كان إسمه نور, ولكن الناس لا يعرفونه بهذا الإسم, هم ينادونه “الحِلْوَنْجي”, حتى كاد، هو نفسه, ان ينسى إسمه.
نور اللوزي, وهذا إسمه الحقيقي, ما كاد يفك الحرف, حتى أرسله والده لتعلم صنعة الحلويات الشرقية عند عبد الرحمن الحلاب “سيد الحلويات”, وصاحب أعتق مصانعها في طرابلس, خرج منها “صدر بقلاوة”, و”كنافة بالجبن” سنة 1881. ثم إنتقل نور, بعدما بات يعرف بعض أسرار الصنعة, الى مصنع عبد السلام التوم الذي راح منذ سنة 1919 يطوّر ويزيد على الحلويات أصنافاً جديدة, “زنود الست” و “عش البلبل”, “العوامات”, … فطار ذكره, مثل الحلاب, في طول وعرض المنفسح العربي.
بعدما تمكن من الصنعة وعرف أسرارها, وكانت له فيها سنوات من الكدّ، فأتقنها ومَلَكَ عنانها, راحت تصارع نور اللوزي رغبة ملحاحة في أن يكون سيد نفسه, وليس أجيراً, فأخذ يصنع الحلويات في بيته حسب أصول تعلمها وأتقنها. فيحمل “صدور” الحلويات النحاسية, ويندار يبيعها في الشوارع والحارات وأماكن طرابلس العامة, ليعود الى بيته مع دغشة الغياب عندما يسرع الليل في مداعبة آخر النهار, مهدود الحيل, ممصوصاً من التعب, والألم الذي يتكمش في قدميه من طول المشي والوقوف, فيريحهما بغسلهما بالماء الساخن, ليعود ينتصب عليهما, يصرف قسماً كبيراً من الليل في تحضير بضاعة اليوم التالي, تساعده زوجته فاطمة التي إرتضت به, وبقسمتها معه.
وما أن يمسح الصبح بيده عتمة الليل, حتى يبدأ نور اللوزي في توضيب صدور الحلويات, ويعطي وجهه للنهار, مستفتحاً بدعاء يتمتمه بسره, وهو يفتش بين الناس عن رزقه ورزق عياله.
كان نور اللوزي طويل القامة نحيلها, عريض الصدر, اسمر البشرة, في وجهه تدور عينان تعودتا على التنقل في الوجوه العابرة أمامه, تتفحصها بعينيه قبل صوته الأبح, كان ينادي الناس الى حلوياته, فيقبلون عليه وعليها, يتلذذون بمذاقها الحلو.
ولا يخرج نور اللوزي من بيته إلا معتمراً “طربوشا” ذؤابته مؤلفة من خيوط حريرية سوداء مصقولة, ومثبتة خياطةً عند حافته العليا. وكان يضع تحت “الطربوش” منديلاً تتدلى أطرافه فتغطي عنقه وأذنيه, لإمتصاص العرق المالح الذي ترشه الشمس في الصيف. و في الأعياد المأمورة وفي المناسبات كان يخلع البنطلون, ويتمخطر بالقمباز المقلم.
كان نور اللوزي قوي الشكيمة, لم يستشعر يوماً واحداً ذل الفقر و مهانته, والعوز وضنكه, والحرمان من متع الدنيا, فظل قانعاً بما قُسِم له. خلط شدَّهُ بلينه, قساوته مع قليل من الحنو, وكثير من المحبة لأولاده الصبيان الثلاثة والبنتين.
بين الصبيان الثلاثة, كان سليم, ذهناً وقاداً, وإستحضاراً عميقاً أخاذاً. عصي المراس أحياناً, قوي الحافظة, أوتي رهافة الحس والقدرة على سرعة الإستيعاب, دائم الحركة, فواراً, شديد الإعتداد بنفسه, لا يكِل ولا يمِل من طرح الأسئلة والتساؤلات, ومعرفة الأجوبة, إن إقتنع سكت, وإن لم يقتنع ألحَّ ولَجَّ وجادل, وطلب المزيد. وراح سليم يتعلم على نفسه, وأدرك أن القراءة وحدها توسع وتفتح المدارك, فإنكب على القراءة بنهم, يطالع كل ما وقع بين يديه من كتب عتيقة كان يدخر لشرائها من أسواق طرابلس العتيقة, أو قصاصات جرائد أو بعض القصص المصورة, يأتي عليها بشغف, يلتهم كل حرف, ويبحث عن معنى كل كلمة, ويطبع في ذهنه كل صورة يراها. وهو بعدُ تلميذ, أوتي جوامعُ الكَلَمِ, فكان خطيب مدرسته, مدرسة “النموذج” في كل مناسبة وعيد.
