الرئيسية / كلمة العدد / عودة الروح .. للقوة الناعمة

عودة الروح .. للقوة الناعمة

فى بداية حياتى العملية انشغلت بهموم المواهب الفنية فى أقاليم مصر بمحافظتها السبع والعشرون، كانت منصة نادى الرسامين التى توليت مسئوليتها بعد أن أطلقها الفنان المُعلم حسن فؤاد، مصدراً لاكتشاف وتقديم مواهب تعيش فى الظل بعيدة عن أضواء العاصمة، واكتشاف المبدعين من خارج القاهرة الكبرى المشتاقين لمظلة تحميهم من إحساس الغصة لشعورهم بالتهميش.
عندما توليت مسئولية الصفحة الأخيرة من المجلة التى وضع أساسها ورسم خريطتها الأستاذ والفنان حسن فؤاد من العدد الأول للمجلة عام 1956 وأهتم بأن يكون بها أبواب لاكتشاف المواهب ومن هذه الأبواب «نادى الرسامين»، ومنه تخرجت أهم الريشات الكاريكاتيرية على الساحة، منهم نبيل السلمى الذى احترف فيما بعد، محيى الدين موسى اللباد أرسل بورتريه للرئيس محمد نجيب لنشره على الصفحة الأخيرة، وأصبح بعدها من أهم رسامى الكاريكاتير فى العالم العربى. المخرج الكبير فهمى عبدالحميد، وكذلك الكاتب ورئيس التحرير الأسبق «للصبوحة» رؤوف توفيق، كانا من أصدقاء النادى، وكذلك الفنانين تاج، رمسيس، الفنان السكندرى عصمت داوستاشى، كذلك الفنان التشكيلى مصطفى بط وآخرون.
فى «نادى الرسامين»، سعيت لاكتشاف فنانين من المحافظات المختلفة والتعريف بهم، وإلقاء الضوء عليهم فى العاصمة. سافرت إلى محافظات مصر فى يوم عطلتى الأسبوعية لاكتشاف مواهب فنانى المحافظات لأقدمهم تحت عنوان «جولة نادى الرسامين فى المحافظات مع فنانى الأقاليم»، منهم الفنان السكندرى منير فهمى، الذى قدمته فى أول معارضه عام 1969 بنقابة الصحفيين بالقاهرة، وكان هذا المعرض نقطة تحول فى حياته، و زار المعرض وكيل وزارة السياحة فى ذلك الوقت، وطلب نقل العرض إلى فندق شيبرد على نفقة وزارة السياحة، وأقتنى 3 لوحات صورت كبوسترات، إحداها اختيرت كأجمل ملصق سياحى فى القرن العشرين.
تعرفت على منير فهيم وهو طالب بكلية الفنون الجميلة وله محل للصور والبراويز ببدروم إحدى العمارات على ترام الإسكندرية، افتتحه له والده ابن أدفو، الذى كان يعمل بمصلحة الأموال المقررة، ويسافر دائماً متنقلاً من محافظات مصر. وكان دخل المحل يعينه على مصاريف الحياة وشراء ألوان الزيت، فيرسم ويبيع لوحاته ويفترش الأرض، لينام على بلاط أرضية المحل، فهو مكان إقامته ومرسمه ومصدر لقمة العيش، ولكن مع الأسف أصيب بمرض السل، فتوقف عن الدراسة، ولم يكمل تعليمه بكلية الفنون الجميلة، تزوج مبكراً فتاة رائعة وقفت إلى جانبه، كانت الموديل لكثيرمن أعماله، وانتقل إلى شقة صغيرة بعد أن بدأت أعماله تلفت الأنظار، وأنجب ابنته شيرين التى تعيش الآن فى فرنسا، أنطلق الفنان السكندرى منير فهيم، وأقتنت أعماله متاحف العالم، وعرفت لوحاته طريق منازل رؤساء الدول والملوك العرب، منهم الرئيس السودانى جعفر النميرى والرئيس النيجيرى يعقوب جون وأمراء الخليج وحكامه، وفى دول ألمانيا وهولندا وفنلندا وبلجيكا وإسبانيا وأمريكا، مات فى ذروة عطائه عن ثمانى وأربعين عاماً أنتج فيها آلاف اللوحات تتغنى بجمال مصر بعد أن ألتهم المرض صدره وعظامه.
كما قدم «نادى الرسامين» فناناً تلقائياً أصم وأبكم من محافظة قنا يصنع تماثيله بالحجم الطبيعى من جذوع النخيل، أيضاً قصر ثقافة أسيوط كان منبع خصب لاكتشاف فنانين من صعيد مصر.
استرجعت هذه الذكريات فرحاً ومهللاً بما أعلنته وزيرة الثقافة المصرية إيناس عبدالدايم بتبنى الوزارة مشروع عاصمة الثقافة المصرية والتى تهدف فكرته إلي نشر الوعى الثقافى والفنى وتنمية القدرات الإبداعية لأبناء المحافظات فى مختلف المجالات، ودعم الحرف التراثية واكتشاف الموهوبين لترسيخ مبدأ العدالة الثقافية بهدف تعزيز التواجد الثقافى فى كافة المحافظات ورفع مستوى الوعى بالعديد من المشكلات والقضايا المتعلقة بالانتماء من خلال الأنشطة الفكرية واللقاءات التفاعلية، متضمناً إعادة إنتاج مراسم سيوة وهى مراسم دائمة تقع بواحة سيوة بمطروح توقفت لمدة 3 سنوات واستحداث مراسم الطور بجنوب سيناء لأول مرة بهدف تسجيل وتوثيق عادات وتقاليد تلك المنطقة من خلال لوحات فنية تعبر عن وجهة نظر التشكيليين ، وكذلك استحداث مراسم النوبة.
وهناك أيضاً مشروع تنمية جنوب الوادى الذى يضم ورش تدريب على الحرف التراثية ودورات تنمية بشرية، وعروضاً فنية وورش أطفال، وكذا تم إطلاق مشروع المكتبات والمسارح المتنقلة التى تستهدف الوصول إلى المناطق الحدودية والنائية، كما تم الإعلان عن محافظة بورسعيد عاصمة للثقافة المصرية لعام 2020.
وأثلج صدرى فى الأيام الأخيرة وقبل أن نودع عام 2019 تسلم مصر تنصيب القاهرة عاصمة الثقافة الإسلامية خلال عام 2020 خلفاً للعاصمة التونسية، وذلك فى الاحتفال الذى أقامته المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة «الايسيسكو» وأتمنى أن تستفيد مصر بهذا الاختيار لطرح مشروع ثقافى ضخم يضم المثقفين والمفكرين والأدباء ليكون حائطاً لصد التطرف والإرهاب.
هذه الأخبار الطيبة مؤشراً لعودة «القوة الناعمة» لمصر وتعزيز دورها لإثراء الحياة الثقافية والفنية والإعلامية واسترجاع عناصرها الأساسية وبخاصة العنصر الثقافى بهدف مخاطبة العقول الشابة، والعودة للعب دور قوى فى المنطقة والعالم ومواجهة العديد من التحديات.
مودى حكيم

شاهد أيضاً

محاولة صينية لإعادة صياغة النظام العالمي .. بالربوتات !

  تخبئ الصين للمستقبل طموحات عميقة لإعادة صياغة النظام العالمي ، متسلحة بقوة اقتصادية وتكنولوجية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.