إنّ لبعض الناس من الوقع في القلوب والأذهان, ما لا يُرَدُّ الى سَبَبٍ مُقنع سوى الإستلطاف. وبعضهم لم يتركه قلمه على ورق الجرائد والكتب, من إجادات وممتعات. رياض نجيب الريس واحد من هؤلاء.
عرفته معرفة وجه, وما كان بيننا طوال فترة غربتي في بيروت, وعملي في الصحافة اللبنانية, تعارف أو أحاديث لطائف.
قرأت له, وقرأت عنه. إستملحت في جريدة “النهار” بعض ما كتب, وخالفته في بعضه الآخر, إن في الطروحات السياسية التي توكأ عليها, أم في الآراء التي أبداها. فهو من عينة الكتّاب الذين ينشق الرأي حول ما يكتبون, ولا ينقطع فيه الجدل، ولا يكابر أحدا, حتى المخاصمين له بالفكر والسياسة. في جلالة قلمه يملك عدّة النثر, ولا تُنكر عليه رزانة ما في عقله, فهو يختزن فيه ضروب المعارف, وثقافة عميقة لا تبرج فيها.
فالرجل تعاونت على تكوين شخصيته عوامل عدة, ليس أقلها بيئة وطنية صالحة, بعيدة الجذور في الأرض السورية.
والده, نجيب الريس, كان مفخرة من مفاخر المناضلين ضد جور المستعمر، مترامي الذكر, ويكفيه أنه ترك للمناضلين الوطنيين في كل مكان نشيداً نظمه وهو في الأسر, منفياً في “جزيرة أرواد” القريبة من “طرطوس” سنة 1922:
يا ظلام السجن خيّم إننا نهوى الظلاما
ليس بعد الليل إلا فجر مجدٍ تسامى
الى قوله:
يا رنين القيد زدني نعمة تشجن فؤادي
إن صوتك معنىً للأسى والاضطهاد
لم أكن يوماً أثيماً لم أخن يوماً نظاماً
إنما حب بلادي في فؤادي قد أقاما
وقد كان رياض بِكرِه وقرُّة عينه, وسماه رياضاً تيمناً بصديقه رياض الصلح, أول رئيس حكومة للبنان المستقل عن الإنتداب الفرنسي سنة 1943.
كانت مدارس لبنان, العلمانية منها والتابعة للرهبانيات اللبنانية والأجنبية, للطبقة البورجوازية السورية الميسورة موئل علم لأولادها. فأرسل نجيب الريس إبنه البكر الى “مدرسة برمانا”, التي كانت تتبع المنهج الأنجلو- ساكسوني, وهو مع المنهج الفرنسي, في صلب منظومة التربية والتعليم في لبنان, في جميع مراحل الدراسة الإبتدائية, والتكميلية, والثانوية, حتى التعليم العالي.
و”مدرسة برمانا” أسسها المبشر السويسري – الألماني ثيوفيليوس فلادمير سنة 1873, فإستقطبت, كما غيرها من المدارس والجامعات في لبنان, العديد من الطلاب العرب, فأصبحت تلك المدرسة إنموذجاً مصغراً للعالم العربي.
باكراً, أخذ رياض عن أبيه الحماسة الوطنية, فألّب الطلاب في المدرسة على المستر دوبينغ, مدير الدروس, عندما رفض تعطيل الدراسة يوم 22 من مارس (آذار), وهو ذكرى تأسيس “جامعة الدول العربية”, فإنتفض غير هيّاب بالعقاب, وقاد إحتجاجاً وإضراباً إستمر يوماً كاملاً, إرتجت له دنيا المدرسة وإهتزت.
وفي “مدرسة برمانا” تذوق رياض حب الأدب التراثي والمعاصر, وتوّلع بالشعر, ووقف على مذاهبه ومدارسه, وتتلمذ على يد أمهر الأساتذة وأصفاهم, وأعمقهم فهماً لأسليب التربية والتعليم.
في العطل الصيفية عندما يعود الى دمشق, كان رياض لا يبارح مكاتب جريدة “القبس” التي كان أصدرها والده سنة 1928, فما لبثت أن أصبحت مقدم جرائد زمانها. وفيها مال الى الصحافة, وعشق تلويث أصابعه بالحبر, عطر ورق الجرائد. وتمرُسه في العمل الصحافي جعله, مع زملاء له في “مدرسة برمانا”, يصدر أول منشور طلابي على شاكلة مجلة, حوّلها الى جريدة صغيرة من أربع صفحات.
وينهي دراسته الثانوية في “برمانا”, ويشد الرحال الى بريطانيا. وفي “جامعة كامبريدج” يستزيد علماً, ويتعرف على ثقافات الغرب, وينهل من مَعينها حتى الثمالة.
وينشط في “رابطة الطلاب العرب في المملكة المتحدة وإيرلندا”, ووصل نشاطه فيها الى تولي رئاسة تحرير مجلة
Review Arab التي كانت تصدر عن “الرابطة”, فحوَّلَها من منشور هزيل مهلهل الى مجلة, راحت تلفت الإنتباه, وتستقطب طلاب الدراسات العليا (ماجيستير), إضافة الى الأساتذة الجامعيين الذين كتبوا فيها.
