كُنتُ في بعض الأيام في مجلة “الديار”, وكان إجتماع التحرير الأسبوعي الذي إعتاد عقده حنا غصن, الصحافي المخضرم وصاحب إمتياز جريدة “الديار”, قبل أن يحولها ياسر هواري الى مجلة اسبوعية.
نزل حنا غصن يومها على الحديث ما كانت بدأت الصحافة اللبنانية تعانيه, مع إشتداد أوار الإحتراب الداخلي… فإستذكر ما قاله سياسي عربي محنك كان مرّ بلبنان في مطالع السبعينات: “لبنان برلمان العالم العربي”. فسال, وقتها حبر كثير على هذا القول.
لم تكن نقطة كلام السياسي العربي تدور على النظام البرلماني اللبناني, على الرغم من أنه, في ذياك الزمن, كان الوحيد في طول وعرض المنفسح العربي الذي يمارس مهماته على وجه الصحة والعافية الديموقراطية, إنما كان صوّب كلامه على الصحافة اللبنانية, التي بما تتمتع به من حرية, جعلت البلد الصغير منبراً كبيراً وحراً, تتلاقح فيه الأفكار, ومجالاً رحباً خصباً لمناقشتها وتفنيدها, والإعتراض عليها ورفضها, أم القبول بها.
وروى لنا حنا غصن فيما روى, وهو المقرب, كان, من غير حاكم وأمير وملك, أن الحكام العرب يبدأون نهارهم بمطالعة الصحف اللبنانية, فيقرأون ما يمنعون أنفسهم ورعاياهم من قراءته في جرائدهم ومجلاتهم, وسماعه عبر الأثير في نشرات الأخبار.
وإن أنت سألت حنا غصن, كما فعلت أنا, عن السبب الذي يجعل هؤلاء الحكام يُقدِمون على ذلك, يتعجل القول: “الفضول”, وقبل أن تتعجب يكمل:
” فضول الإطلاع على ما يمكن لصحف أخرى كتابته ومناقشته وإبداء الرأي فيه, عندما يتاح لمحرريها وكتّابها التفكير بحرية, ووضع سن القلم على الورق بحرية أيضاً”.
خلال عملي طوال نيف وسنوات ست في الصحف اللبنانية, متنقلاً من مجلة الى أخري, أدركت صواب ما قاله حنا غصن, وكنت الشاهد المنغمس في دور تلك الصحافة كمنبر حر, وأفق مفتوح للعرب… كل العرب.
وطوال سنوات العمل تلك, أدركت ايضاً مدى ولع اللبنانيين بالحرية, التي هي عندهم علّة وجود لبنان وتميزه. ثم أن توقهم الدائم والثابت لتجسيد تلك الحرية جعلهم يجدون في الصحافة الوسيلة الفضلى للتعبير عنها. لذلك, كانوا وما يزالون في مقدم شعوب العالم العربي, في عيش التجربة الصحفية بكل أبعادها.
لما طغت السلطنة العثمانية, وبغت وتجبّرت وقست, حُرم اللبنانيون من حرياتهم في القول والكتابة والفعل, فهاجر الصحفيون, حملوا معهم صحفهم ومجلاتهم إما الى مصر, وإما الى أوروبا والولايات المتحدة.
وترك هؤلاء بصماتهم على الحياة الصحفية والفكرية في مصر, كما في البلدان التي حملوا إليها أقلامهم, وأفكارهم, وإجاداتهم, وإبداعاتهم.
كثيرون منهم نُكِّلَ بهم, عُذِبوا وتعذبوا, جُلِدوا في أقبية السجون, وبعضهم عُلِّقَ على المشانق, لأنهم لم يحنوا هاماتهم للعثماني الجائر, وظلت رؤوسهم مرفوعة بعنفوان وكِبَرٍ.
وفي كل سنة في السادس من مايو (آيار) يذكر اللبنانيون سعيد فاضل عقل, الشيخ احمد حسن طبارة, عبد الغني العريسي, بترو بولي و جرجي حداد…
***
طوال سنتي الإعصار السياسي والعسكري في لبنان, عاندت الصحافة, حاولت أن تصمد, أن لا تتوقف جريدة عن الإطلالة اليومية على الناس المتلهفين لتسّقط الأخبار أو مجلة عن موعدها الأسبوعي أو الشهري.
حتى عندما كنا نُحبس في مكاتبنا, ونبقى تحت رحمة القناصة, ونختبىء من القذائف العمياء التي تنزل علينا من كل حدب وصوب, ما توقفنا عن الكتابة. وكنا في ننتظر بفارغ الصبر أن نسمع صوت شريف الأخوي من “إذاعة لبنان”، ليدلنا على الشوارع والدروب “السالكة والآمنة” لنعود الى منازلنا.
