الرئيسية / كلمة العدد /
فى ذكري 23 يوليو :
مجلة يحمل أسمها التاريخ ( 2 )
مودي حكيم

فى ذكري 23 يوليو :
مجلة يحمل أسمها التاريخ ( 2 )

فى جلسة صفاء فى إحدى ليالى لندن الباردة، وعلى «كباية شاى»، كما كان يسميها، سرد لى تفاصيل واقعتين من زمن أيامه فى الشام، (لم يأت على ذكرهما فى سيرته الذاتية، ولا تلميحاً، فى أى كتاب آخر من كتبه أو مقالاته).
الواقعة الأولى، تتعلق بما سمى فى سنة 1956 «المؤامرة العراقية»، واستمرت تتفاعل حتى وصول محمود السعدنى إلى دمشق سنة 1957.
ليس هنا منفسح للاستفاضة فيها، أتركها للزمان كما طلب منى، برد الله ثراه، وألحَّ، وها هنا أكتفى بالتلميح، وأعرض عن التفاصيل التى قد تنكأ جراح من بعد أحياء عند ربهم يرزقون، وتهتز لها رفات من اخترمهم الموت.
والواقعة الثانية، عند قيام «الوحدة» بين مصر وسوريا فى 22 فبراير (شباط) 1958.
فى أوائل مارس (آذار) 1958، حطت طائرة الرئيس جمال عبدالناصر فى مطار «المزة»، كان السعدنى مع الذين استقبلوه فى أول زيارة له إلى سوريا، وكتب ما كتب، ونشرت «الجمهورية» كل ما كتب.
حكى لى السعدنى أن بحرًا من الناس هاج وماج فى ساحة «قصر الضيافة»، والشوارع العريضة التى تحوطه، وهدرت أصوات الذين تجمعوا، عندما أطل الرئيس جمال عبدالناصر من الشرفة، حَيَّاهمُ، وألقى خطابًا ارتجت له المنطقة.
«شعرت بالريبة، (والكلام لمحمود السعدنى، أنقله كما سجلته على مفكرتى ليلتها)، فقد كنت على دراية بما يفكر به السوريون، فهم يحبون الوحدة ولكن على شروطهم، ودَدْتُ أن أسرّ للرئيس بألا يثق بالهتافات».
ويتابع السعدنى سرده للواقعة:
«فى جلسة ضمت عددًا من الصحفيين، كنت بينهم، سأل الريس كل واحد عن انطباعاته، وكلنا راوغنا، وأخفينا حقيقة ما نفكر به، وأنا أول هؤلاء، إلا واحداً بيننا، هو الكاتب الفلسطينى ناصر الدين النشاشيبى الذى كان كبير مراسلى «أخبار اليوم»، (تولى النشاشيبى سنة 1959 رئاسة تحرير «الجمهورية»)، فقال للرئيس إنه قرأ فى كتاب «أعمدة الحكمة السبعة» للجاسوس الإنجليزى الكولونيل طوماس إدوارد لورانس، ولقبه «لورانس العرب»، أن دمشق خرجت عن بكرة أبيها، وناسها هتفوا بحياة فيصل بن الحسين الذى أصبح ملكًا على العراق سنة 1918، واستقبلوه استقبال الفاتحين الميامين، ولكنه عندما انكسر فى معركة «ميسلون» أمام القوات الفرنسية، واُرْغِمَ على الرحيل من دمشق، لم يجد فى وداعه فى محطة «درعا» للسكة الحديد سوى مطران طائفة الروم الأرثوذكس!
فاستشاط الرئيس جمال عبدالناصر غضبًا، وصرخ فى وجه ناصر الدين النشاشيبى:
«يا أخى… ملعون أبو لورانس».
انتصب واقفاً، زرر سترته، وخرج من الصالون».
وتلوّن صوت محمود السعدنى بشىء من الحزن، أخذ نَفَساً عميقاً:
«كنت أود لو أننى استطعت قول ما قاله النشاشيبى، فما حَدَثَ بعد أقل من ثلاث سنوات، كان مصداقًا لقوله، وساحات دمشق التى استقبلته بالهتاف، بدّلت صوتها، والهتاف بحياة جمال عبدالناصر والوحدة والثورة، تحول فى التظاهرات إلى كيل التهم للرئيس، والوحدة، والثورة. فالمواطن السورى الذى هتف للوحدة، هو نفسه الذى عاد ونادى بسقوطها.
***
… وللحكي بقية

شاهد أيضاً

فى ذكري 23 يوليو :
مجلة يحمل أسمها التاريخ ( 1 )

  تغربت عن بلدي الحبيب مرتين ، تحدثت عن أولها فى كتاب صدر بالفعل عن …