ومدرسة “النموذج” التي أخذته إليها أمه, كانت مدرسة الحرفيين والباعة والعمال, غير القادرين على سداد أقساط المدارس المتقدمة والمتطورة, مثل “الفرير” أو “مدرسة الأميركان”، أو مدارس الراهبات والرهبان ومدارس الإرساليات الأجنبية.
كان الصبي سليم يذهب الى المدرسة في الصباح ويعود في المساء كسائر التلامذة, وبينما كانت حقيبة كتب رفاقه من الجلد, كانت حقيبة كتبه ودفاتره وأقلامه من القماش خاطتها له أمه, فكان يمسكها بيده, ويلوح بها في الفضاء, وهو يمشي ينقل نظره ويمرجحه بين المحلات, ويومض في ذهنه ألف سؤال, وتداخله الف رغبة, تضرب أفكاره هائمة تبحث عمّا عَسَاهُ يكون غدهُ وقَدَرَهُ, في مدينة ناسها مستسلمون لها, يقرأ في عيون بعض المارين به وفي تقاطيع وجوههم كثيراً من التساؤلات, وبعضاً من ملامح القلق.
بدت له طرابلس قاسية القلب على الفقراء والمعوزين, تلتهمهم. الحياة اليومية فيها طاحونة منهومة, لا تشبع ولا ترتوي.
كان سليم, الذي صار يافعاً, يريد الإنعتاق من أسر الفاقة والعوز, و”الحلونجي”, والبيت الفقير, وجيرة الكادحين المطحونين, ومن حقيبة القماش, والإنطلاق بعيداً… بعيداً الى دنيا أخرى.
فقرر ترك طرابلس.
ذات صباح, وقف أمام والده, وقال بصوت يشي بضيقه:
” أريد أن اذهب الى بيروت”.
برقت عينا نور اللوزي, جمع فيهما كل إستغرابه, أدرك سليم أنه أصاب عصباً حساساً في والده, فقال برقة بالغة:
” أريد أن انتسب الى “مدرسة الصنائع والفنون الجميلة”.
بقي والده صامتاً, ركز نظره الحاد في وجه إبنه. قال سليم, كأنه يحدث نفسه:
” سأسكن عند عمتي طوال فترة دراستي”.
وسكت. شعر أنه خذل والده الذي كان يريده أن يأخذ عنه الكار والصنعة, وربما تمكن من فتح محلات, يبيع ما يصنه بيديه, أو حتى يتعلم شغل الصاغة, فيصبح جوهرجياً من قامات الصاغة, ولما لا؟ فكل لبنان وحتى كل العرب يأتون الى طرابلس لشراء حلوياتها, وإقتناء ذهب صاغتها.
طلع صوت نور اللوزي مشروخاً:
” إذا هيك بدك… الله معك”.
ضحك سليم من فرط نشوته, أدرك أنه بدأ مغامرة البحث عن قدره.
***
خلبته بيروت. عشقها. كانت العاصمة اللبنانية, وقتذاك, متلألئة, وضاءة, تتلاقح فيها الأفكار والثقافات، تُسمع في الشوارع كل لغات الأرض, مدارس وجامعات الإرساليات الأجنبية توزع وتنشر العلم والمعرفة…
وكانت بيروت تموج بالفن الذي على القماش, وعلى الصخر والحجر والخشب, وعلى المسارح, ومسرح “تياترو الكبير” الشاهد الحافظ لتاريخ بيروت الفني والثقافي. على خشبته وقف يوسف وهبي, و عزيز عيد, و”فرقة رمسيس”, ومحمد عبدالوهاب, وأم كلثوم, وقامات الفن الفرنسي والإيطالي… أما الفن السابع, فكانت له دور العرض, بُنيت في الشوارع والأحياء توزع الفرح في الأفلام الأجنبية, فرنسية, أميريكية, وإيطالية, ومصرية. وبيروت, قبل غيرها, عُرض فيها أول فيلم ناطق, وكان في صالة “أمبير” في 12 فبراير (شباط) 1930.
