الرئيسية / كلمة العدد /
الغربة الثانية (21)
حكاية «الأستاذ» والست روز !(2/2)
مودي حكيم
مودي حكيم

الغربة الثانية (21)
حكاية «الأستاذ» والست روز !(2/2)

وراحت مقالات وتحقيقات  اللوزي الشاب الآتي من لبنان تلفت إنتباه الست روز.

ذات صباح, دخل سكرتير الست غرفة المحررين الأربعة, ووقف أمام طاولة سليم اللوزي, وقال له بنبرة فيها نفحة آمرة:

” يا أستاذ… الست عايزاك”.

أدرك سليم اللوزي أن عليه أن يترك لديها إنطباعاً مؤثراً في أول لقاء, وإن لم يتمكن من ذلك, خسر فرصة لا تعوض في العمل في أهم  مجلة سياسية في العالم العربي, في ذياك الزمن.

ودخل مكتب الست روز, كانت منهمكة في الإطلاع على أوراق مكدسة أمامها, تفّرها على مهل, تمرر قلمها على بعضها.

تنحنح, إنتظر, على مهل رفعت عينيها. سألته بوّد:

“أنت سليم اللوزي “.

“أنا هو…”.

رد بثقة لفتتها.

“كم تتقاضى في الشهر؟”

وظل نظرها يدور على وجه الشاب إبن الرابعة والعشرين من سنيه.

“ثلاث جنيهات”.

هزت رأسها, يميناً ويسارا مثل رقاص الساعة, وقالت ممتعضة:

” لا … لا … أنت تستحق راتباً شهرياً أكثر من هذا”.

إبتهج في أغوار نفسه, أحس بانتعاشة غريبة, وقد أدرك في قرارة نفسه بأنه نال الرضا, ورضا الست روز غالٍ, فرد على الفور, وبذكاء حاد:

” يكفيني أن أكون الى جانبك, وفي مؤسستك, وهذا هو أجري الحقيقي, وما تمنيته دائماً”.

تهللل وجه الست روز بشيء من الغبطة, لم ترد إبتسامة تلامحت على شفتيها, فأعطتها مداها:

“إنتَ بكَّاش…”.

صهلل صوتها, ثم إستجمعت وقارها:

“إسمع يا سليم…”.

وسكتت هنيهات, كأنها أرادت أن تستزيد من قراءة ملامحه:

“صحيح أننا من بلد واحد ومدينة واحدة, لكن هذا لن يؤثر في أي يوم من الأيام عليَّ, أو على أي شيء يخصك هنا في المؤسسة, المهم عندي أن الصحفي الذي يكتب إسمه في مجلتي أن يكون موهوباً, لمَّحاً, لماعاً, وأن يتحمل الأهوال لكي يصل, يصل الى فوق… فوق”.

و… تحمل سليم اللوزي الأهوال.

***

نقلته الست روز من غرفة المحررين الأربعة الى سكرتارية التحرير, يراجع المقالات ويسبح قلمه فيها, متى احتاجت الى “صوغها” (على لغة أهل الصحافة) أو تقديم افضل, وفي أحايين كثيرة كان يعيد صياغة الأخبار, ويغيّر ويستبدل العناوين.

ونستل, هاهنا, من مذكرات إحسان عبد القدوس وهو يحكي عن مرحلة عمل سليم اللوزي في مجلة “المدام”, كما كان الإبن إحسان ينادي أمه:

” كنا في “روز اليوسف” نعمل كخلية نحل, نتحرك هنا وهناك, مسرعين في صعودنا وهبوطنا على السلم. كان في أعماقنا حماس مشتعل بالأمل والفرحة. كنا كمن يولد من جديد مع صدور كل عدد من “روز اليوسف”, وفيه نحقق نصراً سياسياً”.

في ليلة صدور العدد, كانت هناك طقوس نمارسها لإستقباله. نجمع صفحات المجلة وقد إكتمل تصحيحها, وكانت تصدر في 36 صفحة في ذلك الوقت. وكان سليم اللوزي يحب هو أن ينقل الصفحات من مبنى “روز اليوسف” الى “مطبعة البلاغ”, كان يحتضنها, وكنا كلنا  نرافقه الى “البلاغ”, حيث المطابع الضخمة.

كانت عملية الطبع متعة نعيشها كل أسبوع غير مصدقين. وبعد أن تخرج المجلة, كان صوت سليم ينطلق غناء مع الساعات الأخيرة من الليل, ويحمل كل واحد منا نسخته. ونسير معاً في شوارع القاهرة, يرافقنا صوت سليم, ونقف أمام كل بائع صحف, نراقب الناس وهم يتهافتون مع الفجر على شراء “روز اليوسف”. نطمئن الى ان العدد وصل الى الأيدي الأمينة, فنختار أحد المطاعم الشعبية, إذ يكون الجوع قد بلغ ذروته, ونبدأ بأكل الفول والطعمية”.