ويعود رياض نجيب الريس الى بيروت التي عشقها, لما فيها من حرية العمل واللسان والقلم, فمارس حريته بالتعبير عما كان يجول في تفكيره, ناقش, ناظر, تعمق, وساجل, مستفيداً من كل ما إختزنه من دراسته في “كامبريدج”, ومارس العمل العقدي والسياسي, عروبي حتى النخاع.
ولم يلبث أن أدرك أنه, صنو أبيه, لن يأكل خبزه إلاّ من قلمه, فإنصرف الى الصحافة بكليته.
***
كانت جريدة “الحياة” التي مَلِكَ إمتيازها وترأس تحريرها كامل مروة (أسس معها جريدة The Daily Star بالإنجليزية سنة 1952 سنة , وجريدة Beyrouth Matin بالفرنسية سنة 1959و إغتيل في 16 مايو (آيار) 1966 الساعة التاسعة مساء, وهو في مكتبه يكتب إفتتاحية العدد, برصاصة يتيمة أطلقها عدنان سلطاني من مسدس كاتم للصوت صوبها الى قلبه. وبعد إرتكابه الجريمة, هرب وإحتمى في السفارة المصرية في بيروت)، في مقدم الجرائد البيروتية اليومية , تنافسها كل من جريدة “الجريدة”, التي نشرها جورج نقاش مع شقيقتها في اللغة الفرنسية L’Orient ثم “النهار”.
كانت “الحياة” سبّاقة في حدثنة الصحافة اللبنانية, و كامل مروة أول من كتب المقال الإفتتاحي القصير في بيروت والعالم العربي. واصبح “قُلْ كلمتكَ وإمْش” من أهم المقالات الإفتتاحية, ليس في الصحافة اللبنانية فحسب, إنما العربية رمة, له شنّة ورنّة, ويدوياً كانت ترتج له عواصم عربية كثيرة.
إنتقل رياض نجيب الريس الى “الحياة” بعد فترة في “دار الصياد”, فتتلمذ على يد كامل مروة, الذي منحه فرصة السفر الى الخارج لتغطية الحوادث الدولية.
بعد إغتيال كامل مروة, حمل رياض قلمه وأوراقه الى جريدة “النهار”, التي كان والده سبقه في الكتابة فيها, وكانت علاقة الصداقة الحميمة بين نجيب الريس وجبران تويني صاحب “النهار”, بدأت يوم كان الأخير رئيساً لتحرير جريدة “الأحرار”, فكان الريس يكاتبها, ويراسلها من دمشق.
فتحت “النهار” لرياض آفاقاً جديدة في عمله الصحفي ما أنكرها يوما, بقي ذكّاراً لما قدمه له غسان تويني, عندما إنتدبه الى “فيتنام” ليغطي الحرب الشرسة والمدمرة فيها على صفحات “النهار”.
في كل ما كتبه عن حرب “فيتنام” ثم بعدها, لما عاد تويني وأرسله سنة 1968 الى “براغ” ليغطي ما يجري في ربيعها الدامي, بقي رياض نجيب الريس لا يلزُّ به نظير من إجادات الكتابة الميدانية, والتحليل المعمق والواعي, الفاهم, المستوعب للحادث الذي يعيش لحظاته, وينقله كلمات على الورق.
إن تغطيته لربيع براغ المعروف أوروبيا وباللغة التشيكية Prazké Jaro, ما زال ذكرها يطوي السنوات, فإن أنت أدرت نظرك وقرأت لصحفيين غطوا الحوادث الكبائر, فلن ترى بعد ما كتبه رياض نجيب الريس عن براغ وربيعها, صحفياً أجاد مثله في نقل مأساة زعيم, وهنا ألكسندر دوبتشك, وشعب كل ما طلبه هو حرية التعبير وحرية التنقل ولا مركزية الإقتصاد.
أطبقت قبضة موسكو الحديدية على “براغ”, وخنقت ربيعها.
ويحمل رياض حقائب السفر وفي جيبه القلم, الى البحرين, ليتابع لجريدة “النهار” خطوات انسحاب بريطانيا من الخليج. وبعد وصوله بايام معدودات, وردته أخبار التغيير الذي جري فى سلطنة عُمان بانتهاء حكم السلطان سعيد بن تيمور وتولي السلطان قابوس الحكم, فسافر الى مسقط و حضر وصول السلطان قابوس الى عاصمة السلطنة, وفرحة العُمانيين بسلطانهم الشاب.
وتقوم أواصر الصداقة بين الصحافي السوري المتوثب والسلطان تلميذ “مدرسة ساند هيرست العسكرية الملكية” البريطانية العريقة, وتنمو وتستمر, ويسعف السلطان رياضاً في عدد من مشاريعه. في تغطياته الميدانية, لم ينسج رياض نجيب الريس على منوال أحد مِمنْ سبقوه الى هذا النوع من الكتابة الصحافية, ولم يسبقه أحد الى النهج الذي سار عليه في كتاباته, فلا تطغى العاطفة على صدق القلم, ورسائله الصحفية كانت تبتعد عن الحشو الممل, والإسترسال الكريه فوق ما يستدعي الواقع.