وفيها إذاعة “راديو الشرق” Radio d’Orient التي كانت تتولاه سلطات الإنتداب الفرنسية, المسموعة في الشرق الأدنى كله.
كانت بيروت تلك, تحقق الأحلام, وقد حاول “إبن الحلونجي” تحقيق حلمه, هو المسكون بالأحلام التي تتجاوز قدراته وإمكانياته.
في بيت عمته التي لم تبخل عليه بالحدب والرعاية عاش سليم اللوزي, ومنه كان يذهب الى “مدرسة الصنائع والفنون الجميلة” (مقرها أصبح سراي الحكومة الكبير), التي كان يديرها موريس زوين. فأمضى سنوات ثلاث, بمنحة من الدولة قدرها ستون ليرة, وقتها كانت الليرة لها القدر والقيمة, إستخدمها لشراء الكتب, ومواجهة نفقات إقامته عند عمته, والمتبقي لتجواله في عاصمة حلمه.
وتنقضى السنوات الثلاث, ويشعر أن مدرسة الصنائع وما تعلمه فيها ليست ما كان يصبو إليه. دنياه كانت في مكان آخر, بين دفتي كتاب, في شميم الحبر في الدواة, في قلم يسبح على الورق الأبيض, يرسم الأحرف, والأحرف تتشكل, وتصبح كلمات. وزاد في رفضه المهن والحِرَف, ما تعرض له خلال دراسته. نتركه, هاهنا, يخبرنا بقلمه عن تلك المرحلة فكتب:
” كانت برامج المدرسة تفرض علينا مهن حفر النحاس, ولحام الأوكسيجين, والعمل على آلات الخراطة. وكنت دؤوباً على الدراسة والتطبيق, طامحاً الى الحصول على أعلى الدرجات في كل فرع أتدرَّبُ فيه. وفي أحد أيام الدراسة, إصطدمت ذراعي بإحدى آلات التدريب, فخلعت كتفي, وأُخضعتُ الى عملية تجبير مؤلمة, ما زلت أتذكرها الى اليوم, يومها ثارت حفيظتي, ورفعت يدي المصابة الى أعلى, وقلت مخاطباً نفسي: بهذه اليد سأقبض على الدنيا, ولن اسمح للدنيا بأن تقبض عليَّ”.
وما عادت الدنيا تقبض عليه.
ويودع بيروت, خبأ حلمه في عقله وقلبه, وعاد الى طرابلس.
ويصبح سكرتيراً في مكتب المحامي مصطفى الذوق, الذي كان تعرّف عليه في دكان الخياط منيف الحجار. في ذلك المكتب تعرّف إلى أعيان طرابلس, وعدد من وجوه القوم في السياسة والأدب والفكر، فلقد كان آية في براعة إستمالة الناس, في طلاقة اللسان, وحلاوة الحديث, وحضور الذهن, وقوة العقل, وسلامة الفطرة, مع حفظ مقام المُخاطَب, وهو أسلوب رفيع الدرجة في التعاطي مع الناس وتوثيق العلاقات معهم, لا يصل إليه إلاَّ القلة.
وما كان يجنيه شهرياً من مكتب مصطفى الذوق جعله قادراً على إعالة نفسه, ومساعدة والده على مصاريف البيت.
على الرغم من نجاحه في مكتب المحاماة, وتفتح آفاق طرابلس أمامه, إلاَّ أنه أدرك في قرارة نفسه أنها لن تمنحه الإستقرار, وأنها بشكل من الأشكال, تضع في يديه الأغلال, وتمنعه من تحقيق ما يطمح إليه… فعادت رغبة السفر تلح عليه.
