استمتعت فى لقائي الاول بسناء جميل ، بكم الحنان الذي تهبه للحبيب زوجها لويس جريس ، وماتبديه من محبة لاصدقائه وزملائه ، تكررت الزيارات . اقتربت أكثر من سناء ، وعائلياّ بلويس وسناء التى أحبت زوجتى ،فقد جمعهن الأصل الصعيدي فكلاهما من محافظة أسيوط ، بالإضافة إلى أن والدة سناء وزوجتي تخرجا من نفس المدرسة، كلية البنات الأمريكية بأسيوط . استمتعنا معا بنظرة سناء الثاقبة فى كل حواراتها فهى ترى الأمور كما هي، وليس كما تتخيلها وهذا سر نجاحها ، فى رحلتها بدأت بالممكن ليستسلم لها المستقبل . بقلبها الجميل هى ورفيق عمرها يؤمنا بأنه كلما ضاقت بهما الدنيا قالا ” يارب ” .
ومن خلال قصصها تعرفنا أكثر على ثريا يوسف عطالله ، بنت عائلة صعيدية قبطية ميسورة من المنيا ، تيتّمت وهي في الحادية عشرة من عمرها، بعدما فقدت والديها الأب المحامي والأم خريجة كلية البنات الأمريكية بأسيوط على التوالي، فأصبح شقيقها الأكبر وليّ أمرها، انتقلا للقاهرة لتعيش فى منطقة غمرة مع خالتها واخيها الذي الحقها كطالبة بالقسم الداخلي في مدرسة “مير دو ديو” Mère de Dieu. وحين عرف أنها ترغب في دراسة التمثيل، رفض الفكرة تماماً، فقابلت الرفض بعناد، وفي سرية تامة التحقت بالمعهد العالي للفنون المسرحية بعد أن زورت إمضاء أخيها على اوراق قبولها بالمعهد وبالفعل التحقت به وبدأت تدريب ومحاضرات على التمثيل وتمرين على النطق باللغة العربية. الصحيحة
في هذا الوقت قام زكي طُليمات بتأسيس فرقة “المسرح العربي الحديث” واختار سناء ومجموعة من زُملائها للإشتراك بهذه الفرقة. وعندما بدأت الصحافة تكتب عن تلك المواهب الشابة التي تعمل في مسرح زكي طُليمات، عرف أخوها ما كانت تُخفيه عنه. وكان رد فعله عنيفا للغاية لدرجة أنه صفعها على وجهها عندما علم أنها تعمل بالتمثيل وطردها من المنزل في الليل ، فى هذه الليلة لم تجد مأوى ، وكان ذلك وقت أحداث حريق القاهرة عام 1952.
وتروي سناء جميل أنها خرجت من البيت في الليل ولم يكن معها نقود، واضطرت للمشي من غمرة للتحرير، حيث ذهبت لمنزل أستاذها في المعهد وقتها الفنان والممثل سعيد أبو بكر، ولجأت له هو وزوجته، وقد رحبا بها كثيرا. وظلت مُقيمة عندهم لمدة 3 شهور. بعدها بدأت سناء رحلتها في المعهد والمسرح، واستطاع زكي طُليمات أن يوفر لها سكنا في بيت الطالبات أو المغتربات وعملا في المسرح بجانب ما تأخذه من المعهد. فقد كانت تحصل على 6 جنيهات من المعهد العالي للفنون المسرحية، حيث كان المعهد يمنح هذا المبلغ لكل طالبة كل شهر كتشجيع على الدراسة، بالإضافة لـ 6 جنيهات من فرقة المسرح العربي الحديث. كل مواردها كانت 12 جنيها في الشهر. بعد خروجها من بيت الطالبات اضطرت سناء أن تعمل في الخياطة والتطريز وهي من الفنون التى تعلمتها فى المدرسة ، فعملت فى أحد المحلات المُتخصصة فى خياطة وتطريز جهاز العرائس ، إلى جانب تصنيع ملابس تبيعها لأصدقائها . و من مدخراتها استطاعت أن تحصل على شقة متواضعة في منطقة أرض شريف القريبة من ميدان العتبة بمساعدة الفنانة نعيمة وصفي التي اقترحت عليها أن تستأجر الشقة الصغيرة التي تقع في الدور الأول من نفس المبنى الذي كانت تسكن به بإيجار شهري 3 جنيهات .
لم تشعر بالألم أو الحرمان فلديها حلم وطموح أن تصبح ممثلة و نجمة كبيرة ، نامت على الأرض مستخدمة ملابسها لتنام عليها ، مما سبب لها انزلاقاّ غضروفياّ فيما بعد ، حتى تمكنت من شراء سرير ، و ” بابور ” جاز وحلة وكنكة .
