الرئيسية / كلمة العدد / الصديقان اللدودان !

الصديقان اللدودان !

في”صباح الخير” ديكان صيّاحان . و”الديكة” في العادة يتنافسون على حب وإثراء دجاجات الفن. أما “ديكا” “صباح الخير”، مفيد فوزي سعد إبن “بني سويف”، ورؤوف توفيق جورجي الآتي إلى “المحروسة” من “سوهاج”، فقد كانا يتنافسان على الإبداع ، كل في المضمار المجلي فيه، وعلى البريق الذي يرضي طموحه. وتشهد صفحات “صباح الخير” على إبداعهما وإستحقاقهما  البريق عن جدارة، قبل وأثناء تناوبهما على رئاسة تحريرها.

ياما عانى، الصعيدي الثالث، لويس لوقا جريس،”الأسيوطي” أبا عن جد، الذي كان يدير دفة تحرير المجلة تحت رئاسة فتحي غانم وقتذاك، من المتنافسين المبدعين، فكان بهدوئه المعروف، ورصانته في التفكير، وحكمته في الرؤى، يعرف كيف يصاحب النقيضين ويكبح جموح “الديكين”، ويسوي الأمور ويتدبرها.

وقد أصابني رذاذ من تلك المنافسة، فقد إعتبر  رؤوف توفيق أن له الحق في الإطلاع على تصميماتي للصفحات التي يتولاها أسبوعيا، وخصوصا صفحات “نادي الرسامين”، التي إبتدعها حسن فؤاد لهواة الرسم لإكتشاف المواهب، وكان رؤوف أحد أعضائه كهاوي رسم أثناء دراسته الثانوية و واحداً من الذين يرسلون رسوماتهم للنشر وأخذ النصيحة والتوجيه، في حين إعتبر مفيد أن له الأحقية والأولوية  في الوقوف مني على ما أصمم لصفحاته، فهو يتولى كتابة زاويتين مهمتين في المجلة، الأولى ”سماعي” وهي كناية عن تغريدات فنية وثقافية، وزاوية ”شيء ما “، المخصصة للمرأة بتوقيع مستعار (نادية عابد).

كنت أحاول التملص وإلتزام الحياد في صراع “الديكين”، وأحيانًا  أحتمي خلف لويس جريس، فيتقطع  الإشكال بين مفيد و رؤوف.

على أن عراكهما وتنافسهما المهني لم يخرج يوما عن أصول المهنة، أو يحد عن ناصية الأدب  وإحترام الزمالة. فكانت المنافسة كما وصفها مفيد، ذات مرة، “ تليق بكتاب في مجلة صاغت وجدان أمة “.

وقبل سنة من رحيله عنا، باح لويس جريس، بما كان يكنه ويراه من أمر “الديكين” المبدعين المتنافسين، وكلامه في جريدة “الوفد” دار طويلًا في مجالس الصحافيين، قال ما هذا نصه:

« رؤوف توفيق لديه بعد إنساني كبير، ومفيد فوزي الأكثر مكرًا والأكثر مهنية، وعندما كنت أطلب منه موضوعا كان ينتهي منه على وجه السرعة، وكان يأتي الى مكتبي ويستدرجهم ليعرف ما هو الموضوع الأول، فيغيب مفيد يوما ويأتي بموضوع ويعطيه إلى فتحي غانم، الذي كان يطلب مني ترحيل موضوع رؤوف توفيق إلى الصفحات الداخلية، ووضع مكانه موضوع مفيد فوزي، لأنه سيكون الموضوع الر ئيسي للمجلة “!

بين مفيد فوزي ورؤوف توفيق ألفة وعشرة، وما يجمع بينهما أكثر مما يفرق. كل منهما إرتبط إرتباطًا وثيقًا بأمه.

أدرك اليتم رؤوف باكرا، فقد ظلمت الحياة أمه. ترملت، فتحملت ضيمها ساكتة صبورة، وأصبح ضناها كل دنياها، عانت وكابدت الأمرين في رعايته، لم تبخل عليه من الحنان، فطوى صدره ، لما شب وبلغ الحلم، على الحب والأنفة وعزة النفس، وعلمته الوفاء فكان وفيا ذكارا للجميل، دؤوبا صبورا، صمته يتكلم، وعندما يتكلم كلامه لا يخلو من عمق النظر، ورأيه صائب دقيق.