لما كان في بيروت حكوا له عن “يافا” في فلسطين, فما عاد طاق التردد, تذكر قولاً لقائله من العرب القدامى: “ما لم تركب الأهوال لن تنل الرغائب”.
فعزم على العودة الى بيروت, والسفر منها الى “يافا”.
***
وتصل السيارة الى “يافا”, أقدم مدن فلسطين, التي أسسها الكنعانيون في الألف الرابع قبل المسيح. وهي تحتل موقعاً متميزاً على الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط, أسهمت العوامل الطبيعية والجيولوجية في جعل هذا الموقع منيعاً, يشرف على طرقات المواصلات والتجارة, فيتم عبرها الإتصال بدول حوض البحر المتوسط وأوروبا وأفريقيا.
و”يافا” الذي وصل إليها سليم اللوزي كانت عاصمة فلسطين الثقافية والفنية بإمتياز, فيها كانت تصدر الجرائد اليومية, “فلسطين” واحد منها, ثم “الدفاع”, وعشرات المجلات الأسبوعية, الشهرية, والفصلية, ودور النشر والمسارح, ودور السينما والأندية الثقافية.
هذا البعد الثقافي ربط “يافا” بأهم المراكز الثقافية في حينه, بيروت والقاهرة, فغدت, مثلها مثل العاصمة اللبنانية, منارة من منائر العلم والمعرفة, والثقافة والفن, في الشرق الأدنى.
وراح سليم اللوزي يستكشف “عروس البحر” (كما كان يطلق على يافا), يجول في شوارعها مشياً على الأقدام حيناً, وفي المركبات والباصات حيناً آخر. وكان كالعادة منه, يسحب دفتراً صغيراً من جيب سترته الداخلية, ويبدأ يسجل عليه الأسماء والأماكن والإنطباعات.
وأوصله تجواله وطوافه في المدينة الى مقهى “الشيخ علي” و كما يعرّف عن حاله بلوحة في واجهته. جلس على طاولة في زاوية من المقهى, طلب فنجان قهوة, وأطرق ساهماً لحظات, ثم دفن أفكاره مع السيجارة في صحن الرماد بحركة بطيئة.
إسترعى إنتباه الشيخ علي, الذي سمى مقهاه على إسمه, فهو يعرف زبائنه ونتفاً من حياتهم ويومياتهم, ولم يسبق أن رأى ذلك الشاب الغريب السابح مع أفكاره, والذي لا يتوقف عن الدوران بعينيه على المكان والوجوه, وحركات الزبائن. ولَمَحَ الشيخ المجرب طيبة في ملامح الشاب الغريب, شدّته إليه, فاقترب من الطاولة, خرجت من عينيه نظرات حائرة, رشها على وجه سليم اللوزي, وحاول أن يجدل الحديث:
” يبدو أنك تزورنا للمرة الأولى”.
هزَّ سليم رأسه, وقبل أن يجيب, عاد الشيخ علي الى الكلام:
“وأظن أنك أيضاً تبحث عن عمل”.
غالب سليم مفاجأته بالرجل, فقال من دون تردد:
” نعم… وأكون ممتناً لو…”.
وقطع الشيخ علي عليه الكلام:
” ما رأيك, دام فضلك, في العمل معي في المقهى, فتتسلم الفيش من النادل وتسجلها, وتمسك حسابات المقهى, وكل مساء تعرض علي الغلّة؟”
عزّ على سليم أن يرفض, فأدار الكلمات في رأسه ملياً, وإختار أنسبها:
” أشكرك كثيراً… لكنني هنا للقاء أهل القلم والأدب والفن”.
فَغَرَ الشيخ علي فمه, فارت الدهشة في رأسه:
” فليكن… هنا ستحقق ما تريد. مجموعة من الأدباء والكتاب والإذاعيين ترتاد هذا المقهى, وأنت وشطارتك, في التعرف عليهم”.
شعر أن سليم لم يقتنع، زاد:
” فندق “النزهة” على بعد خطوات من هنا, وهو ملتقى الأدباء والفنانين, فما رأيك أن تعمل في النهار في المقهى, وليلك ومبيتك في الفندق, حيث يمكنك أن تخالط من جئت “يافا” للقائهم. مبيتك في الفندق لن يكلفك سوى ثلث جنيه فلسطيني”.
