغلالية والشهوانية التي إنتشرت في أوروبا لقرون عن طبيعة الحياة فى المشرق.

فاجأني بسام فريحة وأدهشني بأمرين، أولهما أن كثيرًا من اللوحات مصدرها مصر. فعند التأميم فى بداية حكم الرئيس جمال عبد الناصر، ومع صعوبة التحويلات وخروج الأموال، لجاء فريحة وكان صديقًا وتلميذا نجيبًا للأستاذ مصطفى أمين وصديقًا شخصيا للرئيس عبد الناصر، وكانت دار الصياد هى المُعبرة عن آراء عبد الناصر، وإذا أراد أن يعلن شيئاً كان يعطي صحفها أولوية النشر. وليس سرًا أن دار الصياد، وبالذات مبناها الضخم فى ضاحية الحازمية ببيروت أنشئت وترعرعت بفضل الأموال المصرية التى أغدقها عليها جمال عبد الناصر، وقتها كان أنور الجمل المستشار الصحفى للسفارة المصرية فى بيروت هو “همزة الوصل”. بعد التأميم إقتني فريحة بماله عدداً من اللوحات والأعمال الفنية، خرجت

وصُدِّرت للبنان، الى جانب مقتنيات من المزادات في باريس ولندن، إهتم بها وحفظها بسام لتصل الى خمسين لوحة وعمل فني، تمثل متحفًا فى حد ذاته.

الأمر الثاني الذي توقفت عنده، وحمدت الله عليه أن يلجأ الى بسام فريحة لطباعة “الصياد” فى مطابعي المجهزة لطباعة الألوان بتقنية  “أوفست ويب” على ماكينة هاريس Harris  كنت قد إشتريتها من  مدينة “مالمو” السويدية من مطبعة أغلقت أبوابها ..

ولأن الله لايخذل المجتهدين ولا ينسي الصادقين تم الاتفاق مع بسام فريحة. وحسب أمثال جدتي ” ربك لما يريد يخلى الهوا يهد الحديد ” وعادت الصياد التى بناها سعيد فريحة بعرق الجبين عام 1943، وإنطلقت أسبوعياً بعد توقف لظروف الحرب اللبنانية من مطابعي فى لندن.

شاهد أيضاً

مودي حكيم

 الغربة الثانية (56)
كارثة عربية مفزعة !

مع مرور السنين والترحال مع الغربة لبلاد الله وخلق الله، تتجمع المعلومات وتتراكم الأوراق، فى …