ونقرأ بعد عن سليم اللوزي بكلمات إحسان عبد القدوس:

” سليم, وحده كان يذهب ولا ينام, اذ يعرف برنامج “المدام” فقد كانت تذهب الى بيتها الواقع في شارع يوسف أفندي في “باب اللوق”, تصل, تفتح باب غرفة نومها, تبدل ثيابها, وتأتي بالمجلة الى سريرها.

لم تكن تغفو إلا لساعات قليلة جداً, بعد ان تكون قرأت العدد من الغلاف الى الغلاف. يزورها النوم فيملأها حيوية واندماجاً.

ومع بداية شروق الشمس, كان سليم يخرج من غرفته في شارع محمد توفيق القريب, ويسير في اتجاه بيت روز اليوسف, كان يحب أن يشرب قهوة الصباح, صباح العدد الجديد, ونهار جديد معها, وهي تشرب النعناع. وفي حين تبدأ هي الإستعداد للخروج والعمل, كان يعود هو الى غرفته لينام.

كانت تعرف انه بقدر ما تحب هي شروق الشمس وسطوعها, كان هو يحب غروب الشمس وإنكسارها على أطراف الليل. فكانت تقول له:

“إنك تشبهني في أشياء كثيرة, ما عدا إستمتاعي بشروق الشمس, وإستمتاعك بغروبها”.

ومع مرور الأيام والأشهر، صار سليم اللوزي من أقرب الناس الى الست روز وأخلصهم لها, وهي بادلته الشعور ذاته, وصارت, يوماً بعد يوماً, تأخذ برأيه و تعتمد عليه, وتأتمنه على القليل والكثير… وكان هو, الى جانب جرأته, حلو الحديث, ظريفاً, تستأنس الست روز بحديثه ونوادره, وكلما أرادت أن تتخلص من متاعبها, وتبعد عن هموم المكتب والمجلة, والساسة والسياسة, وترتاح, تطلب منه أن يرافقها الى مطعم “بلير” في “شارع الهرم”, حيث كانت هي تتناول الطعام, ويكتفي هو بالقهوة والتدخين.

وحكاية “الأستاذ” والست روز كانت مادة سالت تحت قلم محمد التابعي, فكان لا يتوقف أبدأً عن “التشنيع” على فاطمة اليوسف (وهو الوحيد, بالمناسبة, الذي كان يناديها بهذا الإسم) وعلى سليم اللوزي, فكان يُرَكّب, وهو صاحب الكلمات اللاذعة, أسماء ساخرة لكل من “الأستاذ” و”الست”. فتصبح حديث القاهرة وأنديتها.

وكان سليم يعتبر التابعي “معلمه وأستاذه”, وكان يحبه ويفرح بتشنيعاته, كما كانت الست روز  توّده وتحبه هي الأخرى, كيف لا وعلى أكتافه قامت مجلتها.

وتنقضي أيام سليم اللوزي في المحروسة, مليئة بالإنجازات والمواقف السياسية الجريئة, والمقالات التي كان يكتبها بالكلمات المسننة, وقعاً وواقعاً, على حد السيف. وبسبب مقال “نوم العوافي” الذي نشرته “روز اليوسف” في العدد 1142 الذي كان صدر في مايو (ايار) 1950, وفيه هاجم مصطفى النحاس باشا, صدر بحقه قرار “طرد” من الأراضي المصرية.

ولنا عودة الى ذلك المقال, والى ما لم نقله هنا عن أيام سليم اللوزي في القاهرة.

***

وأنا أسمعه, اثار في خاطري شؤوناً كنت أحسب أن طوتها هموم غربتي, وبعادي عن الوطن ومن فيه, نفضت عني تلك الأفكار, عدت الى رشدي, رأيته يرفع فنجان القهوة ويحتسي حسوة منه, ويمتص شفته السفلي, وكأنه إنتشل نفسه من حضن ذكريات عمره الضائع, وإنعتق من أسرها:

“لندع الزمان للزمان”.

أخذ نفساً من “السيجار” نفث دخانه, تجمع في سقف الغرفة:

“نحن أولاد النهارده”.

إنتشى بآخر كلمة, وأطرق يفكر.

كنت أتحرق طوال الجلسة الى هذه الكلمة “النهارده”, فأرهفت أذني لسماع ما عنده. غَيَّرَ من جلسته, ألبس نبرات صوته الجدية, قَطَب, قال:

” أنت تعرف, وقد كنت في لبنان مع بدء الإضطرابات الدامية والمدمرة, وعايشت, على ما أعلم, حرب السنتين, منتقلاً بين المنطقتين الشرقية والغربية, أن بيروت, مع الأسف, لم تعد آمنة لمتابعة العمل فيها, وقد أبتلينا نحن بالمواجهة بين “عين الرمانة”, حيث مبنى “الحوادث” وبين “الشياح”… وكلفنا ذلك إحتراق المبنى وآلات الطباعة الجديدة, وهي لم تزل في صناديقها الخشبية, فلم نتمكن من إنزالها الى المطابع في الطوابق ما تحت الأرض, ثم مقتل أحد المُنضدين برصاص قناص كان يستهدف “الحوادث” لإسكاتها”.