وكانت لرياض نجيب الريس سباحات في الشعر, شكّل منها ديواناً كان اليتيم, وبعده طلّق الشعر بالمرات الثلاث.
فى كتابه “آخر الخوارج.. أشياء من سيرة صحافية “, قوَّمَ رياض السنوات العشر التى أمضاها في جريدة “النهار”, فوصفها بأنَّها كانت العصر الذهبي للصحافة العربية لا اللبنانية فحسب, وانه كان من جيل المحظوظين الذين عاشوا هذا العصر وعملوا فى صحافته . وأن” النهار ” وفرت له مجموعة من تجارب وفرص صحفية, ماكان يمكن أن تتوفر له في مكان آخر والفضل يعود إلي رجل واحد اسمه غسان تويني.
في مطالع السبعينات, شارك في إصدار نشرة Petroleum باللغة الإنجليزية, كان يملك إمتيازها, إذا لم تخن الذاكرة, مروان إسكندر, فقانون المطبوعات اللبناني ما كان يجيز لغير اللبنانيين شراء إمتيازات مطبوعات, ورياض سوري الجنسية.
ومع إشتداد الإقتتال, حمل رياض النشر معه الى لندن, وتابع إصدارها فترة, الى أن قرر تركها, وإصدار جريدة.
***
كان ينتظرني لما دخلت عليه, إنتصب من خلف طاولة المكتب المعجوقة بالكتب والأوراق, رِبعة في القامة, مليء الجسم مع ميل الى السمنة المفرطة, عيناه تدوران خلف نظارته مستعصيتان على الوصف, وترحلان تعبثان في أرجاء المكتب, وتحطان على وجهي في تفحص لملامحي… لا يرتاح سيجار هافاني من أسر أصابعه, في نزهة الى شفتيه, ومع كل نفس يعّبه ينعقد الدخان, ويتجمع في سقف الغرفة الأنيقة الأثاث.
“بلا مقدمات… “.
إستدار بكل جسده نحوي, وجمع كلامه على مهل:
“في النية إصدار جريدة أسبوعية سياسية, ونرغب أن نستفيد من خبراتك في مجال الانتاج, من التنضيد الى المشورة في التصميم والإخراج, ثم تقنيات الأفلام والمونتاج, تحضيراً للطباعة”.
رفع فنجان القهوة على مهل, إحتسى حسوة, مَسَحَ شاربيه بإبهامه, أخذ نفساً من سيجار ترمّد نصفه, نفث الدخان, إنتعشت خيوطه بالقرب من السقف, تنحنح:
” طلباتك… لا أظن أننا سنختلف”.
وفرك بأصابعه إشارة لى المال, ثم كرجت إبتسامة مزهوة على شفتيه.
إستفسرت, أجاب, وزادني شرحاً عن المشروع, وما ينويه, طلبت, فلم يفاصل, ولم يستكثر الرقم. فاتفقنا على كل التفاصيل الإدارية و الفنية، فالحجم “تابلويد” ملونة, ومواعيد الإصدار, وكيفية سداد الفواتير، وترويسة المجلة تكون:
رياض نجيب الريس ناشرًا ورئيسا للتحرير, و عبدالغني مروة مديرًا للتحرير, ووليد الحاج سكرتيرا للتحرير.
رفع نظارته عن أرنبة أنفه, أراح نظره, أعادها الى عينيه, وعاد الى الكلام:
“إننا نفتش عن إسم للجريدة”.
وإبتسم إبتسامة باهتة, وهو يرمقني بنظرة فيها رغبة لمعرفة رأيي:
” لما لا “القبس”… فتعيد الأسم الذي خلّد والدك من جديد”.
شعرت بشيء من الحزن يتبرعم في عينيه:
” القبس” لا تصدر إلا من الشام, ففيها صدرت وإليها في ذات يوم تعود”.
وتتطاير الأسماء بين الشفاه والآذان, وكان رياض يسمع ولا يرد, سحب ورقة صغيرة من بين كومة أوراق متروكة بلا ترتيب على طاولة مكتبه, قرأ:
” قبل ثلاثين سنة في “كارديف” “بمقاطعة ويلز”, أصدر الشيخ علي الكحيمي جريدة” المنار”.. لما لا “المنار”؟
قرأ في عيني كلاماً, حرّضني عليه:
“وفي مصر عندنا “المنار” ايضاً, وقد نشرها الشيخ محمد رشيد رضا اللبناني سنة 1898, وإستمر يصدرها أربعين سنة من دون توقف, وتأثر بها حسن البنا, و… و…”
و… سكت, شعرت أن رياض لم يستسغ ما قلت, تعجلت القول:
“الإسم من دون شك حلو… حلو جداً”.
وتجاهلني تماماً, إنبرى يوزع نظراته بين الورقة وبيني, ويردد كلمة” المنار”, وهو يمتص السيجار, ليتيقن من رنتها.
تهلل صوته فجأة:
” المنار… المنار إذاً”.
و للحكاية بقية..
مودي حكيم
مجلة 24 ساعة