عشق رؤوف الفن السابع، فشارك في تغطية العديد من المهرجانات الدولية. كان له الفضل العميم في تعريف السينما الأجنبية لشريحة عريضة من القراء الشباب  الذين كانوا يجهلون الكثير عما ينتج في الغرب من أفلام جادة و رفيعة المستوى الفني، بسبب الرقابة الصارمة على عرض تلك الافلام.

وبأسلوبه الصافي، الواضح ، المنزه عن اللغو، أخذ بيد القارئ وعرّفه على تيارات السينما الأجنبية، شارحًا، وناقدا، ومقارنًا… فكان صاحب ميسم خاص في الكتابة عن الفن السابع.

قدم كتبًا في السينما، راجت وأصبحت مراجع مهمة، منها: “سينما المشاعر الجميلة “،”سينما الزمن الصعب “، “سينما ما زالت تقول لا”، ”أوراق في عشق السينما“، ”سينما المرأة”، ”سينما الحب”، ”سينما اليهود” و “دموع وخناجر “.

ولم يكتف رؤوف توفيق بالكتابة عن الأفلام، عارضًا وناقدًا، إنما شارك في صناعتها، فكتب العديد من القصص السينمائية، والسيناريوهات منها “زوجة رجل مهم”، الذي فاز بجائزة أفضل سيناريو، ثم أعقبه بعدد من الأفلام منها،”مستر كاراتيه “، ” مشوار عمر“، وسيناريو وحوار “ من فضلك واحسانك” عن قصة نجيب محفوظ.

واتجه الى التليفزيون فأعطاه عددا من المسلسلات منها “آخر الخط”،”حمد الله على السلامة”، ”الآنسة” الذي أدت فيه سناء جميل دور البطولة قبالة عمر خورشيد.

في مسابقة وزارة الثقافة للنقد، فاز رؤوف توفيق بالجائزة الأولى عن نقده فيلم “حمام الملاطيلي”، وبالجائزة الثالثة عن نقد فيلم “الشحات”…

ترأس مهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر الأبيض المتوسط، فأبلى بلاء حسنا وتم تكريمه.  و قال مفيد فوزي، صديقه اللدود، عنه في كلمة يوم التكريم:

“ان جيل رؤوف تحمل الكثير، وانحاز الكبار فيه للناس، ولا بد لمن يعمل في “صباح الخير” أن يكون كذلك”.

وفاء لأمه، رفض رؤوف توفيق الزواج إلا بعد وفاة والدته ، وهو كان يرفض دعواتنا للغداء أو العشاء، لأنه كان يحرص دائما على أن يتناول وجباته الغذائية مع أمه.

أعطى رؤوف توفيق قلبه للكاتبة الصحافية منى ثابت، المحررة في “آخر ساعة”. مرهوبة القلم لجرأتها، لم تأبه لحكم الإخوان المسلمين، ولم يرتعد قلمها، ظل جريئا لا ينكسر ولا ينحني ويطيع، فأوقفوها عن الكتابة في ديسمبر ( كانون الأول) سنة ٢٠١٢.

مسحت منى ثابت قلمها من عدد من الكتب أحدها “إيريس نظمي…القلب الشجاع”، عن مسيرة الناقدة إيريس نظمي.

رؤوف توفيق ، يضرب فيه المثل في الخجل و الحياء، ورهافة الحس، وتدفق الحنان، فهو بذلك أشبه بتلامذة مدارس الأحد في الكنيسة المصرية، راهبا متعبدا في محرابه.

وعلى النقيض منه، كان مفيد فوزي جسورًا، جريئا في طرحه أفكاره، ثابت الجنان، قوي التشكيلة، لا ينكسر بسهولة أمام المطالبة بحق،  ولا يخشى فيه لومة لائم.

تعاونت على تكوين شخصية مفيد فوزي عوامل عدة: بيئة صالحة مصلحة، ومنبت كريم طيب، ووالدة (مريم فرج)، يقظة ساهرة لإبعاد إبنها عن أقران السوء، فكانت الدافع له على التزود بالعلم، حببت إليه القراءة، فتشكلت عنده ثقافة واسعة لا تبرج فيها. فتح له في التعليم، فدخل كلية الآداب قسم اللغة الإنكليزية بجامعة القاهرة، وتخرج منها مجازا في الآداب.

