
أستاذ كلية هولت للأعمال، الولايات المتحدة والمدير التنفيذي لـ Gov Campus
قبل عشر سنوات فقط كان وصف “الذكاء” يُستخدم كصفة استثنائية، نقول: هاتف ذكي، نظام ذكي، منزل ذكي؛ اليوم صار الذكاء هو القاعدة، هو الطبيعي الجديد، لا أحد يسأل إن كان الهاتف ذكيًّا، بل كم درجة ذكائه، والآن يحدث الشيء نفسه مع الذكاء الاصطناعي: لم يعد “تكنولوجيا ناشئة”، بل أصبح البنية التحتية للعصر الجديد، يُشغّل كل ما حولنا من التطبيقات البسيطة إلى أقوى المنظومات الاقتصادية والعلمية.
عندما أطلقت OpenAI النسخة الخامسة من “تشات جي بي تي” في صيف 2025، تغيّرت طريقة البشر في التفكير والإنتاج، ملايين الكتّاب والمصممين والمحللين، بدؤوا يعتمدون على الذكاء الاصطناعي كجزء من يومهم، لم يعد مجرد أداة بل “زميل ذكي” يشاركهم في صياغة الأفكار واتخاذ القرارات.
والنسخة المنتظرة “تشات جي بي تي 6” ستجعل هذا التعاون أعمق وأسرع وأكثر تخصيصاً، حيث يمكن لكل مستخدم أن يكوّن “نسخته الخاصة” من الذكاء الاصطناعي، تتعلّم منه وتفكّر بطريقته، السؤال لم يعد؛ هل سنستخدم الذكاء الاصطناعي؟ بل؛ كيف سنعيش ونعمل في عالم يقوده الذكاء الاصطناعي؟
لكن هناك موجة أكبر في الأفق؛ انتقال الذكاء الاصطناعي من العالم الرقمي إلى العالم المادي — من الخوارزميات والكودات إلى الأذرع المعدنية، من الشاشات إلى الشوارع.
قبل عقد من الزمان، كانت الروبوتات تُمثّل الخيال العلمي في الأفلام، اليوم أصبحت واقعاً مألوفاً
الدرونز مثلاً بدأت كأدوات عسكرية، لكنها الآن تُستخدم في الزراعة لرشّ المحاصيل، وفي اللوجستيات لتوصيل الطلبات في دقائق، وفي الإنقاذ لتحديد مواقع المفقودين، شركة أمازون توصل آلاف الطرود يومياً عبر طائراتها الذكية، بينما تستخدم مرسيدس روبوتات ذاتية الحركة لنقل القطع داخل مصانعها بدقة تفوق الإنسان.
أما في المنازل، فقد أصبح روبوت التنظيف مثل “روومبا” جزءاً من الروتين اليومي، وتعمل شركات مثل سامسونغ وإيكوڤاكس على تطوير روبوتات قادرة على الطهي أو العناية بكبار السن، وفي قطاع الصحة هناك روبوتات تُجري العمليات الجراحية بأيدٍ ثابتة لا تعرف الارتباك، مثل روبوت “دا فينشي” الذي يُستخدم في أكثر من 70 دولة، وشارك في أكثر من سبعة ملايين عملية حتى اليوم، حتى التعليم تغيّر؛ روبوتات مثل “ناو” و”بيبر” تُدرّس في الفصول، وتساعد الأطفال على تعلم اللغات والرياضيات بطريقة تفاعلية.
لقد تحوّل الخيال إلى اعتياد، والاستثناء إلى قاعدة.
الإنسان–الآلة.. العالم الجديد
كما أصبح الهاتف الذكي هو الهاتف “العادي”، سيصبح وجود الروبوتات جزءاً من المشهد اليومي، في مكاتب اليابان يستقبل روبوت موظفي الشركات عند البوابة، في مصانع ألمانيا تعمل الروبوتات جنباً إلى جنب مع البشر في خطوط الإنتاج، تتعاون لا تتنافس، وفي مطاعم دبي وسنغافورة تقدّم روبوتات الطعام بابتسامة رقمية.
هذا هو عصر الإنسان–الآلة؛مزيج من العاطفة الإنسانية والدقة الميكانيكية، الإنسان يجلب الإبداع، والآلة تجلب الكفاءة، معًا يشكّلان منظومة جديدة للإنتاج والمعرفة.
التحدي لن يكون في الثقة بالآلة، بل في دمجها، كيف نعيد تصميم الوظائف، المدن، وحتى القوانين لتستوعب شركاء جددًا غير بشريين؟ كيف ندرّب أبناءنا على العمل مع الذكاء لا ضده؟
العالم يتّجه بسرعة إلى “الذكاء الاصطناعي المادي” — مرحلة يتقاطع فيها الذكاء الرقمي مع الجسد الميكانيكي، وهذا سيعيد تعريف مفاهيم مثل الإنتاجية، والمهارة، والقيادة، فالقائد المستقبلي لن يقود فريقاً من البشر فقط، بل مزيجاً من البشر والآلات.
اقتصاد جديد
وفقاً لتقرير “ماكينزي”، ستضيف الأتمتة والروبوتات ما يعادل 15 تريليون دولار إلى الاقتصاد العالمي بحلول عام 2030، أي أكثر من حجم اقتصاد الاتحاد الأوروبي حالياً، في المقابل ستظهر وظائف جديدة لم تكن موجودة من قبل؛ “مهندس تفاعل روبوتات”، “مدرّب ذكاء اصطناعي”، و”مستشار أخلاقيات الخوارزميات”.
بل إن بعض الشركات والحكومات بدأت تعيّن روبوتات في مجالس إدارتها؛ في هونغ كونغ مثلاً تم تعيين أول عضو مجلس إدارة آلي في شركة رأس مال مخاطر، مهمته تحليل الفرص الاستثمارية بلا تحيّز بشري، وفي الإمارات العربية المتحدة تم الإعلان عن عضوية الذكاء الاصطناعي كاستشاري في مجلس الوزراء خطوة حكومية هي الأولى على مستوى العالم
الذكاء الاصطناعي لم يعد مستقبلاً بعيداً، إنه الحاضر، والروبوتات لم تعد كائنات من أفلام الخيال، بل أدوات ستعيد تشكيل معنى العمل والحياة، لكن في قلب هذا التحوّل يبقى الإنسان هو “المعماري”؛ من يصمم، يوجّه، ويمنح المعنى، التكنولوجيا لا تملك هدفاً من تلقاء نفسها، نحن من نمنحها الاتجاه.
الذين سيفهمون هذه الحقيقة اليوم، ويبنون مهاراتهم ومؤسساتهم وفقها، سيكونون قادة الغد، أما الذين يتجاهلونها فسيجدون أنفسهم متفرجين في عالم جديد تقوده شراكة غير مسبوقة بين الإنسان والآلة.
نحن لا نعيش فقط ثورة صناعية جديدة، بل ثورة إنسانية–آلة، وكما قال أحد المفكرين: “في المستقبل القريب، لن يكون السؤال من هو الأذكى، الإنسان أم الآلة، بل من الأقدر على التعاون بينهما”.
ذلك هو جوهر المرحلة القادمة؛ من الذكاء الاصطناعي إلى الذكاء الاصطناعي المادي، ومن الأدوات إلى الشركاء، ومن الخيال إلى الواقع.
عصر الإنسان–الآلة قد بدأ، ومن لا يستعد له اليوم، فسيستيقظ غداً في عالم لم يُصمَّم له.
CNN Business News
مجلة 24 ساعة