حك جلدة رأسه, كأنه يحرك الكلام فيها, تنهد تنهيدة عميقة, تراخى صوته:

“كان لابد من إتخاذ القرار, وكان خيار الهجرة المؤقتة الى لندن, بحيث تكون “الحوادث” الى جانب شقيقتها الإنجليزية The Events”.

وسألني ما يمكن لشركتي أن تقدمه لإنتاج “الحوادث”, بالمستوى الذي تنتج فيه في بيروت, حيث كان يتم كل شيء في المبنى. فعرضت عليه ما يمكنني القيام به, بدءأً من التنضيد  للمادة التحريرية, ثم فرز الألوان والأفلام, والمونتاج للملازم, تحضيراً للوحات الطباعية التي تتولاها مطابع “جارود أند لوفت هاوس”& Garrod Lofthouse الضخمة في منطقة “كرولي “Crawley بمقاطعة Surrey بجنوب شرق انجلترا.

وراح سليم اللوزي يسأل عن التفاصيل, سؤال العارف بالمهنة وخفاياها ومشاكلها. ومع كل رد مني مستفيض, كان يكتفي بهز رأسه موافقاً. وتركني أكشف ما عندي وما يمكنني القيام به, حتى وصلنا الى “بيت القصيد”, كما يقول اللبنانيون عندما يريدون الوصول الى الخلاصة والمفيد: “التكاليف…”.

قال وحشر “السيجار” بين شفتيه.

وأعطيته الرقم, فأخذ ورقة أمامه وكتب الرقم, وقبل أن يسأل, رحت أبرر المبلغ  وأفنّدُ التكاليف, وأضعها في خانة العمل المقابل, وهو يسجل كل ما أقول, وفي النهاية, كان جداء الحساب الرقم الذي عرضته عليه.

نقل سليم اللوزي نظره من الورقة أمامه, وحطه على وجه إسكندر ايوب الذي بقي صامتاً, يسمع  ويسجل,  وينقّل نظره على وجهي ثم وجه “الأستاذ”.

ولا أعرف ما لمح سليم اللوزي في وجه إسكندر ايوب, حتى بادر على الفور:

” عال… تمام  كده, موافق على كل طلباتك. علاقتك, منذ هذه اللحظة, ستكون مع أليكسي, يمكنك ان تناديه هكذا ولن يزعل”.

وفرقعت ضحكته المجلجلة, رأيت لأول مرة إبتسامة على وجه إسكندر أيوب.

وعاد “الأستاذ” الى وقاره:

“غداً تلتقي أليكسي في مكتبه في مجلة “إيفنتس”, وتتفاهم معه على كل التفاصيل, بما فيها سداد الفواتير”.

أخذ نفساً أخيراً من “السيجار”، إنزلق الدخان الرمادي بالقرب من أنفه, فرك رأس “السيجار” في صحن الرماد, إنتصب, شدّ على يدي, إبتسم, تركني مع إسكندر ايوب, وعاد الى مكتبه الصغير في الطابق الثاني من الشقة.

***

كان إسكندر أيوب, ودوداً, وقوراً, لا تعرف الإبتسامة طريقها الى شفتيه بسهولة.

لما إلتقينا في مكتبه في”إيفنتس”, كانت مساعدته في الشؤون الإدارية والمالية، ليندا طوماس, قد أعدت كل شيء حسب الملاحظات التي كان أليكسي قد سجلها خلال الإجتماع الطويل.

قرأناها معاً، عدلنا, اضفنا, صححنا, وقّع, وقّعت, وكان الإتفاق أن أقدم الفواتير مع صدور العدد, فتُسدد الفاتورة بعد مراجعتها. فكان كل أسبوع, ومن دون تأخير أو تسويف أو مماطلة, يصل صك بقيمة الفاتورة المرسلة, ولم تتغير المعاملة حتى بعد إستقالة إسكندر أيوب, على أثر إغتيال سليم اللوزي (كما سيمر معنا),  وتولي مساعده وديع الصايغ الإدارة المالية مكانه, وبعده غازي غزاوي.

***

وبدأ مشواري مع “الحوادث”, ويوماً بعد يوم, كنت أعرف المزيد عن الرجل “إبن الحلونجي” الذي دوّخ الحكام العرب.

وما عرفته.. سأرويه.

 

مودي حكيم

 

 

 

شاهد أيضاً

فنانون ضمير عصرهم «4»
العمدة .. صلاح السعدني

  آخر مرة التقينا فى صالون محمود لبيب ” حلاق ” الرؤساء والمشاهير، وأصر صلاح …