والى جانب الجرائد والمجلات المُرَخَّصُ لها ولإمتيازها, نبتت, مثل الفطر, جرائد ومجلات غير شرعية وغير مأذون لها قانوناً بالصدور والتوزيع, كانت تُفرض فرضاً على الحواجز المنصوبة في الشوارع الرئيسية, وحتى الفرعية.
تقف “سيارة السرفيس”عند الحاجز, ويتكرر المشهد:
تفتر شفتي المقاتل الشاب عن إبتسامة ماكرة, في عينيه ترتعش شرارة اللحظة, تختفي ملامحه تحت شعيرات نبتت على وجهه, تطل منها شعيرات بيضاء. شعره المجعد المنكوش يكمل الصورة التي إنطبعت في الأذهان, عن مقاتل تعبت إصبعه من الضغط على الزناد, ونسي النوم على أصوات القذائف وأزيز الرصاص.
وأنت كل يوم تمر على الحواجز, وهات إصبعك أعد عليها, فبين الحاجز والحاجز حاجز آخر, ومسلح يشبه الذي قبله, وتنتظر أن ترى مثله بعده.
ولا يسألك المقاتل الأشعث الشعر وهو يُدخل رأسه من نافذة السيارة, يتفحص بعينيه المحمرتين من السهر والتعب ويقرأ وجوه الركاب, عن هويتك, ومن أين أنت, والى أين أنت ذاهب… كل همه في تلك اللحظة أن يبيعك مجلة يصدرها تنظيمه المسلح أو حزبه…
وأنت في رحلة الوصول الى مكتبك, قد تشتري عشر مجلات لعشرة تنظيمات مسلحة, وقد تجاوز عدد هذه المطبوعات غير الشرعية التي إستباحت القوانين, مئة مطبوعة.
والمجلات والجرائد المتناحرة والمتنافسة على الأرض, تقابلها إذاعات غير شرعية تتنافس على الهواء, وتتناطح عبر الأثير.
وما لجوء التنظيمات السياسية الى إصدار تلك الصحف والمجلات والنشرات, سوى برهان آخر على مدى إيمان اللبناني (الى أي حزب أو تنظيم إنتمى وبأي لَوْنٍ لَوَّنَ فكره), بقدرة وسطوة الصحافة على الإقناع.
أمام هذه الحقيقة الناصعة التي لمستها خلال سنوات غربتي في لبنان, وجد المخططون والمحرضون والمنفذون للإحتراب الداخلي الذي مزق البلاد وشرّد العباد, أن السلاح وحده لا يحل القضية المتنازع عليها, وأن لا مناص من القلم والحبر والورق, للوصول الى مبتغاهم.
وثمة حقيقة أخرى, في أن تلك النشرات والمجلات والجرائد المقتصرة على البيئة والمحيط الضيقين, تعني أن ناشريها, وهنا التنظيمات والميليشيات, بحاجة الى إستقطاب لسياساتهم وأهدافهم, والى تثبيت المحاربين الذين حولهم وحواليهم في مواقفهم.
***
فجأة تغير كل شيء.
في أكتوبر (تشرين الأول) سنة 1976 قبلت سوريا إقتراح قمة الجامعة العربية التي إنعقدت في الرياض, الذي اعطى دمشق “تفويضاً” بابقاء 40 الف جندي في لبنان, باعتبارهم “قوات ردع” مكلفة بفض الأشتباكات, ووضع حد للإقتتال بين الأحزاب والميلشيات والمنظمات الفلسطينية, وإستعادة الهدوء الى الأراضي اللبنانية!
في البدء, كانت دول عربية أخرى تشارك في تلك القوات المفترض بها حفظ السلم ومنح الأمان للبنانيين المنهكين المثخنين بالجراح, إلا أن تلك الدول بدأت تنسحب تدريجياً, الواحدة بعد الأخرى, ليبقى الجيش السوري وحده قي الميدان, فقوات الردع التي بدأت عربية, إنتهت سورية.
فرضت دمشق الأمن على حساب الحرية, فخسرت الصحافة اللبنانية معركتها, ودخلت في مرحلة من التردي والتفكك والضياع.
وإزدادت حملات التضييق والتهديد على الصحافيين الذين لم يغمسوا أقلامهم في دواة دمشق, ولم يلونوا أفكارهم بلون حبرها, رافضين الهيمنة السورية على لبنان والوصاية على قراراته الداخلية والخارجية.
