الرئيسية / كلمة العدد /
الفن للحياة
عودة الوعي الفني
مودي حكيم
مودي حكيم

الفن للحياة
عودة الوعي الفني

أنّبت إبني، ذات يوم، لأنه تقاعس عن أداء واجب العزاء في وفاة والد زميل لنا مسؤول عن رقابة الألوان في المطبعة، و هي مسؤولية تتطلب ذوقا، و حسًا، جماليًا و فنيًا.

فلطالما إعتبرت أن الأسرة هي الإنتماء الأول للطفل، و عندما يشُب عن الصبا، يُطل على المجتمع، متفاعلًا، فاهمًا لدوره فيه، و منتميا له.

إتسعت عينا إبني دهشة، و بدا كأنه كان يتوقع كل شيء، إلا أن يرى و يعاين، ما رأى و عاين، في الحي الذي يسكنه الزميل في « إمبابة ».

إصطدمت عيناي بملامح وجهه المنفعلة، و هو يردد:

« كيف يمكن لهذا الزميل أن يتعامل مع جمال الشكل الفني الذي يراقبه، و يضبط إيقاع الألوان فيه، و هو يعيش في القبح؟ ».

ففي طلّة كل يوم، مع أول الضوء، تنفتح عينيه على القبح، و ساعة يعطي ظهره لبيته، و وجهه للدرب، يحاصره الخراب و الإهمال، و تبدأ المعاناة اليومية: بلاط الأرصفة مكسّر، أكوام القمامة تفوح منها روائح نتنة، عفنة، كريهة، تُصّبِح على المارة، و تُمّسيهم.

و إن أغمضت عينيك و مشيت، ثم فتحتهما فجأة، تصفعك قلّة الذوق في « دفيليه » الأزياء ، المتنافرة، المنفرة، لا تجانس فيها و لا ذوق، بشاعة تخدش نظرك.

و تمر بإحدى « العشوائيات »، تصدح أصوات من البيوت الملزوزة، بين البيت و البيت بيت آخر، و راديو يصدح  بآخر ما في طبقات صوته، أم كلثوم و أصالة، من جهة، و شاكوش من جهة ثانية!

و تمرجح نظرك على إعلانات  الطرق، لا تهذيب في صياغتها، و لا ذوق في تصميمها، تجرح نظرك و تنفر منها و من حالك، و من الشارع المصري، و منظره، و وساخته، و قبحه… و ما فيه من مساوىء و عيوب، لا تسيء الى المواطن العادي فقط، إنما الى دولة تنتمي الى حضارة موغلة في القدم، و متجّذِرة في تاريخ البشرية.

و يبدو لي، إننا ما عدنا نؤمن بأن الفن و الجمال في المجتمع، يسهمان بشكل أو بآخر، في دفع الإنسان الى التعايش في مجتمع سوي، متسامح، مستنير و واع.

و ما عدنا نرى أن الفن، في شتى أشكاله، و مذاهبه ، و مدارسه، يُسهم، هو الآخر، في تربية القيم الوسطية، القائمة على ثقافة العدل و السلام، التي تدعو اليها الديانات السماوية.

عيّابون ، شتّامين، صرنا، نكره بدل أن نحب، فيغيب الضمير فينا، و ينكسر ميزان العدل، ويصبح الجمال قبحًا، نراه كل يوم في شوارعنا و تصرفاتنا.

عيب علينا، أن يستفيق الناس في هذا البلد، على إفرازات من إنحطاط الفن، و القيم، و عُقم التفكير، و تخلفه،     و تعّصُبه المقيت.

ما الذي يمنع معالي وزيرة الثقافة، من اقتناء الأعمال الفنية، من تماثيل، و جداريات، و لوحات زيتية، فتفك أسرها من محترف الرسامين التشكيليين، و النحاتين الضاربين أزاميلهم في الرخام والخشب… فتملأ  ميادين المحروسة بها. و لنا في تمثال « نهضة مصر » للنحات محمود مختار، أمام « حديقة الحيوان » خير مثال يجسد العقيدة الوطنية.

 

ما الذي يمنع، تفعيل شروط قانون البناء، بإلزام أصحاب العقارات الجديدة، قبل إعطائهم التراخيص القانونية، باعتماد الواجهات .

ما الذي يمنع، رؤساء الأحياء، من دوام  تفقد الشوارع والطرق الجانبية، للتأكد من نظافتها، من النفايات و الأوساخ، و حماية البئية، حفاظًا على الصحة العامة.

فمن العيب، أن يتحول مطلع كوبري « صفط اللبن »، في الدقي، الى مقلب رسمي للنفايات، و القاذورات، و الفضلات، و تعشش فيه ورش « سمكرة » السيارات ، و كل ذلك، على بعد أمتار قليلة من « الهيئة العامة للنظافة والتجميل » لمحافظة الجيزة.

ما الذي يمنع عودة الوعي الفني؟

ما الذي يمنع  أن نجعل مصر ملجأ للأخلاق ، والذوق العام الصحي السليم.

ما الذي يمنع أن نجعل مصر موئلًا  للحق و الخير و الجمال؟

 

 مودي حكيم

شاهد أيضاً

« بروباجندا» ترامب بالذكاء الاصطناعي

  حقق الرئيس ترامب على منصة x إكس فى ساعات قليلة أكثر من 70 مليون …