لما كبر على الصبا ويفع، أدرك أن الكتابة قدره، ولقد كان سريع الخاطر فيها لكثرة محفوظه. فدخل محراب الصحافة، متمرنا في “روز اليوسف”، قبل أن ينتقل بعدها إلى “صباح الخير”، ليتتلمذ على يد أحمد بهاء الدين.

كان مفيد فوزي مولعا بالتنقيب عن معنيات القضايا التي كان يتناولها في تحقيقاته ومقالاته.لا أعرف له، في هاتيك الزمن، شبيهًا  في القدرة على إيصال فكرته بسهولة من دون مواربة ودوران على المفردات واللغة.

لكن مفيد كان يميل دائما إلى الأحاديث الصحافية، وأتقن فن الحوار. أول حوار صحافي نشر له في “صباح الخير” كان مع زينب الغزالي، الداعية الإسلامية… وبعدها تسيد هذا المجال على الورق وخلف المذياع وأمام الكاميرا، فاستحق لقب “المحاور” عن جدارة وإستحقاق، ولا غزوة في ذلك، فهو طروب الحديث، يخضع له التعبير خضوع العبد لسيده.

باستمرار كان مفيد فوزي، ولما يزل، يبذل جهدًا متواصلًا وعطاء متماديًا، إستند إليهما في رقيه نحو قمة “صباح الخير”، فكان ثماني سنوات متواصلة، رئيسا لتحريرها.

وعلى الرغم من ذلك، شعر مفيد فوزي، ان طموحه أوسع من أن تحتويه دفتي مجلة، فكانت شاشة التليفزيون ولعه بعد الحبر والورق، فأعطاها أحلى سنوات عمره، فبادلته هي العطاء بريقا وشهرة، فدخل بيوت الناس، فأحبوه وتابعوه.

وقف طويلًا وراء إعداد أنجح البرامج في التليفزيون، وأرشيف “ماسبيرو ”الشاهد والحافظ، مع ليلى رستم، (قبل تركها مصر الى لبنان  وزواجها من منير طقشي وعملها في تليفزيون لبنان)، وسلوى حجازي… وبعد فترة طالت في مجال إعداد البرامج، ظهر مفيد فوزي على الشاشة الصغيرة سنة ١٩٨٢ بقرار من سامية صادق، لتقديم البرامج التي يعدها بنفسه.

وكان أول حوار تليفزيوني يقدمه مفيد فوزي، كان مع نجيب محفوظ ضمن برنامج “عصر من الفن”.

وكرت حبات السبحة، برامج، لقاءات، تحقيقات، وحوارات… في ما صار يعرف بظاهرة ” تلفزة الصحافة” أو “الصحافة التليفزيونية “، التي أطلقها مفيد وأخذها عنه كثيرون نهجوا نهجه وقلدوه…

في ١٣ مارس (آذار) ١٩٩٨ رشحه صفوت الشريف، وكان وزيرًا للإعلام في هاتيك الأيام، لتقديم برنامج “حديث المدينة” كنسخة مصرية عن برنامج  Talk of the town ، الذي كان قدمه في التليفزيون البريطاني مغني الجاز الاميركي توني بنيت سنة ١٩٧٢ من النادي الليلي المعروف بهذا الاسم في عاصمة الضباب و لم يستمر بثه طويلا (سنة ١٩٨٢ قام داج ريموند باحياء فكرة هذا البرامج في التليفزيون الأميركي بث لموسم واحد فقط). فكان “حديث المدينة” المصري أول برنامج خرجت فيه الكاميرا من الإستوديو  إلى الشارع، وإستمر بثه زهاء عشرين سنة.

حول العالم حمل مفيد فوزي قلمه، يرى ويسجل مشاهداته بأسلوب صاف، حلو المفردات، يلبس ما يرى ويعاين اللائق من الكلام. ومن أبرز رحلاته، واحدة إلى اليابان، بمناسبة تشغيل خط طيران مباشر بين القاهرة وطوكيو، رافقه فيها رجائي ونيس، الرسام المتميز، فرسم نفسه ومفيد فوزي على هيئة فتيات ال “غيشا” و ظهر الرسم الرائع بخطوطه وتفاصيله الدقيقة على غلاف “صباح الخير” فأستاء اليابانيون، ولم تعجبهم الفكرة، ولم تشفع روعة الرسم في التخفيف من إحتجاجهم! عاد مفيد فوزي من طوكيو، وبقي رجائي ونيس فيها ليتغير مجرى حياته.