وبدأت ثريا يوسف عطالله رحلتها مع الفن ، واختار لها أستاذها زكي طليمات اسماً فنيا سناء جميل عندما اسند لها دوراّ بارزاّ في مسرحية الحجاج بن يوسف ، أذ جسدت شخصية ية ” غزالة ” زوجة المحارب شبيب فو أول صعود لها على خشبة المسرح . أعجبها الاسم ووافقت عليه ، فأسمها الحقيقي كان سَيسُبب متاعب أكثر مع عائلتها … وانطلقت سناء جميل بموهبتها النادرة التى تجمع بين الثقافة وإجادة اللغة والموهبة الكبيرة ، فى مشوارها الفني 156 عملاّ فنياّ ، واضيفت افلامها إلى قائمة أفضل 100 فيلم فى السينما المصرية ، فكان لها أدوار لاتنسي فى السبعينيات كفيلم ” حكمتك يارب ” وفي الثمانينات فيلم ” المجهول ” رائعة البير كامو ، إلى دورها ونجاحها الأسطوري في ” بداية ونهاية ” فى “نفيسة ” ، ودورها البديع في ” حفيظة ” الزوجة الثانية بفيلم ” الزوجة الثانية ” و ” المستحيل ” ، ووهجها المسرحي فى مسرحية ” زهرة الصبار ” ، و ” ليلة مصرع جيفارا ” .
***
اثناء غربتي فى لندن لإنشاء وتأسيس وإدارة مكتب روزاليوسف عام 1977 ، دعتني سناء جميل لحضور مسرحية لها فى باريس ، سافرت لباريس فرحاّ بنجاح الفنانة الصديقة ووصولها إلى خشبة المسرح الفرنسي ، توجهت مباشرة من مطار شارل ديجول إلى مسرح Espace Cardin بيار كاردان فى حدائق الشانزليزيه في 1 شارع غابرييل في الدائرة الثامنة بباريس مجمع عصري للفنون والفعاليات يضم مسرحاّ وقاعة اجتماعات ومعرض فني وحدائق خاصة ومطعماّ ، صممه المعماري الفرنسي أنج جاك جابرييل وتسع قاعته الرئيسية 673 مشاهد ، افتتحه بيير كاردان عام 1970 رغبةّ منه فى انشاء فضاء فريد من نوعه يضم جميع التخصصات الفنية .
المسرحية التى دعتني سناء لحضورها “رقصة الموت ” تأليف لسترنبرج ، باللغة الفرنسية ، وشاركها البطولة الفنان المصري جميل راتب الذي شارك فى سبعة أفلام فرنسية اثناء مشواره العالمي قبل عودته لمصر ، والممثل الفرنسي كلود مان أشهر ممثلي السينما والتليفزيون الفرنسي. وعلى مدي يومين من الأسبوع الذي عرضت فيه المسرحية بباريس ولأول مرة فى تاريخ المسرح الفرنسي قدمت سناء وراتب المسرحية باللغة العربية .
حرص أغلب فناني فرنسا على حضور المسرحية ، بناءّ على مقابلة تليفزيونية هامة أجراها التليفزيون الفرنسي تحدثت فيها سناء عن فى السينما والمسرح ، و ما كتبته الصحف الفرنسية عن مكانة سناء جميل كواحدة من أهم ممثلات المسرح المصري ، كما عرض التليفزيون الفرنسي فيلمين مصريين من بطولتها هما فيلما “بداية ونهاية “و “فجر يوم جديد”.
حضر العرض بيير كاردان صاحب أكبر بيت أزياء فرنسي ، ولأعجابه بسناء جميل اثناء حضوره البروفات قدم عرضا عن منتجاته على خشبة المسرح أثناء استراحة فصول المسرحية.
يومها قال جان بييرلاري مخرج رقصة الموت إن سناء جميل ستصبح بعد هذا العرض من ممثلات المسرح الفرنسي بعد أن انتشرت سمعتها الفنية بين المسرحيين الفرنسيين منذ تقديم بروفات المسرحية حتى بدايات العرض . العرض الذي كان مذهلاً، تألقت فيه سناء ، وعلا التصفيق ، وتباري الفنانين الفرنسيين فى السلام والتعبير عن إعجابهم بالنجمة المصرية .
توجهت لكواليس المسرح مهنئا، كانت مرهقة للغاية ، شكرتني لحضوري لتضيف ” كان نفسى لويس يكون موجود ، لكنه ما أقدرش يسيب المجلة ، البركة فيك “ . توجهنا بعدها وبمشاركة جميل راتب الذي تعرفت عليه لأول مرة لكافتيريا الفندق المتواضع الذي تقيم به لنحتفل بها .
***
هذا العرض السريع المتواضع أقل كثيرا عما تستحق أيقونة التمثيل الصادق ، والالتزام الفني ، قصة كفاح واصرار تُدرسّ للأجيال ، عندما طلبت التمثيل مع أحمد زكي قبل رحيلها قال ” ده أنا إللى اتمني اشتغل معاكي ” ، أما تعليق الدكتور طه حسين عن تمثيلها ” ليس لأحد على تمثيلها مثيل” أصبحت واحدة من أبرز نجمات التمثيل ، و تميزت بصدق الأداء حتى قال عنها الفنان فؤاد المهندس “اعتبرها بمثابة الاختراع الذي لا يوجد له مثيل ،لا أحد يشبهها ولا تشبه هي أحد “
مجلة 24 ساعة