إنَّ المشادة بين “الصحافة” و”السلطة” قائمة منذ أن كوّرت الأرض. فلا الصحافة تطيق تسلط السلطة, ولا السلطة تطيق حرية الصحافة, فما بالك إذا كانت الصحافة هي الصحافة اللبنانية, المتعودة على الحرية, والسلطة هي سلطة دمشق التوتاليتارية.
وراحت الجرائد تتوقف عن الصدور, ومجلات كانت لها سطوتها تجمع أوراقها, تحتجب أو تهاجر.
فكانت هجرة الصحافة اللبنانية الثانية الى أوروبا وبعض البلدان العربية.
***
راحت قذائف الجيش السوري, تستهدف الجرائد التي لا تواليها, فقصفت جريدة” بيروت” المحسوبة على بغداد, فإحتجبت.
أما جريدة “المحرر” الموالية للحركة الوطنية اللبنانية اليسارية, والمناوئة للهيمنة السورية, والمدافعة عن المنظمات الفلسطينيية في وجه محاولة دمشق القضاء عليها في لبنان, تعرضت الى هجوم بالدبابات, وحاصر مائة جندي مبنى الجريدة, وعلى الرغم من ذلك أصر وليد أبو ظهر( وكان تولى الجريدة بعد وفاة شقيقه الأكبر هشام أبو ظهر المفاجئة) الصدور في اليوم التالي. فصدرت الجريدة وعلى الصفحة الأولى بالخط العريض:” المحرر لن تركع”.
فما كان من دمشق, إلا انها ضغطت على السلطات اللبنانية, فصدر قرار بايقاف العمل بترخيص الجريدة, ولم تنفع الإحتجاجات والبيانات المُندِدّة في تغيير ذلك القرار الذي أصاب الصحافة اللبنانية بمقتل, وكان الدافع الآخر للهجرة.
وترك وليد أبو ظهر لبنان الى باريس, وأصدر بتمويل عراقي مجلة “الوطن العربي”, وإستأجر لها مكاتب في شارع Marbeuf (في الدائرة الثامنة, الذي يبدأ من شارع “جورج الخامس” وينتهي في “شانزليزيه”), فراحت تنافس مجلة “الحوادث” على الصدارة, إلا أن مجلة اللوزي كانت في مركزها لا تتزحزح منه. أما جريدة “المحرر” التي بقي إمتيازها بيد أرملة هشام أبو ظهر, فقد عاد الدكتور نبيل المغربي وأصدرها في باريس, بعد الإختلاف مع وليد أبو ظهر, ليشتريها الصحافي السوري نهاد الغادري ويصدرها ردحاً من بيروت.
وفُجّرت مكاتب مجلة “الديار” قبل أن أن أصل الى مكتبي فيها بفارق نصف ساعة, فلملم ياسر هواري أوراقه, وهاجر الى باريس, وأصدر مجلة Arabies باللغة الفرنسية, وأتبعها بعد سنوات بواحدة باللغة االإنجليزية سماها Trend.
وقبل أن يمسه الضّرُّ, أغلق علي بلوط أبواب مجلة “الدستور” و وهاجر بها الى باريس, أولاً, ليعود ويستقر بها في لندن.
ولما طاولت القذائف مبنى “الحوادث” في “عين الرمانة”, ورصاص “الدوم دوم” الحارق أشعل النار في المبنى, قرر سليم اللوزي نقل مجلته لتكون بجوار شقيقتها The Events التى كان أصدرها باللغة الإنجليزية في لندن, (ولي عودة للكلام عن هجرة “الحوادث” وعملي في إنتاجها, ومقتل صاحبها, متى حان ذلك).
وتتابع موسم هجرة الصحافة اللبنانية الى أوروبا:
بتمويل من المصرفي اللبناني جوزف عبده الخوري والثري الفلسطيني فيصل أبو خضرا, إشترى نبيل خوري إمتياز مجلة “المستقبل” من الوزير السابق المهندس هنري إدّه, وكان أصدرها بعد إستقالته من “حكومة الشباب” التي كان شكّلها الرئيس صائب سلام, وكانت أولى حكومات عهد الرئيس سليمان فرنجية, الذي إنتهي بالحرب التي دمرت لبنان, وراح هنري إده في مجلته يشن الحملات القاسية ضد العهد وحكوماته, وقد إستكتب عددا من الكتاب العرب منهم لطفي الخولي, الذي كان يكتب مقالاً كل أسبوع.