لم تترك السينما مفيد فوزي بحاله، طرقت بابه، فظهر في  شخصيته الحقيقية في فيلم “حديث المدينة” الذي أنتجته ماجدة الصباحي . ومرة ثانية في فيلم “معالي الوزير” الذي كتبه وحيد حامد وأداه أحمد زكي.

كان بيني وبين مفيد فوزي ود ورفع كلفة، عايشت قصة حبه بابنة عمدة “الأقصر“ آمال العمدة، التي تركت الإشتغال باجازة الحقوق  للكتابة  الصحافية، لتجلس خلف المذياع لتقدم برامج شدت آذان ملايين المستمعين إلى الراديو، ومنها برنامج ”عقدتي” الذي غاص في أعماق ثلاثين شخصية من المشاهير في المجالات شتى، وبرنامج” صحبة و أنا معهم” و “حارة الحوار” و غيرها من البرامج الكثير…

كانت ثمرة زواج مفيد وآمال ابنتهما حنان التي تقفت درب أبيها وأمها كاتبة صحافية وإذاعية ووجه ناجح على الشاشة الصغيرة.

خلال عملي في مهنة المتاعب في مصر، أدركت ان قلة قليلة من السياسيين يمكننا مخاطبتها من دون أن نكون عند الله من الآثمين. كان مفيد فوزي يخالفني الرأي، حتى إكتوى بنار أحد السياسيين. فعندما نشر مقالا إنتقد فيه نهج عبدالمحسن أبو النور، وزير الزراعة على زمن جمال عبد الناصر، مفندا أخطاء السياسة الزراعية التي يعتمدها الوزير، اعتبر مفيد من “الآثمين”، فمنع من الكتابة وأوقف عن العمل وقطع معاشه.

طالت فترة “معاقبته”، وتمددت على مدي ١٤ شهرًا . ضاقت ذات يده، وبّرحت به الحاجة، فعول على الأصدقاء هو الأنوف عن كبرياء وعزة نفس. فأرسلت له نادية لطفي مبلغ ١٦١ جنيها، سدد به فاتورة هاتفه المنزلي وبعض المستلزمات، وجاءه  المدد من محمود السعدني، الذي زاره ونقده مبلغ ٣٣٧ جنيها، هو فروقات رحلات العمل التي كان يقوم بها قبل إرتكابه”الاثم” والعقوبة الجائرة.

كنا نلتقي في تلك الفترة في مطعم “أونيون” قبالة دار القضاء العالي وبجوار سينما “ريفولي”، نتناول طبق “نجرسكو”،(وجبة من المطبخ الإيطالي مكونة من مكرونة بالدجاج وصلصة بيضاء Sauce blanche وهو طبق مرغوب ومطلوب ويعشقه المصريون)، كان مفيد في تلك الفترة يعاني حزنًا مضي، كان يشعر ، كما ردد أمامي، ان الإعتقال أرحم مرات من إيقافه عن الكتابة. فالقلم والحبر والورق هم كل دنياه، هم متنفسه الطبيعي، من دونهم يختنق…عدم الكتابة كانت سجنًا مظلمًا والكآبة حرية وإنطلاق.

لم يترك مفيد شفيعا إلا طرق بابه، فكانت الأبواب تقفل في وجهه. ضاقت به السبل ، حتى قدر له بعون صديقه عبدالحليم حافظ  لقاء سامي شرف، سكرتير جمال عبدالناصر الشخصي للمعلومات وأحد أبرز مؤسسي المخابرات العامة المصرية. روى سامي شرف ما دار وجرى في كتابه “سنوات وأيام مع جمال عبدالناصر” فكتب:

“توسط عبدالحليم حافظ لدي لكي أقابل مفيد فوزي، عندما أوقف عن العمل الصحافي، وقابلته فعلًا، وعندما عرضت على الرئيس نتيجة المقابلة، أمر أن يلغى قرار الإيقاف  ليعود لعمله الصحافي “.

وعاد مفيد فوزي يمتشق القلم في عطاء مستمر، على الرغم من انه يحمل على كتفيه تعب ٨٨ سنة.

له حبة القلب والعمر الطويل.

مودي حكيم

شاهد أيضاً

الذكاء السوبر .. وثقافة الجمال الجديدة !

  حاولت هذا الأسبوع أن أخرج طواعية – وأنا سعيد – من كوكب التكنولوجيا، والهروب …