مسح الشيخ على وجه سليم بعينين مستفسرتين, وإنتظر الجواب.
رجع سليم بذاكرته الى “قهوة التل العليا” في طرابلس, وكيف كان يرى صاحب القهوة يحصي الفيش, ويعّد الغلّة, ويحسبها على أصابعه, ويفرك الليرات, ويطقطق بالقروش: ربع ليرة, ونصف ليرة, وعشرة قروش…
وحَلَت له الفكرة, وافق على عرض الشيخ علي, بدأ العمل في المقهى, يعد الفيش, ويجمع, ويطرح و ما دخل في الصندوق, وجداء الحساب كان يسجله في دفتر كبير, ويطلع الشيخ علي على الغلة… ثم يمضي ليله في الفندق, ينتظر فرصته.
***
دخل المقهى رجل طويل القامة, بديناً, أنيقاً ومتأنقاً في مشيته, وفي جلوسه الى الطاولة, رفع قبعته الكلاسيكية عن رأسه, فبان شعره الكث تطل منه شعيرات بيضاء. بلباقة نادى النادل, طلب فنجان قهوة وكوب ماء بارد.
لفته الشاب الجلس وراء طاولة الفيش, وراح يراقبه, العينان في وجهه ترسلان الأسئلة القصيرة الحادة عن ذلك الشاب الغريب, المليء بالحيوية والتنبه.
وقام إليه, ودعاه للجلوس البى طاولته, فلبى سليم, تاركاً طاولة الفيش للنادل. وكان التعارف:
” عبدالرحمن العمري”.
قال الرجل الأنيق بنبرة فيها تشاوف وإعتداد في آن معاً.
رفرف قلب سليم:
” وهل تمت الى عائلة العمري الطرابلسية بصلة؟”
ضحك الرجل, وهزَّ رأسه بالإيجاب, أردف سليم:
” أنا سليم اللوزي… طرابلسي أباً عن جد”.
وراح سليم يقلّب الكلمات في عقله ويختارها، وبكل ما أوتي من ظرف, يروي للتاجر الطرابلسي المرموق والمعروف ما كان من أمره, وأسباب تركه طرابلس ومجيئه الى “يافا”, وما يصبو ويطمح, ويرغب فيه.
وأدرك سليم أنه تمّكن من الرجل الذي كان يصغي إليه بإهتمام كُلي, وأن هذا الرجل قد يكون مدخله الى المستقبل الذي يريد. وصدق حدسه. فسأله عبد الرحمن العمري:
“لا أرى, بعد الذي سمعته, أن مكانك وراء طاولة الفيش”.
جمد سليم الوزي في مكانه, إستملح جموده, فهزَّ منكبيه في يأس.
إلتقط العمري الكلام من جديد:
“أنا سأعرفك على رشاد البيبي, مدير قسم الأحاديث في إذاعة الشرق الأدنى”… على فكرة, هو من رواد هذا المقهى الدائمين”.
وإنتظر سليم أن يفي “بلدياته” عبدالرحمن العمري بالوعد.
بعد يومين, دخل التاجر الطرابلسي ومعه رشاد البيبي, جلسا الى طاولة قصية بعض الشيء, ودار الهمس بينهما, وسليم اللوزي وراء طاولة الفيش, يراقب, وينضح من ملامحه الإرتباك.
وفجأة, ناداه, العمري, ترك سليم طاولة الفيش, إقترب من الطاولة, مدّ يده, دفنها في كف العمري, ثم نقلها الى البيبي.
ودار حديث بدأه العمري وأكمله سليم, إلتمع وجه رشاد البيبي, إعجاباً بالشاب اللبناني, وبأسلوبه في الكلام, وثقته بنفسه.
سحب سليم من جيب سترته ثلاث أوراق, مد يده نحو البيبي:
“هذه قصة قصيرة كتبتها, آمل أن تلقى إستحسانك”.
و للحكاية بقية..
مودي حكيم
مجلة 24 ساعة