الى جانب “المستقبل”, أصدر نبيل خوري “ياسمين” مجلة نسائية شهرية, تولى رئاسة تحريرها إبراهيم يوسف يزبك. ولنبيل خوري تجربة سابقة مع الصحافة النسائية لما أصدر مجلة” الخنساء” في بيروت و هي التي لم تعمر, كما “ياسمين” الباريسية طويلاً (ولي عودة الى نبيل خوري وظروف تركه “الحوادث”, وهجرته الى باريس, متى كان الحديث عن مجلة “الحوادث”).
بعد إشتداد حدة الإقتتال والاجتياحات الميليشياوية, بات غسّان تويني يتخوف من إجبار “النهار” على التوقف, والإحتجاب. فإرتأى أن يتم إصدار طبعة دولية مؤقتة من “النهار” هي “النهار العربي والدولي”, بحجم جريدة “لوموند”, ووضعت صيغة فريدة لرئاسة التحرير, فكانت ثلاثية: غسان تويني, فؤاد مطر و الياس الديري. وبعد فترة, حلّ أنسي الحاج مكان فؤاد مطر ومعه عبد الكريم أبو النصر.
في مطالع الثمانينات, وكانت الحرب العراقية-الإيرانية على أشدها, وجدت القيادة العراقية بأنها بحاجة الى إطلالة دولية, إسوة بإطلالة السعودية, عبر جريدة “الشرق الأوسط”. فموّلت إصدار مطبوعتين: واحدة في باريس تولاها ياسر هواري وسماها “كل العرب”, وثانية في لندن, تولاها فؤاد مطر وسماها “التضامن”, التي لي معها حكاية سأرويها متى حان أوانها.
***
ما دار في خلدي لحظة واحدة, أن تُحدث “هنا لندن” ما أحدثتهُ من وقع حَسِن لمّا صدرت بشكلها الجديد وبحلتها القشيبة, في الوسط الصحفي العربي الذي كان بدأ يتشكل في العاصمة البريطانية, فلفتت الإنتباه الى ما يمكن أن تؤديه شركتي الوليدة التي كانت لم تزل تحبو, من خدمات للصحف والمطبوعات التي تصدر، والأخرى التي تتحضر وتتهيأ للصدور في عاصمة الضباب.
جاءني صوت حسين قدري, متوهجاً, متلهفاً, متشوقاً ليزف إلي خبراً, كان يريد أن يسبق فيه غيره, وقد كانت بيننا رفع كلفة ومودة منذ اليوم الأول الذي إلتقينا به في “بوش هاوس”. فقال بنبرة نشوانة:
” لم يترك أحداً ممن يعرفهم , إلا وسأله عنك”!
أدرك أنه تركني أتعجب, وقبل أن استفسر عن ذلك الذي يسأل عني, صهلل صوته:
” رياض نجيب الريس… أظنك لابد عرفته في بيروت, فهو صحافي ملء السمع والبصر”.
هامت الأسماء في ذهني, ورحت ابحث أين قرأت إسم الرجل… وفجأة قفزت جريدة “النهار” الى ذهني, وإستحضرت, بعجالة, الرسائل التي كان يرسلها رياض نجيب الريس من “فيتنام” خلال الحرب المأساوية فيها, فقد كان الصحافي العربي الوحيد الذي غطى تلك الحرب, وكنا نتحرق لقراءتها متى سمحت سلطات ذياك الزمن لجريدة “النهار” بدخول المحروسة. فأجبته معتداً:
أعرف عنه ولا أعرفه, وما صدف أن إلتقيته خلال إقامتي وعملي الصحافي في بيروت”.
إنتعش صوت حسين قدري:
” ما علينا… الرجل في لندن من فترة, وإلتقينا على فنجان قهوة, وعرفت منه أنه ينوي إصدار جريدة سياسية أسبوعية, ولست أدري من دَلَّهُ عليك, وأغلب الظن أنه عرف أنك وراء إنتاج “هنا لندن”, فسألني إن كنت أعرفك, فأعطيته عنوان مكتبك, وأرقام هواتفك”.
إنتشيت حبوراً, دغدغتني سعادة غامرة, راجعتني الثقة بنفسي وبمشروعي, ومع ذلك بت منشغل البال, إنتظر ما يمكن أن يكون متى تم اللقاء.
وتعاقبت الأيام, وبعد أسبوعين من مكالمة الصديق حسين قدري, إتصل بي شاب, قدّم نفسه أنه وليد الحاج, واكتفي بالاسم, من دون أن يلحقه بألقاب ومسؤوليات, وطلب بتهذيب مفرط لو” اتفضل, واضرب موعداً للقاء الأستاذ رياض نجيب الريس”.
وكان اللقاء, وولادة جريدة “المنار”.
مودي حكيم
مجلة 24 ساعة